الملك حسين هو أطول الحكام زمنا في السلطة في تاريخ العالم المعاصر بعد الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا الحالية , ولن يعود الأردن بعد وفاة الملك حسين الذي كان يناديه الأردنيون بلقب (سيدنا) هو نفسه قبله, فلا الأردن ولا المنطقة العربية كانت على استعداد لفقد الملك في هذه اللحظة التاريخية الحرجة, ولم يكن أحد يتوقع ان يذهب الى الدار الآخرة بهذه السرعة, فقد تدهور وضعه الصحي بسرعة الى درجة أفقدته عنصر الوقت الذي يريده ويحتاج اليه لترتيب البيت الاردني, والذي كان كثيرا ما يصفه بأنه متعدد المنابت والعروق. وصف الملك في حياته بأوصاف كثيرة وربما هو من بين الحكام القلائل في الشرق الأوسط المعاصر الذي ألف عنه هذا العدد الكبير من الكتب, وكان آخر ما اطلعت عليه هو كتاب (الملك حسين: حياة على الحافة) كتبه رولند دلس رئيس تحرير مجلة (الفورين ريبورت) البريطانية, وعرض فيه لحياة الملك والصعوبات التي واجهت حكمه في الخمسين سنة الماضية, ويصفه المؤلف في هذا الكتاب بأنه رجل طموح, فقد نصف مملكته وكاد أكثر من مرة أن يفقد حياته, ولكنه تعلم شيئا واحداً في الحياة هو النجاة. داخليا يختفي الملك عن الساحة وولي عهده الجديد جديد في كل شيء, جديد في وقت تسلمه للسلطة فالزمن قصير من التنصيب كولي عهد لتبوؤ سدة الحكم كملك سيد, وجديد في خبرته السياسية المباشرة أيضا, وجديد على الساحة العربية وجديد على الساحة العالمية, والوضع الأردني الداخلي ليس بالهين, هناك معارضة داخلية شديدة التأثير ومنظمة, خاصة في موضوع التمثيل في البرلمان, والانتخابات الاخيرة قاطعتها العديد من التنظيمات السياسية الاردنية, كل لأسبابه الخاصة, وهناك وضع اقتصادي يتجه الى الانكماش بسرعة مما جعل الدينار الأردني يقع تحت ضغوط شديدة تؤثر مباشرة على المواطن العادي. وفي المجال العربي فإن الملك يترك الساحة والاردن ليس في أفضل حالاته في العلاقات العربية العربية, فهو من جانب ليس على علاقة سياسية طيبة مع سوريا حيث يختلف البلدان في تقييم مسيرة السلام وكل له تقييمه المخالف لهذه العلاقة مع اسرائىل, كما ان الاردن ليس في أفضل علاقة مع بغداد بعد ان تبين للأخيرة ان السياسة الاردنية لم تعد تابعة لكل أهواء النظام العراقي رغم التدخل الكبير من جانب ذلك النظام في الشؤون الداخلية الاردنية, كما ان العلاقة مع اسرائىل في السنوات الثلاث الأخيرة, وهي فترة حكم نتانياهو, لم تكن في أحسن الاحوال مريحة للاردن لاسياسيا ولا اقتصاديا, ولم تعد كما كانت عند توقيع معاهدة وادي عربة الاردنية الاسرائىلية. في المجال الدولي كانت شخصية الملك حسين وقدرته على المناورة السياسية هي من أكثر العوامل التي قدمت للاردن الدعم الدولي في الفترات العصيبة التي مرت بها البلاد, وليس بالضرورة ان تتخيله ــ أي الاردن ــ دون الملك أو (سيدنا) وعلاقاته الواسعة بالدول المحيطة والدول الكبيرة. بيت القصيد الآن هو الوضع الاردني الداخلي, فالوقت الطويل نسبيا بين إعلان دخول الملك في غيبوبة الموت وبين الاعلان عن الوفاة قد جعل بعض القوى وفريقا من المحللين يرجعون ذلك الى ترتيب البيت الاردني الداخلي, والذي اصيب لاشك بصدمة بعد قرار الملك تنحية ولي عهده واخيه الامير الحسن وتنصيب ابنه البكر وليا للعهد, ولابد والأمر كذلك من ترتيب داخلي آخر للبيت الأردني. يترك الملك الاردن والبلاد في ضنك اقتصادي من جهة, وفي متسع من الديمقراطية النسبية من جهة اخرى, وهي توليفة تدعو الى الاضطراب لا الاستقرار, فقد ربى الملك في الاردن (طبقة سياسية) ان صح التعبير كان مايجمعها في الكثير من الاوقات الولاء لـ (سيدنا) , ولكن لها بعد ذلك انتماءات كثيرة خارجية خاصة عربية, وقد تستيقظ في فترة التراخي هذه الولاءات لتجعل من الاردن ممراً جديداً لاضطراب عربي جديد. وقد ظهر في الشارع الاردني ما يدل على البوادر, فقد وزعت بعض المنشورات الدالة على ان هذه الطبقة السياسية ترى من زوايا نظر مختلفة عما يرى من خلاله المواطن العادي في الاردن, وقد تتسع شقة الخلاف السياسي ان فقدت بعد وفاة الملك مدرسته في التوسط والاستقرار والتسامح. العرب جميعاً ــ خاصة دول الجوار الاردني ــ مطالبون بالحفاظ على الاستقرار في الاردن وقد تعي هذا المطلب بعض الدول التي تفكر ببعد استراتيجي مثل المملكة العربية السعودية وسوريا, ولكن هناك في الجوار الاردني من يرى في عدم الاستقرار الذي قد ينتج بعد الملك فرصة لتصفية حسابات قديمة او تحقيق ارباح سياسية, فاسرائيل لم تتخل عن الكثير من ممارساتها عن فكرة (الوطن البديل) والقائلة ان هناك فلسطينيين في الاردن اكثر من اي مكان آخر, لذلك وجب ان يكون الاردن هو الدولة الفلسطينية المطالب بها, وهي استراتيجية تحقق الكثير لاسرائيل والفكر السياسي السائد فيها. كما ان النظام العراقي له مصلحة خاصة في تحريك الاضطراب السياسي في الاردن, وله مواقع تؤهله ان يفعل ذلك, فهناك تعاطف من قبل بعض السياسيين الاردنيين حقاً او بسبب مصالح مع النظام العراقي, بل هناك حزب سياسي صغير اردني يدين بالولاء لبغداد ويتبعها في كل ما تراه من سياسات, كما ان تخوف بغداد من اية اختراقات عبر الساحة الاردنية تجعل لها مصلحة في اشعال الاضطراب وإلهاء الاردنيين ببعضهم البعض. من الخطأ الفادح لعب سياسة عدم الاستقرار في الاردن, البلد العربي الصغير, لا بسبب عقم هذه السياسة وخطورتها, ولكن بسبب نتيجة واضحة هي ان كل الذين لعبوا لعبة عدم الاستقرار في المنطقة قد دفعوا هم لا غيرهم ثمناً باهظاً لهذه اللعبة الخطرة, ومن الاولى ان يجد الاردن مساندة عربية في هذه المرحلة الخطرة من تاريخه بدلاً من ان يبحث عنها خارج الافق, أو ان تبدو اسرائيل وكأنها هي التي تقدم هذه المساندة. الملك حسين كان له اصدقاء كما كان له اعداء, ورغم كل الجهد السياسي الذي بذله بدا ان الاردن في بعض الاوقات قد افتقد خط الوسط ليميل عن قناعة او غيرها الى الشاذ من السياسات وبرحيل الرجل تبدأ فترة جديدة من تاريخ الاردن الحديث, خاصة ان طاقم الحكم الجديد (الملك الجديد وولي عهده) يستطيع ان يقول للجميع انه لا يتحمل تبعات بعض السياسات السابقة خاصة العربية, وخاصة منذ التسعينات, ويبدأ بشكل طازج سياسة جديدة. اسرئيلياً اللعب الآن بالمعاهدة الاسرائيلية الاردنية سوف يسبب للحكم الجديد مصاعب جمة, لذلك لا اعتقد ان الحكم الجديد في الاردن ستختلف ــ في المدى القصير على الاقل ــ سياسته عما تم في الماضي, وقد تتطور ان اصبحت هناك حكومة معتدلة في تل أبيب بعد الانتخابات المقبلة, عربياً هناك تعضيد من دول عربية كبيرة على رأسها مصر والمملكة العربية السعودية ودول اخرى من اجل الحفاظ على الاستقرار والنظام في الاردن, ولكن ايضاً على الاردن ان يتخلى عن الدور الكبير في السياسة العربية الذي قام به تحت القيادة التاريخية للملك حسين, وعلى سياسيي الاردن ان يحسبوا خطواتهم العربية بحساب اكثر دقة وروية, فلم يعد الملك موجوداً لشرح التذبذب وعدم الوضوح ان تم في السياسة الخارجية الاردنية في المستقبل. يمر الاردن بمرحلة عصيبة تحتاج الى الكثير من الحكمة وبعد النظر, ولكنه يحتاج ايضاً ــ في هذه الفترة بالذات ــ لتفهم اكثر وتعضيد عربي اكبر, فالحفاظ على الاردن مستقلاً وسيدا هو الحفاظ على الامن العربي الذي كثيراً ما انتهكت امنه سياسات قصيرة النظر.