في مؤتمره الصحفي نهاية زيارته باريس, قطع الرئيس حسني مبارك الشك باليقين وحسم موقف مصر من النظام العراقي, مؤكدا انها لا تعترف بالمعارضة العراقية الخارجية وترفض التعامل معها , مشيرا إلى ان بقاء صدام حسين في السلطة أو خروجه منها شأن داخلي لا دخل لنا به ولا نتدخل فيه, وقال ان مباحثاته مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك كانت متطابقة حول العقوبات المفروضة على العراق ووجوب اتسامها بالموضوعية, وضرورة خضوعها للمراجعة, وان استخدام القوة مشروط باستنفاد الوسائل السلمية, وبمقتضى الشرعية الدولية. ومما لا شك فيه ان موقف مصر جاء متسقا مع عاملين غاية في الأهمية: الأول: كونه تعبيرا عن الرؤية القومية الغالبة, التي ترى ان الولايات المتحدة أقدمت على خطوة خطيرة غير مسبوقة في العلاقات الدولية, بتشريعها قانون (تحرير العراق) الذي أجازه الكونجرس نيابة عن الشعب العراقي, عبر دعم المعارضة العراقية في الخارج بالسلاح والمعدات العسكرية بما قيمته مائة مليون دولار للاطاحة بالنظام العراقي, مما قد يشجع أمريكا على تكرار هذا النهج والاسلوب في التعامل مع الدول العربية المناوئة لها. الثاني: ان موقف مصر المبدئي من هذه القضية, كان أيضا متسقا مع جملة مواقف الدول الخليجية, والقوى الاقليمية وخاصة ايران وتركيا, والقوى الدولية وفي مقدمتها روسيا وفرنسا, بعد أن باتت على قناعة باحتمالات القلاقل والاضطرابات الناجمة عن انهيار النظام العراقي عبر الوسائل العسكرية القسرية غير المشروعة, مما قد يفتح الأبواب على مصراعيها أمام التدخل في شؤون دول عربية أخرى, واستنزاف مواردها المادية وامكاناتها البشرية في صراعات سياسية وطائفية وعرقيه غير محسوبة, وتهديد السلام الدولي, إذا ما نجح المخطط الأمريكي في العراق كمقدمة للهيمنة على مقدرات منطقة الشرق الأوسط, واستثمار هذا النجاح في مناطق أخرى من العالم تباعا. على انه بالرغم من الانتقادات أو الادانات التي لاحقت النظام العراقي لاخطائه القاتلة في إدارة الأزمة, سواء عبر اعتماده سياسة حافة الهاوية, أو التراجع عن اعترافه بسيادة الكويت واستقلاله, نهاية بفشله في استثمار فرصة تواجده لأول مرة منذ أزمة الخليج عام 1990 مع وزيري خارجية الكويت في الاجتماع التشاوري الذي عقد الشهر الماضي بالجامعة العربية, باعتبارها خطوة مطلوبة وهامة على طريق فض عزلته العربية توطئة لفض عزلته الدولية, خاصة وان انسحاب وزير خارجية العراق قد فوت فرصة أخرى سانحة للمشاركة في صياغة البيان الختامي وتضمينه الاجراءات العملية والتنفيذية المطلوبة لتفعيل الحد الأدنى من الوفاق العربي في مواجهة الأزمة! لكن على ما يبدو ان سلبيات إدارة العراق للأزمة لم تعدم من انعكاسات ايجابية, فقد كانت ادانة العراق للاجتماع التشاوري, والهجوم على قراراته السبب المباشر وراء المراجعة العربية لسبل مواجهة الأزمة على نحو ما تؤكده شواهدها ومقدماتها الخطيرة. لكن واشنطن لم تستسلم للمراجعة, وراحت تشدد الضغوط, وتلك كانت المهمة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت خلال زيارتها مؤخرا للمنطقة, وبعدها كانت زيارة مارتن انديك مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية وفرانك ريتشارد دوني المبعوث الأمريكي الخاص المكلف بتنفيذ مخطط التغيير في العراق الذي وصل من لندن بعد اجتماعه مع زعامات المعارضة العراقية وترويجه مقولة ان العراق يستحيل أن يستعيد مكانه الطبيعي في المجتمع الدولي إلا عبر الاطاحة بصدام حسين. والعجيب ان يتكشف الستار سريعا عن صراع خفي محموم بين القيادة العسكرية الأمريكية وقائد القوات الأمريكية في الخليج الذي أعلن انه لا أحد من جماعات المعارضة العراقية يشكل خطورة على صدام حسين, وهو ما أكده الجنرال انطوني زيني القائد الأعلى للقيادة المركزية التي تغطي منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا عندما صرح بأن (منطقة الخليج الغنية بالنفط قد مزقتها الحروب خلال العقدين الماضيين ومن ثم علينا أن نعنى باستقرارها, وأبدى مخاوفه من ان تؤدي الخطط الأمريكية إلى وضع أسوأ مما هو الحال الآن, وحذر من مغبة سقوط صدام حسين, ليبدأ الصراع بين عشرات الجماعات العرقية والدينية والسياسية المتنافسة على السلطة, لكن مارتن اندريك رغم اعترافه بأن قلب نظام صدام مهمة صعبة ومعقدة قال ان واشنطن لا تسعى إلى التسرع لاحداث التغيير المطلوب في العراق, في الوقت الذي حذر الرئيس التركي (سليمان ديميريل) من احتمال أن يؤدي تنفيذ مخطط التغيير الأمريكي في العراق إلى فيتنام جديد, بينما انتقد رئيس الوزراء التركي بولند أجاويد استخدام قاعدة (انجرليك) في ضرب العراق, وكلف وزارة الخارجية بلورة مبادرة مشروع لحل الأزمة العراقية يحول دون تعرضه للتقسيم, باعتباره خطرا مباشرا على الأمن القومي التركي. فإذا أضفنا إلى المتغيرات المحلية والعربية والاقليمية الايجابية التي طرأت على مواقف الأطراف المعنية بالأزمة العراقية, موقف روسيا والصين وفرنسا المعارض للجنة الثلاثية المكلفة من مجلس الأمن بمتابعة ملف الأزمة العراقية, واستمرار لجنة التفتيش على أسلحة الدمار الشامل والعقوبات المفروضة على العراق, إذن لكان من حق المتفائلين أن ينتظروا بارقة الأمل في نهاية نفق الأزمة المظلم, إذا ما تحشدت الارادات العربية وفي مقدمتها العراق للتعامل بعقلانية ومرونة مع هذه المتغيرات! كاتب وصحفي مصري