التعليم كان ولا يزال هم دول العالم وتحديداً دول الخليج التي شهدت طفرة تعليمية رائدة واستطاعت خلال سنوات محدودة تحقيق العديد من طموحات اهل هذه المنطقة , وخلال سنوات التعليم الماضية كانت مؤسسات التعليم تخطط بصورة منفصلة نوعاً ما عن المجتمع لأسباب كثيرة لعل منها حاجة المجتمع الخليجي العاجلة الى محو أمية الناس وتوفير الطاقة المحلية لتحمل المسؤولية في المجتمع, والوفرة المالية في دول الخليج التي ادت في بعض الدول الى الاستعجال في المشاريع التربوية, لأننا نستطيع توفير العلم والعلماء بالمال الذي نملكه, ومن العوامل المؤثرة في استقلال الجهاز التربوي بالتخطيط بعيداً عن المجتمع قلة الكفاءات المجتمعية المتخصصة والمتعلمة, مما دفع الدول الى الاعتماد على الطاقات والخبرات الوافدة التي ادت دوراً مشكوراً في معظم دول الخليج. ولكن الماضي تبدل بحاضر نعيشه ومستقبل نستشرفه, تعدلت فيه ملامح دول الخليج حتى اصبحت الصورة تختلف تماماً عن الماضي, وبرزت في الساحة التربوية العديد من الظواهر غير الطبيعية في دول تعاني من الندرة البشرية, ومن ذلك مثلاً: المتعلم العاطل: تعاني العديد من دول الخليج ذات الندرة البشرية من تزايد طوابير الخريجين على المهن والوظائف, ومع كبر حجم الطابور تزداد سنوات الانتظار لتصل الى اكثر من ثلاث سنوات في احسن الاحوال, تناقض غريب: ندرة بشرية في نفس الوقت بطالة وظيفية, لا يخفى على احد خطورة ذلك اجتماعياً وأمنياً فالبطالة بؤرة فساد خطيرة. تخصصات انسانية: بالرغم من أهمية الدراسات الانسانية في المجتمعات البشرية الا ان المجتمعات بحاجة ماسة الى جانب العلوم التطبيقية, والدارس لتوجهات المتعلمين سواء في التعليم العام او العالي يرى ان النسبة في معظم دول الخليج تتجه الى التخصصات الانسانية التي فاضت عن الحاجة في سوق العمل. كثافة ليست في الميزانية: بدأت العديد من دول الخليج تعاني من تزايد اعداد المقبلين على التعليم العالي بشتى درجاته حتى أصبحت المؤسسات تقع بين صنفين الأول هو الذي رفع النسب حتى لا يكاد يلتحق بالمؤسسات الا من قارب التسعين في نسبة الثانوية العامة مما حرم آلاف من الطلاب من هذه الفرص, والنوع الآخر هم الذين تحملوا هذه الاعداد المتزايدة ولكن بنفس الميزانيات السابقة مما ادى الى كثافة في قاعات الدرس قل معها العمق التربوي. مخرجات شبه مرفوضة: في دول الخليج التي تتميز بالمركزية التربوية برزت ظاهرة غير مبررة فبالرغم من ان هناك وزارات متخصصة في كل شيء الا ان جسور التواصل بينها مقطوعة في العديد من الدول, فمثلاً لا تقبل مؤسسات التعليم العالي مخرجات الثانوية العامة لأنها لا تنطبق عليها شروط النجاح في التعليم العالي, ومن ذلك مثلاً لا يدرس الحاسب الآلي في بعض دول الخليج الى الثانوية العامة, وهو وسيلة مهمة في التعليم مما دفع المؤسسات الاخيرة الى اضافة فصل أو سنة لمعالجة هذا الخلل الذي كان من الأولى تداركه في التعليم العالي, وفي مقابل ذلك هناك صورة اخرى فمخرجات التعليم العالي لم تعد مقبولة حسب شروط سوق العمل, لأنها تفتقد الى بعض الاشياء التي يعدها ارباب العمل مهمة, ومن ذلك اتقان اللغة الانجليزية فإذا كانت مخرجات التعليم العام لا تتناسب مع التعليم العالي ومخرجات هذا لا تتناسب مع سوق العمل كل ذلك في دول الخليج فأين ستنجح هذه القضية. السبب لهذه الظواهر وغيرها يعود في تصورنا الى ضعف التواصل بين مؤسسات التعليم العام والعالي من جانب والمجتمع والمهن من جانب آخر, ذلك الامر وغيره دفع مكتب التربية العربي لدول الخليج الى التداعي لعقد ندوة ناجحة في جامعة البحرين في الفترة ما بين 15 ــ 17 شوال 1419هـ الموافق 1 ــ 3 فبراير 1999م شارك فيها ممثلون من مختلف دول مجلس التعاون عن قطاعي التعليم العام والعالي, وقد عقدت الندوة تحت شعار (التعاون والتكامل بين التعليم العام والتعليم العالي) نوقشت خلالها (13) ورقة عمل وتوصل المشاركون الى خمس توصيات عامة وثلاثين آلية عمل تساعد الدول الاعضاء في المجلس لردم الفجوة بين شركاء التحديد ولعل ابرز هذه التوصيات تمثل في الآتي: اولاً: تقوية العلاقة بين التعليم العام والتعليم العالي عبر انشاء المجالس التنسيقية بين التعليم العام والتعليم العالي في الدول الاعضاء بمكتب التربية العربي لدول الخليج لخدمة الاغراض التربوية والتعليمية, وتشكيلها من الخبراء والمختصين من هذين القطاعين التعليميين ومشاركة مؤسسات التوظيف. ثانياً: توسيع دائرة البرامج التدريبية وتنويعها للقائمين على التعليم العام واعتبار ذلك جزءاً رئيسياً من الانشطة المستمرة للتعليم العالي. ثالثاً: تأكيد اهمية البحث العلمي التربوي في معالجة المشكلات التربوية في كل من التعليم العام والعالي, والعمل على وضع قائمة (خريطة) لأولويات البحث التربوي والتنسيق بين مراكز البحوث التربوية في ذلك. رابعاً: تعزيز التعاون والتكامل بين التعليم العام والتعليم العالي في كافة الموضوعات المتعلقة بالتطوير الشامل للتربية والتعليم باعتباره ابرز ميادين هذا التكامل. خامساً: العمل على تهيئة الظروف المساندة الداعمة لجهود وانشطة التعاون والتكامل بين التعليم العام والتعليم العالي. ومن الآليات المهمة لتحقيق هذه التوصيات: ــ وضع الخطط التربوية الشاملة الواضحة التي تحدد مجالات التعاون والتكامل بين التعليم العام والتعليم العالي بطريقة مشتركة ويساهم فيها ممثلون عن القطاعات الانتاجية والخدمية والحكومية والأهلية. ــ مشاركة مسؤولي التعليم العام والعالي في مجالس التعليم بالمناطق التعليمية ومجالس الكليات ومجالس الاقسام. ــ الاستفادة من اعضاء هيئة التدريس بالجامعات ومؤسسات التعليم العالي في تقديم اعمال وانشطة استشارية في مدارس التعليم العام ومؤسساته. ــ ان تقوم اجهزة التعليم العام بدراسة الاحتياجات التدريبية لمنسوبي هذه الاجهزة وبرمجتها وجدولتها ووضع الآليات المناسبة لتصميم البرامج التدريبية اللازمة بالمشاركة مع مؤسسات التعليم العالي المعنية. ـ تطوير آليات ملائمة لإعداد وتدريب وتأهيل اعضاء هيئة التدريس في مؤسسات التعليم العالي والعام كوسائط وتقنيات الاتصال عن بعد بما يساعدهم على تحسين مواقف التعليم والتعلم والمشاركة المجتمعية وتجديد الخبرات والمعارف. ـ ان تركز موضوعات البحوث التربوية الفردية والمؤسسية في المجالات العلمية وبرامج الدراسات العليا والمؤلفات والتعريب والمنشورات الأخرى لصالح بحث ومعالجة المشكلات التربوية القائمة. ـ رصد تجارب الاصلاح التربوي في الدول الاعضاء بالمكتب في مجال التعاون والتكامل بين التعليم العام والتعليم العالي والاستفادة من التجارب العربية والدولية في ذلك. ـ ان يقوم مكتب التربية العربي لدول الخليج بدراسة كبرى لرصد الهيئات والمجالس واللجان والانشطة ذات العلاقة بالتعاون والتكامل بين التعليم العام والعالي في الدول الاعضاء بالمكتب. ـ تحديث برامج وخطط إعداد المعلمين والمعلمات وتدريبهم من خلال تطوير المقررات الدراسية وانشطتها واستثمار التقنيات الحديثة في البحث والتدريس والتدريب. ـ تطوير اجراءات ومعايير القبول في مؤسسات التعليم العالي, مع الحرص على توسيع دائرة القبول في التخصصات العلمية التطبيقية في المدارس الثانوية وفي مؤسسات التعليم العالي, وزيادة الطاقة الاستيعابية للقبول في التعليم العالي مع التأكيد على الجانب النوعي. ـ توفير وإتاحة برامج وخدمات الارشاد الاكاديمي والتربوي والمهني لطلبة التعليم العام والعالي. ـ تشجيع انشاء الجمعيات العلمية التربوية المتخصصة, ومشاركة منسوبي جميع قطاعات التعليم العام والعالي في عضويتها وانشطتها وتفعيل دور هذه الجمعيات كبيوت خبرة في البحث والتدريب والأعمال الاستشارية. ـ ان يعزز القرار السياسي الاهداف الطموحة الملائمة لإقامة التعاون والتكافل بين التعليم العام والتعليم العالي, مع العمل على تأمين التمويل اللازم لذلك. ـ اتخاذ الخطوات المناسبة تجاه توفير آليات من شأنها تنويع مصادر تمويل انشطة التعاون والتكامل بين التعليم العام والعالي. ـ تطوير آليات فاعلة لمكافأة المبدعين والمنتجين والمشاركين في انشطة التعاون والتكامل بين التعليم العام والعالي تشجيعا لهم وحرصا على استمراريتهم. ونلاحظ على أعمال هذه الندوة ان قضية اعداد المعلم الكفء اخذت حيزا مناسبا من النقاش والتوصيات لان المعلم الواعي يعني تعليما افضل في المدارس ومن ثم مخرجات رائعة أو مدخلات متميزة للتعليم العالي وهذا يقودنا الى خريجين متميزين من مؤسسات التعليم العالي الى سوق العمل. وأملنا ان نرى واقع التربية في دول الخليج يتبنى مثل هذه التوصيات لترى النور كما علق تلفزيون البحرين خلال تغطيته الرائعة لأعمال الندوة عندما عرض التوصيات.. انها دعوة منا جميعا نحن شركاء التربية والتعليم الى ردم الفجوات ومد جسور التعاون لأنها الطريقة الوحيدة لتحقيق ما تصبو إليه دولنا. وكيل كلية التربية