تحاول الادارة الأمريكية إعادة الروح في الجسم الميت للجنة الخاصة المكلفة تدمير أسلحة العراق (اليونسكوم) التي قتلها العدوان الأمريكي البريطاني على العراق في ديسمبر الماضي . وهي تسعى عبر إصرارها على وجود سيء الصيت والسمعة ريتشارد باتلر على رأس اللجنة المذكورة الى البحث عما يحفظ لها ماء الوجه. ومؤخرا حاولت واشنطن عبثا أن تخفف من آثار استبعاد باتلر ولجنته عن العملية التي تقوم بها الأمم المتحدة لتقويم الوضع في العراق, قائلة بأن باتلر (ما زال كما كان رئيسا للجنة الخاصة وان هذه اللجنة ما زالت موجودة) . وهذا صحيح, ولكن كيف يمكن إقناع الدول الأخرى في مجلس الأمن, فضلا عن العراق بالتعامل مع جثة ميتة لا حياة فيها ولا روح! إن من المفارقات العجيبة ان الادارة الأمريكية هي التي سددت اللكمة القاضية للجنة اليونسكوم بعدوانها على العراق, وذلك بعد أن ملأتها من قبل بالشكوك والنوايا السيئة. وليست حوادث التجسس التي قامت بها اللجنة ضد العراق, لحساب واشنطن وإسرائيل سوى قمة جبل الجليد الذي ذاب في النهاية وأغرق معه اللجنة الخاصة ومفتشيها. بل ان واشنطن هي التي ورطت باتلر حين شجعته على توجيه انتقادات وشتائم لروسيا ولمندوبها الدائم في مجلس الأمن لافروف. فما كان من هذا الأخير سوى توجيه رسالة باسم بلاده الى أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان يطالبه فيها رسمياً بعزل باتلر من منصبه. فهل أرادت واشنطن فعلا التخلص من لجنة اليونسكوم, كي تقفل الباب كما تقول نهائيا أمام رفع الحصار الظالم المفروض على العراق, بحسبان ان شهادة اللجنة هي مفتاح رفع هذا الحصار؟ ربما كان هذا الاحتمال صحيحا, غير أن الاحتمال الأقرب حسب وجهة نظرنا, هو أن الولايات المتحدة لم تنظر قط لهذه اللجنة بوصفها جهازا دوليا مهمته مساعدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في تنفيذ القرارات ذات الصلة بحرب الخليج, وانما نظرت اليها كأداة ينبغي توظيفها لخدمة الأغراض والمصالح الأمريكية الخاصة. وهي كانت مستعدة أن تذهب بعيدا في استغلال اليونسكوم وتعريضها للخطر, كلما وجدت أن ذلك يصب في مصلحة سياساتها. ويتضح هذا الأمر بصورة خاصة في الطريقة التي تعاملت بها واشنطن مع تقارير اللجنة الخاصة, فهذه التقارير تفصل وتصمم على مقاس السياسة الأمريكية, فان هي أرادت أن تقوم بعمل عسكري ضد بغداد, أوعزت لباتلر بأن يكتب تقريرا سيئًا, وان أرادت تمضية فترة من الهدوء النسبي, كان لها ما شاءت, فلن تعيي رئيس اليونسكوم الحيلة في تدبيج تقرير يخدم هذا الغرض. وليس صدفة أن تقرير باتلر الأخير الذي على أساسه قامت الادارة الأمريكية بعدوانها على العراق, قد كشف كل هذه اللعبة. فقد اتضح ان المذكور قد ضلل الروس بأن أوحى لهم بأن تقريره سوف يأتي ايجابيا, في حين كان قد اتفق مع مسؤولي الادارة الامريكية على محتواه السيء. وهذا هو الذي أغضب موسكو بشكل خاص وجعلها لا ترضى بأقل من إزاحته. ولكن لأن لكل شيء نهاية لابد من الوصول إليها, فقد شاءت الأقدار أن تكون نهاية اللجنة الخاصة ورئيسها باتلر على أيدي الولايات المتحدة نفسها, وليس أي أحد آخر. صحفي بحريني