برغم كل ما يتمتع به مذيع قناة الجزيرة (فيصل القاسم) من شهرة واسعة في العالم العربي بسبب برنامجه المثير للجدل (الاتجاه المعاكس)إلا ان الآراء لم تتفق ولن تتفق على مدى أهمية هذا البرنامج من حيث ما يطرحه المتحاورون فيه من آراء وحقائق رغم اجماعهم على نجاحه وحضوره اعلاميا. إذن وصلنا إلى تعميق حالة الازدواجية والتناقض حتى على ثوابت الطرح الإعلامي, فأنت كمثقف عربي, تدعي الرصانة والاتزان والسعي صوب الاعلام الواعي والملتزم, لا مانع لديك من التسمر أمام الشاشة لمدة ساعة, تتابع خلالها برنامجا كـ (الاتجاه المعاكس) لا يقول شيئاً هاماً على الاطلاق, ولكنه يعني من حيث شكله ظاهرة عربية إعلامية ليست فارغة ولا تافهة ابدا وجديرة بالبحث والدراسة. واذا استعرضنا أغلب حلقات البرنامج الذي يحرص على متابعته الكثيرون في المنطقة, ويناقشون مضمونه في اليوم التالي للعرض, لتوصلنا الى أن معلومة (ما) مما قيل في البرنامج لايمكن الوثوق فيها, والمتحاورون رغم (أوزانهم) الاكاديمية والسياسية أحيانا, لا نستطيع كذلك الاتكاء على مصداقية طروحاتهم وهم يقدمونها بهذا الشكل الزاعق بلا مبرر, أما مقدم البرنامج فليس أكثر من حكم محنك في مباراة مصارعة دوره تحميس المتصارعين لتقديم مباراة ساخنة وممتعة للجماهير لا أكثر! مع أنه يستطيع إذا أراد أن يقدم برنامجا أفضل في ظل مناخ الجزيرة الجيد والمواتي لهذه النوعية من البرامج. يقول الكثير ممن (يموتون) إعجابا في البرنامج ومقدمه, انه صيغة جيدة من صيغ التعبير عن الرأي في جو حر وليبرالي (يقصدون به طبعا مناخ الجزيرة) كما يقول آخرون بأنه البرنامج العربي الوحيد الذي يسمعون فيه رأيا صريحا ومباشرا وناقدا بلا خوف للأوضاع العربية, والحركات والأحزاب وأنظمة ورجال الحكم, وهو كذلك البرنامج الوحيد الذي يجمع الفرقاء والمتخاصمين بلا خوف, متيحا لهم الفرصة لممارسة عادة منقرضة في عالمنا العربي هي (حرية الخلاف وسماع الرأي والرأي الآخر) . لكن وبكل هدوء نسأل: بماذا خرجنا من مقابلة أجراها القاسم مع نوال السعداوي ويوسف البدري مثلا؟ أو مع ممثل حماس والسلطة الفلسطينية, أو مع محللي الوضع في الجزائر محمد العربي زيتوت وسعد جبار؟ أو مع حمزة المصري والباحث البريطاني .. أو .... لا شيء سوى الكثير من الصراخ, واستعراض العضلات, وشطارة خطف الميكروفون عن (العدو) المجاور والسباق نحو تحقيق أكبر قدر ممكن من التلفظ بما لا يليق من عبارات وألفاظ, طبعا ناهيك عن كميات الادعاء والكذب واختلاق الروايات والحكايات التي لايمكن لأحد التأكد من مدى صحتها. ماذا يريد أن يثبت (القاسم) من خلال برنامجه بالضبط؟ إننا شعوب لا تعرف كيف تتحاور ولا كيف تختلف ولا تستحق اعلاما حراً راقياً أكثر من إعلام (الاتجاه المعاكس) ؟ إذن ليرح نفسه فهذه الحقيقة مثبتة منذ قرون طويلة!!