إذا كان قسم كبير من النخب العربية لا يعرف الكثير عن خريطة قوى المعارضة العراقية في الداخل والخارج, فلا بد أن هذه الخريطة غائبة بالكامل عن الشارع العربي العام . ولكي نلتزم جانب الحذر من شبهة المبالغة, أو عدم الحياد, فلعل الأوفق أن نزعم عدم اهتمام الرأي العام العربي بالتعرف على حركات المعارضة العراقية في غمرة انشغاله بمصير الشعب العراقي بأسره. ليس لدينا سوابق بحثية موثوق بها لقياس هذا الاهتمام بشكل حسابي دقيق.. هذا صحيح, ولكن ذلك لا يعني انتفاء القدرة على المقاربة غير المباشرة للظاهرة. وفي هذا الاطار, ثمة أدوات متاحة زهيدة الثمن وسهلة الاستخدام. منها الملاحظة عن كثب لتفاعلات الشارع العربي مع الأزمات الدورية بين العرب والولايات المتحدة. بدءا من عملية ما يسمى بـ (عاصفة الصحراء) وانتهاء بما يسمى بعملية (ثعلب الصحراء) , بين عامي 1991 و1998. فعندما حدث التمرد الشهير في نهاية (عاصفة الصحراء) في جنوب العراق. بدا الرأي العام العربي, الذي لا نقصد به طبعا الصور المختلفة التي يحملها الاعلام الرسمي العربي أو الغربي, غير معني بتفاصيل مواقف القوى التي تولت ذلك التمرد. بل كان الناس مشغولين على مستقبل وحدة الأراضي العراقية. في ذلك الحين, لم يجرؤ أكثر المناهضين للنظام العراقي, حتى في الأوساط الرسمية, أن يعبر عن عواطفه تجاه احتمال اقتطاع أي جزء من العراق الأم, تحت أي زعم لأية قوة معارضة. ويبدو ان محاولة الاتساق مع أغلب أبناء الأمة العربية وموقفهم الرافض تماما لتجزئة العراق, جعلت معظم - ان لم يكن كل - الأطر الرسمية العربية, تعلن الحرص على (وحدة العراق وسلامة أراضيه) . ولا مجال في حالة كهذه للادعاء بامكانية انحياز الرأي العام لأية قوة عراقية كانت أم خارجية, تستهدف جهرة أو خفية مخالفة هذا التوجه. وأثناء أزمة فبراير ,1998 وبينما كانت واشنطن (وتابعتها لندن) يعدان المسرح الاقليمي العربي, والدولي, للعدوان على العراق بزعم عدم التزام النظام بقرارات الشرعية الدولية وعمليات أونسكوم تحت عنوان الأمم المتحدة.. انشد الشارع العربي ضد السياسة الأمريكية بقوة بالغة. وفي تلك الغضون, لا نذكر على الاطلاق ان هذا الشارع وضع في شعاراته المرفوعة ما ينم عن تعاطفه مع القوى العراقية المعارضة, أو ان مواقف تلك القوى, كانت تقع في حسابات الغاضبين من السلوك الأمريكي المتربص. وقبيل العدوان الثنائي الأمريكي - البريطاني في ديسمبر الفائت, جرت مناظرة تلفزيونية على قناة الجزيرة بين قطب عراقي معارض في الخارج, وقطب أردني أقرب إلى المعارضة داخل الأردن.. في تلك المناسبة, دفع القطب العراقي بأن الرأي العام العربي أميل إلى رؤى المعارضة العراقية في الخارج, بغض النظر عن تعاونها مع القوى الغربية المعادية للنظام العراقي, ومضى إلى ان الوقت الذي تثبت فيه المعارضة العراقية جدواها ضد النظام بات قريبا. هذا في حين دفع القطب الأردني بأن (المعارضين العراقيين في الخارج كانوا جزءا من النظام الحاكم في بغداد, وشاركوا في صناعة سياساته. وان الشارع العربي, على عكس ادعاء هؤلاء المعارضين, لا يستبشر بمواقفهم خيرا, وينحاز إلى الشعب العراقي, طالما أنهم يستقوون بالسادة الغربيين, الذين يقدمون لهم الدعم المالي والسياسي.. في الخارج) . لم نلبث مع هذين الطرحين طويلا, حتى بدأ العدوان الثنائي الكبير في ديسمبر. وكان في هذا التعاقب الزمني الواضح, بين لقاءات المعارضة العراقية مع صناع السياسة الأمريكية وبين العدوان, دليل كاف على التنسيق. وبدا ان لوعيد القطب العراقي في المناظرة المذكورة ما يبرره. لكن الأهم من هذا التسلسل ان حجريات العدوان وتأثيراته في الشارع العربي, شكلت اختبارا فعليا للطرحين. والذي حدث, ان التفاعلات على الصعيد الشعبي العربي, صدقت وجهة نظر القطب الأردني. لقد خرجت جماهير عربية غفيرة إلى الشارع, معبرة عن رفضها للعدوان. ولم يكن بين تعبيراتها المكتوبة والمسموعة والمقروءة, ما يؤيد رؤى المعارضة العراقية ولا ما يشير إلى حضورها في العقل العربي الجمعي. نود القول ان خطاب المعارضة العراقية, بغض النظر عن محتواه وصدقيته, لا يدخل في الهموم الصريحة ولا في بؤرة الشعور للرأي العام العربي. ومرد هذا الأمر, ان الأزمة العراقية لا تحتمل في حقيقتها ترف الحديث عن مستقبل النظام العراقي بعد زوال الحصار, على الأقل لدى أبناء الأمة العربية. فبحسه الفطري وبمراقبته لحيثيات الأزمة العراقية, يكاد الشارع العربي يضع يده على ما وراء الخطاب الدعائي الغربي, لامسا ان العراق مهدد في وجوده اولا, وان قضية التغيير السياسي مسألة تالية للافراج عن الشعب العراقي ثانيا, وان هذا التغيير ان كان ثمة مبررات وحاجة له, لا ينبغي ان يتأتى بارادة الاطراف الخارجية ووفق اجندتها ثالثا. وبالتداعي, يكاد هذا الشارع ان ينبذ من توجهاته وتفضيلاته تلك القوى العراقية المعارضة وبرامجها, بسبب اختلاف الأولويات معها في هذه المرحلة, وحتى نهاية الجزء المأساوي في الازمة العراقية, وهو الحصار المطبق على العراق شعبا ونظاما. واستيفاء لاغراض هذا التحليل, الذي اتفقنا على صوريته وانطلاقه من ملاحظات نظرية, فان عزلة المعارضة العراقية شعبيا, قد تعزى ايضا الى اسباب اخرى غير صدقية الحس الشعبي العربي العام. من ذلك جدلا, احتمال وجود خلل في اداء قوي المعارضة نفسها, وعجزها عن حمل رؤاها الى سواد الرأي العام. على ان كل الاطراف الضالعة في الازمة العراقية, تبدو معنية برؤى الشارع العربي العام وتوجهاته, ففي مشهد الأزمة, تتسابق هذه الاطراف من منطلقاتها المتباينة, المتناقضة احيانا, لكسب ود رجل الشارع والتأثير على ميوله لصالحها. ومن المتصور ان قوى المعارضة العراقية لن تكون مرشحة في الاجل المنظور, لتعاطف الشارع العربي, فمن السهولة بمكان, دحض كثيرا من مقولاتها, ذلك ان من يدعوا منها لتجزئة العراق لن يجد له كما أشرنا وليا ولا نصيرا, ومن يبرز غيرته على التحول الديمقراطي, سيؤخذ بجريرة تاريخه حين أسهم في ترسيخ حقبة الدكتاتورية الممتدة ذات يوم. ومن يتعاون منها مع القوى الغربية سيوصم بالعمالة واعانة الاعداء, ومن يرفع عن سلوكياته شبهة التعاون هذه, سيكون عرضة للجفاف والذبول والقطيعة عن الفاعلية وحجبه عن دائرة الضوء, هذا كله, علاوة على سخافة التعامل الذاتي بين هذه القوى وبعضها البعض, فثمة نماذج للقطيعة الداخلية وللاختلاف حول الموقف من قضايا الازمة العراقية وابعادها, وصولا الى نماذج الاقتتال البيني وسقوط الضحايا.. ما يجعل الجميع في نظر الرأي العام غير أهل لاحداث نقلة حقيقية نحو عراق موحد ديمقراطي عروبي وفقا للخطاب المعلن. كاتب وباحث فلسطيني - القاهرة