حيثما تتحرك, واينما تذهب, فإن مجال الرؤية يتسع دائماً ليشمل مجموعات من البشر ترسم مداراتها وتحدد طقوسها عبر لقاءات انسانية, تملؤها بالاحاديث والضحكات والضجيج . كلنا نقضي اوقاتاً طويلة مع اصدقائنا, ونرسم تفاصيلنا من خلال محادثاتنا وصمتنا, واختناقاتنا الصغيرة احيانا فيما بين هذه التفاصيل, لكننا في كل الاحوال نقول ما يجول في أنفسنا وعقولنا وشخصياتنا من خلال كل ذلك. وقد قرأت يوماً بأن: العقول الكبيرة تناقش الافكار, والمتوسطة تناقش الاحداث, والصغيرة تناقش الاشخاص والماديات, والصغيرة جدا تناقش شخصياتها.. بمعنى انها تسقط في هاوية الذات, وتجعلها محورا للحديث, وبؤرة لاهتمام كل الجالسين طيلة الوقت!! ولو تأملنا اصدقاءنا والاشخاص الذين يمرون بنا أو يجلسون قريبا منا في المقهى أو المطعم أو مكان العمل أو.. الخ فإنهم لن يخرجوا عن أحد هذه الاصناف الأربعة من العقول. والنقاشات التي تدور بين البشر بجميع اصنافهم, ليست دلالة على نوعيات نفوسهم وعقولهم فقط, انها مؤشر آخر على طريقة تمضية الوقت, وما أجمل الحياة حين تضع في طريقك انساناً يعطي للوقت معنى آخر, معنى حقيقيا, من خلال هذا العمق العظيم الذي تشعره وانت تمضي الوقت معه, حيث الوقت ساعتها ليس حبيس الساعة ولا أسير التقويم, انه اسير نفسيكما المفعمة بالشفافية والسعادة. يقال بأن الوقت هو اللحظة التي تكون فيها الفرصة في قمة تألقها, وقد يكون ذلك صحيحا بنسبة كبيرة, خاصة لاولئك النوع من الاشخاص الذين لا يعيشون تفاصيل الوقت بطريقة تقليدية بليدة! فللزمن او الوقت عند هؤلاء مغزى خاص, وتحديدا حينما يتحول الى فرصة اخيرة للقبض على الجمال. عندها لا يترددون في الذهاب معه حتى آخر المدى, وآخر المدى هنا صعب التحديد, وصعب في الافصاح عنه أيضاً, فلكل مداه ولكل خياراته وذوقه في التعامل مع الوقت. يضغط الوقت على نفوس البعض لأنهم لا يتعاملون معه كما يجب, حيث لا يجيدون فنا أكثر (ارتقاءً) من التثاؤب في احضان الارائك الوثيرة, ومعانقة مشاهد المسلسلات ومذيعات الفضائيات ونشرات الاخبار, وتمضية الساعات في جلسات ثرثرة فارغة تفلس حساباتها قبل ان تبدأ, او تمضيته في ثنايا أوراق عمل لا تنتهي وصفقات لا تتوقف, ومهاترات تطول حتى تظن الوقت قد خلق لها. وهكذا يسحب الوقت اعمارنا فيما ندري ولا ندري, وفيما نريد احيانا ولا نريد اغلب الاحيان, وننظر لهذا السطو بابتسامة بلهاء, موافقين مصفقين لهذا الزمن الجبار, ولاننا ابناء العجز الشرعيون بلا منازع فإننا نعطيه مباركتنا مشفوعة بأدلة من التشريع والفقه, وشيئا من الديمقراطية بنسبة 99.9%! الوقت هو الحياة.. والحياة أجمل من أن نمضيها بالشكل الذي لا نريد لنحصل على ما نظن اننا نريده!! ولاننا في النهاية لن نعيش كما نتمنى اذن فلماذا كل هذا التيه الذي لا مبرر ولا نهاية له؟!