أكثر ما يقلق في عالمنا العربي هو انتقال السلطة من يد الى أخرى, وانتقال الحكم من شخص الى آخر, وتغيير الزعماء والرؤساء من زعيم ورئيس إلى غيره , ذلك لأن هذا الانتقال لم يؤسس بعد لكي يكون سلساً وسهلاً ومقبولاً ومجمعاً عليه, بقوة الدستور أو الاعراف أو القوانين أو المؤسسات, على النحو الذي يكون عليه انتقال السلطة في الدول الغربية وبعض أغلب دول العالم الدستورية. ولذلك فقد كان شيء من هذا القلق, يسود الأردن وبعض أنحاء العالم العربي منذ إعلان مرض الملك حسين رسمياً بالسرطان وتلقيه العلاج الطويل في أمريكا, عكسته بعض أبرز التحليلات والمقالات والآراء, حول الأردن ما بعد الملك, وامكانيات تفجر الصراع على السلطة أو امكانيات حدوث التفسخ الداخلي السياسي والاجتماعي, وغير ذلك من مظاهر تدعو حقيقة الى القلق, نظراً لعدم تصور امكانية ملء فراغ كبير يخلفه ملك من وزن حسين. هذا القلق ازداد مع الأيام, خاصة مع عودة الملك القصيرة إلى بلاده وإجرائه تغييرات بتعيين ابنه عبدالله ولياً للعهد وعزل شقيقه عن المنصب, والقلق نفسه لا يزال موجوداً بشكل أو بآخر, حتى مع انتقال السلطة رسمياً أمس الى عبدالله بأدائه القسم ملكاً جديداً للأردن, فاحتمالات الصراعات لا تزال موجودة عند الذين يساورهم مثل هذا القلق, اذا لم يكن داخل الأسرة المالكة نفسها, فمع أطراف سياسية كالمعارضة الداخلية. طبعاً بعض المبالغات في تصوير هذا القلق موجود للأسف, وبعضه الآخر لا يمكن تجاهله, لولا أن سير الأحداث حتى الآن يثبت ان الملك حسين كرس فعلاً دولة المؤسسات الدستورية والقوانين الجامعة المانعة والعرف والتقليد السياسي, ما يضمن حسن انتقال السلطة باستمرار وإجراء التغييرات الضرورية بسهولة وقبول هذه التغييرات برضا, طالما أنها تحت مظلة الدستور والقوانين والأعراف. هكذا مثلاً شاهدنا الأمير حسن يقبل قرار عزله عن ولاية العهد, وهو الذي قضى في المنصب أكثر من 30 عاماً وكان قاب قوسين أو أدنى من تولي العرش ملكاً خلفاً لشقيقه, وقبول الشارع الأردني بفئاته المختلفة وقطاعاته لهذه الارادة الملكية ولهذا التغيير, ما سهل عملية انتقال العرش تالياً إلى عبدالله, أكبر الأبناء سناً, حتى مع وجود أبناء أثيرين آخرين للملك, سبقت تخمينات بترشيح بعضهم لولاية العهد حتى قبل صدور قرار الملك النهائي. وهكذا مثلاً, شاهدنا أمس حلقة من حلقات انتقال السلطة, بسرعة وسهولة, عند اجتماع مجلس الأمة لكي يؤدي الأمير عبدالله القسم أمامه ملكا, بحضور كافة أعضاء الحكومة والعائلة المالكة, بمن في ذلك شقيقا الملك, محمد وحسن, اللذان أحاطا بالملك الصغير في حنان, في اجماع تام, رسمي وشعبي على الملك الجديد. وعلى ذلك فان السلطة في الأردن انتقلت الى ملك جديد على النحو الذي كرسته القوانين والأعراف والدستور والمؤسسات, وهو ربما كان من أهم منجزات الملك الراحل حسين, أي بناء مؤسسات الحكم والدولة الداخلية, سواء كانت هذه مؤسسات وأجهزة وقنوات تشريعية, أم تقاليد وأعراف تكتسب مع الزمن قوة القوانين ومنعتها واحترامها, وهو ما تفتقد إليه أغلب الدول العربية للأسف, وما يجعلها عملياً في عداد الدول المتخلفة دستورياً, فيعرقل مثل هذا الغياب الدستوري والقانوني, وتحديداً في موضوع انتقال السلطة, تطورها وتقدمها ونهضتها على النحو الذي رأيناه في دول تؤخذ السلطة فيها غلاباً.