مع دخول تسوية مدريد ــ أوسلو ــ واي بلانتيشن منعطفا آخر من التأزم والاستعصاء, ومع تجميد العمل باعلان (الواي) من قبل حكومة تحالف اليمين بقيادة نتانياهو , تبدو الحاجة الملحة لاعادة صياغة الوضع الفلسطيني واصطفاف التحالفات بين فصائل وقوى وشخصيات الشعب الفلسطيني, وأكثر من ذلك ان نجاح أي عملية تفاوضية فلسطينية مع الاحتلال بحاجة الى وضع فلسطيني آخر متميز تغيب عنه الحالة الانقسامية, وحالة الشلل الكامل والمدمر لمؤسسات الوحدة الوطنية ــ مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية, وبالتحديد منذ مايو 1991 عندما انفرد ممثلو فتح بالحوار مع جيمس بيكر وزير الخارجية الامريكي بعد الجولة المكوكية الثالثة في الشرق الاوسط وتعليق كل من الجبهة الديمقراطية, الجبهة الشعبية, حزب الشعب ود. حيدر عبد الشافي المشاركة بالحوار نظرا لرفض بيكر أي اشارة لوقف الاستيطان والتعاطي مع ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية تحضيرا لمؤتمر مدريد عملا (بمبادرة) الرئيس الامريكي جورج بوش في 6 مارس 1991 بعقد مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط. هذه الحاجة لازمة وضرورية وغير كافية لخوض المعركة التفاوضية بكل اشكالها مع الاحتلال, وبدون اعادة الاصطفاف في الساحة الفلسطينية ونعني به اعادة بناء الوحدة الوطنية ولملمة الوضع الفلسطيني بين الداخل والشتات, بدون ذلك لن تكون النتائج ايجابية على مستوى المواجهة مع الاحتلال واعني ايضا بالمواجهة: المواجهة التفاوضية, المواجهة الانتفاضية والمواجهة السياسية والدبلوماسية. ان (سلطة, معارضة) الذي فرضه انفراد جناح في منظمة التحرير الفلسطينية بالذهاب الى مؤتمر مدريد بشروط واشنطن ـ شامير (راجع كتاب بيكر/ الدبلوماسية بين الحرب والسلام) وكسر قرارات المجلس الوطني الفلسطيني (ديسمبر 1991) واشتراط قرارات المجلس (وقف الاستيطان بدء اعمال مدريد) فهذا المفهوم والثنائية يثير الالتباس رغم تداوله من قبل الجميع في فلسطين وتعاطي وسائل الاعلام العالمية مع الوضع الفلسطيني على هذا الاساس, الا انها ليست صحيحة بالمعنى الدقيق. فنحن مازلنا حركة تحرر وطني, تتطلب وحدة الجميع حول الهدف الرئيسي المتمثل بطرد الاحتلال والمستوطنين والاستقلال وتقرير المصير وعودة شعبنا في الشتات الى ارض الوطن, ولسنا في مرحلة استقلال وأمام خيارات اجتماعية اقتصادية أو غيرها. نعم يخطىء من يظن بأن تأزم المفاوضات يستدعى اعادة احداث اصطفاف انقسامي جديد في الساحة الفلسطينية, فهذا منطق مدمر, منطق قادنا في الثورة والمنظمة نحو الأسوأ نحو الاستثمار السيىء للانتفاضة المغدورة وانجازاتها. فإعادة الاصطفاف بمعنى الوحدة الوطنية الفلسطينية كان ولايزال يمثل الشرط الرئيسي والاساسي للدخول في عملية تفاوضية متوازنة في اطار قرارات ومرجعية الشرعية الدولية, وبدون الوحدة الوطنية فقدنا اوراق القوة بأيدينا وجلس المتفاوضون في واشنطن بلا قوة ولا حول وفي السر جلس من يدعى بتمثيل الشعب ليقر اتفاقا ظالما لاعلم لأحد به وليس في يده من عوامل القوة سوى الأوهام المعلقة بين الثرى والثريا, ووضع نفسه تحت مطرقة الضغوط الاسرائىلية والسندان الامريكي والاقليمي. وأقول أكثر من ذلك: لأول مرة في عالم الدبلوماسية والمفاوضات يحدث أمران على غاية من الطرافة, ويحملان مغزا واضحا يدل على سوء ادارة عملية الصراع السياسي التفاوضي مع الاحتلال, وهذان الامران هما: * قيام الدولة العبرية الصهيونية بفرض معايير تسمية الوفد الفلسطيني الذي فاوضها بدءاً من مدريد وصولا الى اوسلو حيث لم تقبل ان تفاوض فريق أوسلو إلا بعد ان أقر بالاشتراطات الاسرائيلية. * لم يحدث في تاريخ الدبلوماسية والمفاوضات أن ذهب طرف ليفاوض بعد أن يقوم بتدمير وحدته وبيته بدلا من توحيد جهده وارادته وقواه واوراقه. هذا ما حدث عندما تم الرضوخ الفلسطيني لمنطق وأسس عملية تسوية مدريد (حكم ذاتي للسكان في الضفة والقطاع, رفض مشاركة عرب القدس المحتلة والشتات, المفاوضات على مرحلتين, استمرار تهويد القدس والاستيطان, الارض متنازع عليها بدلا من كونها ارض محتلة وفق قرارات مجلس الامن الدولي), وتمت المشاركة الفلسطينية المنقوصة خلافا لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني التي صدرت قبل أيام من عقد مؤتمر مدريد. كما ان القاء المسألة على العرب تبرير وهروب من جريمة ارتكبها فريق أوسلو الفلسطيني, لانه يدرك بأن كل التسوية ما كانت لتقع وماكان لمؤتمر مدريد أن يعقد بدون المعادل الفلسطيني وبدون حضور الشعب الفلسطيني.. لنعود الى مذكرات جيمس بيكر (الدبلوماسية بين الحرب والسلام) والمنشورة ايضا على صفحات (الشرق الاوسط) (والنهار) البيروتية عام 1996... ولنراجع ولنقرأ ما يقوله بيكر بهذا الشأن. ذهبت فلسطين لمؤتمر مدريد عبر وفد من الضفة والقطاع وبدور غير مرئي لمنظمة التحرير وبأسس تدير ظهرها للشرعية الدولية وقرارات ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية وبعد ان تم تفكيك وتدمير الوحدة الوطنية في منظمة التحرير وبعد ان غابت المنظمة ذاتها وفرضت الدولة الصهيونية وحكومة شامير حصر ومحاصرة الوفد الفلسطيني تحت عباءة المعايير الامريكية الاسرائىلية (لا أحد من القدس, لا أحد من الشتات, لا احد من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التشريعية والتنفيذيه, مجلس وطني, لجنة تنفيذية) واستبعدت وحدة الشعب ووحدة القضية ووحدة عناصر الصراع الرئيسية بل وتم تغييبها, واستمر المنوال على ذاته حتى بعد رسائل الاعتراف المتبادلة بين عرفات ورابين (9/9/1993) حيث اعترف عرفات بحق اسرائىل في الوجود, واعترف الآخر بمنظمة جديدة لا علاقة لها بمنظمة التحرير الائتلافية الموحدة لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات, ولا علاقة لها ببرنامج القواسم المشتركة المستمد من قرارات الشرعية الدولية. الآن هذا الحصاد المر من تداعيات وانتكاسات جاء نتيجة مباشرة للسياسات التي تمت منذ مدريد وحتى الآن.. المخرج الحقيقي يبدأ ليس من اصطفافات انقسامية جديدة بل من العودة الى الوحدة الوطنية, الى اوراق القوة, الى الارادة الموحدة لثمانية ملايين فلسطيني بين الداخل والشتات, فهذه اعمدة الحكمة لاعادة بناء البيت الفلسطيني ومؤسسات المنظمة الائتلافية على اساس قرارات الشرعية الدولية (,242 ,338 ,194 237) واعادة بناء العملية النضالية الموحدة لكل الشعب وفصائله وشخصياته الوطنية ضد الاحتلال ونهب الارض, واعادة بناء العملية التفاوضية على اساس قرارات الامم المتحدة المذكورة وصولاً لسلام آخر متوازن, سلام الشرعية الدولية, دولتان فلسطينية واسرائيلية على ارض فلسطين الانتدابية, دولة فلسطينية كاملة السيادة حتى خطوط 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة, تقرير المصير لشعبنا في كافة اماكن تواجده, حل مشكلة الشعب اللاجىء وفق القرارين الامميين ,194 ,237 السلام الشامل المتوازن بين الدولتين والشعبين ولكل الافراد من الجانبين. الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين