جاء سقوط الشيوعية منذ عشر سنوات ليؤكد بداية عصر الدولة المحدودة وليفتح المجال امام ضغوط سوف تؤدي في نهاية الطريق الى بروز نمط من الحكومات تخضع لمؤثرات عديدة داخلية وخارجية في صناعتها لقراراتها وهذا يعني ان الواقع العربي الذي نسير باتجاهه يختلف كل يوم عن الواقع الذي نتركه وراءنا. ان الشيء الذي يزداد وضوحا اليوم هو بداية فقدان الدولة العربية لمزيد من الادوار التي كانت لاعبا رئيسا فيها وذلك لصالح قوى داخلية وخارجية عديدة تنافس الدولة على امور كثيرة. لنأخذ على سبيل المثال قضية احتكار المعرفة والمعلومات, في هذا الامر نجد ان الدول العربية اسوة بالكثير من الدول في العالم لم تعد تمتلك ذلك الدور الرئيسي الذي تمتعت به في العقد الماضي, ففي السابق كانت الدولة تحتكر في طول البلاد وعرضها, كل المعلومات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. بل كان دورها يميل الى السلبية من خلال ممارستها لرقابية موسعة تساهم في تحديد حدود المعرفة التي تصل الى الفرد والمجتمع ولكن مع تحرر المعلومات السياسية والفلسفية والفكرية والتكنولوجية وانتقالها بكل الوسائل الحديثة بواسطة الهواء او بواسطة خطوط الهاتف الانترنت والفاكس فقدت الدولة احد اهم ادوارها القديمة بل اصبحت الدولة تعتمد على وسائل المعلومات الجديدة للحصول على ماتريد من معارف, اذن في عصر انتشار المعلومات على كل الاصعدة يمتلك المواطن العربي في معظم الدول العربية حرية تزداد انتشارا في الاطلاع على مايريد وفي التعرف على صنوف من المعلومات لاحدود لها. اما العنصر الاخر الذي يعود ويؤثر على الدول العربية ويساهم في الحد من سلطاتها فمرتبط اليوم بصعود دور الرأي العام بمعناه المحلي (المنطقة الانتخابية) الذي هو اليوم في بداياته. في العالم العربي وفي كل بلد عربي هناك اهمية متزايدة لدور الرأى العام وهو رأي عام يختلف عن ذلك الذي عرفته مرحلة الخمسينات والستينات, بل يمكن القول ان الدول التي تزداد فيها اهمية الانتخابات خاصة في ظل وجود بعض البرلمانات المنتخبة هي دول اكثر خضوعا لدور الرأي العام المحلي ولآثاره, بل انها تخضع اكثر من غيرها لتأثيرات الناخب واتجاهاته. ولكن عدم مقدرة الدول العربية على ترتيب الامور الاقتصادية والخدمات باسعار تنافسية ساهم هو الاخر في اضعافها, اذ تبين من التجربة التاريخية ان الدول تعجز عن المحافظة على جامعات متطورة او مؤسسات متقدمة او مدارس متطورة او خدمات سريعة واقتصادية, وبينما نجحت الدول في هذا المجال في المرحلة الاولى من مراحل التنمية الا ان المحافظة على الزخم اصبح مكلفا وغير ممكن لاسباب ادارية واقتصادية, لهذا نمت ظاهرة بيع القطاع العام الى القطاع الخاص, او بعث دور القطاع الخاص على نطاق واسع. القطاع الخاص مؤهل اليوم لتشغيل المواصلات والاتصالات, وهو مؤهل لشراء الشركات المملوكة من الحكومات العربية, القطاع الخاص يعود اليوم للبروز وذلك في اطار قدرته على القيام بأدوار كانت تقوم فيها الدول في السابق, وهذا يعني ان دور القطاع الخاص في التأثير على القرار السياسي وعلى الدولة هو الاخر يتحول الى احد هذه المؤثرات الجديدة التي ستجد الدولة انها مضطرة لأخذها بعين الاعتبار. ولكن بنفس الوقت تتضافر هذه العناصر مع عناصر خارجية اقتصادية وسياسية منها تصاعد دور القطاع الخاص العالمي الذي يتحول لما يسمى بالاستثمارات العالمية أو الشريك الأجنبي, ويأتي الشريك الأجنبي إلى الدول العربية بعد ان ذهب إلى دول آسيا في ظل حاجة رؤوس الأموال المحلية للتداخل مع رؤوس الأموال العالمية لمواجهة أعباء العصر الجديد. الشريك الأجنبي بدء يدخل بقوة على العديد من الدول العربية ولكنه في بداية عملية استثماره, وهذا الأمر سوف يعني تفاوض كل دولة عربية مع هذا الشريك من أجل ضمان مجيء هذه الاستثمارات ثم استمرارها. ويضاف على كل هذا دور الدول الكبرى السياسي والأمني والاقتصادي اضافة لدور المنظمات العالمية ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, ومجلس الأمن, ودور جمعيات حقوق الانسان وأثر التقارير التي تصدرها والتي تؤثر على سمعة الدول في ظل سعيها لجلب الاستثمار واضفاء الشرعية على اساليبها. اللائحة كبيرة وهي في ازدياد ولا يوجد دولة اليوم بمعزل عن التأثيرات الخارجية. ولكن ماذا يعني هذا؟ ان الدول العربية تسير بهذا الاتجاه أي باتجاه نمط من الدول تخضع بنسبة أكبر لتأثيرات محلية وخارجية أوسع ولقوانين السوق ولامكانية تطور الديمقراطية في مؤسساتها , ولكن لتنجح هذه الدول في أمر من الأمور سنجدها مضطرة لاتقان فن العمل السياسي مع قوى عديدة داخلية وخارجية, وعليها ان تكون أكثر مقدرة على حشد التأييد لمشاريعها ولتصوراتها, ونجدها مضطرة ان تكون أكثر استعدادا لابداء المرونة من أجل بناء التعاون بينها وبين فئات المجتمع وبينها وبين العالم الخارجي, وسوف نجد ان هذه الدول مضطرة لأن تكون أكثر قدرة على اقناع مجالس نوابها ومجتمعها وفئاته المختلفة بضرورة قيامها بأمر من الأمور, وإذا فشلت في هذا الاقناع فلن تجد الدعم والتأييد الذي يساعدها على تنفيذ توجهاتها. ان المستقبل سوف ينطوي اذن على الكثير من الاضعاف للدولة بمعناها التقليدي, ومن الطبيعي ان يكون التحالف بين عدة دول وتجميع الامكانيات بين مؤسسات وقطاعات هذه الدول الخاصة أساس المستقبل في مجال الأمن أو في مجال البناء الاقتصادي, وهذا يعني ان التعاون بين دول المنطقة العربية أو دول الشرق الأوسط يتطلب الكثير من العمل وذلك لتحويله إلى وسيلة تساعد الدول العربية على تعويض المصاعب التي ستمر بها في المرحلة المقبلة. وبالمقابل ان الدول التي تسعى لعزل نفسها عن هذه التأثيرات العالمية لن تكون قادرة على هذا إلا من خلال ممارسة الكثير من العنف الداخلي والخارجي. الدول التي ما زالت تبني أجهزتها وفق النموذج السوفييتي القديم تقود مجتمعاتها إلى حالة من العزلة وبالتالي إلى دمار داخلي ووطني وإلى تخلف كبير في وسائل التعليم والعمل, وفي وسائل التنافس والتأثير العالمي, نعم ان المستقبل ينطوي على معادلة جديدة مفادها التحول نحو مجتمعات أكثر تأثيرا في ظل دول أقل قوة, عوضا عن المعادلة القديمة: دول قوية في ظل مجتمعات مفككة وضعيفة, ولكن يقابل تلك المعادلة آفاق تحول الدول الأقل قدرة إلى دول متعاونة فيما بينها وذلك بهدف تعويض المصاعب الكثيرة التي تواجه الدولة العربية. استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت