كان (محمد المويلحي)واحدا من ألمع الصحفيين العرب في بداية القرن, وكان مصلحا اجتماعيا وناقدا وأديبا, يشترك مع والده في تحرير جريدة(مصباح الشرق) , وينتقد على صفحاتها أشعار شوقي وحافظ ومطران واسماعيل صبري وغيرهم من كبا شعراء العصر , نقدا لاذعا, ولا يكف عن التنديد بسلوك أولاد الذوات الفاسدين الذين يبددون أموالهم على الغانيات! وذات مساء من أكتوبر 1902, كان المويلحي يجلس مع بعض أصدقائه, في (حانة دراكتوس) حين دخل أحد أبناء الذوات هؤلاء, وهو محمد نشأت بك, فمد له يده مصافحاً ولعله نسي انه كان قد نشر في صباح اليوم نفسه مقالا يعرض فيه بسلوكه, أو توهم ان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية, لكن نشأت بك فاجأة عندما مد إليه يده مصافعا صدغه وقفاه, مؤكدا بذلك ان اختلاف الرأي ـ لدى العرب ـ يفسد للود كل قضية! وكان من دلائل ذلك ان خبر ما ناله قفا الصحفي الكبير من تشريف ما كاد يشيع حتى استقبله كل الذين كان ينتقدهم في صحيفته, بشماتة بالغة, بما في ذلك زملاؤه الصحفيون, الذين لم يحتجوا على ما جرى له, بل وبادر أحدهم وهو الشيخ (علي يوسف) صاحب جريدة (المؤيد) بتخصيص زاوية يومية بعنوان (عام الكف) لينشر فيها ما كان يرد إليه من قصائد الشعراء, في مدح الكف الشريفة التي انهالت على قفا الزميل الكريم, كان من أشهرها بيت لأمير الشعراء يقول فيه: خدعوه بقولهم فيلسوف حتى رنت على قفاه الكفوف وبناء على ما سبق فإنني اعترض على ما ذكره تقرير الأهرام الاستراتيجي لعام 1998, لأنه نسب الفضل في ابتكار أسلوب مصافعة الصحفيين, إلى الرئيس اللبناني السابق الياس الهراوي, الذي تقدم إليه الزميل (حسن صبرا) رئيس تحرير مجلة الشراع مصافحا, ناسيا انه كان قد خاطب الرئيس في مقال نشره في الأسبوع نفسه بعنوان (يا رايح كتر من القبائح) , أو متوهما ان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية, لكن الرئيس ــ الذي لم ينس ولم يتوهم ـ فاجأه بأن مد إليه يده الكريمة مصافعاً خده الجميل. ولو انصف التقرير, لاحتفظ للمرحوم (نشأت بك) بالحق التاريخي في ارساء تقليد المصافعة كأسلوب للحوار التاريخي مع الصحفيين منذ بداية القرن, ولاعترف للرئيس الهراوي بفضل احياء أهم تقاليد الأمة الديمقراطية في التعامل مع الصحافة, قبل ان ينتهي القرن, ولاقترح على اتحاد الصحفيين العرب, ان يسميه (قرن الكف) , وان يتخد لنفسه نشيدا يقول مطلعه: (خدعوها بقولهم سلطة رابعة.. حتى رنت على قفاها الكفوف مرابعة) ! وتلك على أي الأحوال هي الخلاصة التي انتهى إليها تقرير (الأهرام الاستراتيجي) الذي وصف عام 1998, بأنه أحد أسوأ الأعوام التي مرت على الصحافة العربية, فالتقدم لم يحدث سوى في بلد واحد هو المغرب الذي تحقق له قدر أكبر من التطور الديمقراطي شمل حرية الصحافة, بينما تعرضت هذه الحرية ذاتها لانتهاكات في خمسة من بلاد التعددية السياسية المقيدة, هي مصر, الأردن, الكويت, لبنان واليمن وهي من البلاد التي يتوفر فيها قدر محدود من حرية الصحافة, أما بقية البلاد العربية فهي من النوع اللي بالي بالك, وبالتالي فلا مجال للحديث عن انتهاك شيء غير موجود أصلا, لأن ربنا أمر بالستر, ولأن (قرن الكف) لم ينته بعد, ولأن قفا العبد لله لم يعد يتحمل مزيدا من الصفع! ومن وقائع (عام الكف) موديل أواخر القرن, يلفت التقرير النظر إلى ان عام 1998 لن يشهد فحسب واقعة كف الرئيس على خد الصحافة, بل ان السجون قد فتحت أبوابها ــ كذلك لكي تستقبل الصحفيين, وكانت مصر هي الرائدة في هذا المجال, إذ دخل أربعة من صحفييها السجن خلال الشهور الأولى منه, ليمضوا فيه فترات تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر, قبل ان تلغي محكمة النقض الأحكام الصادرة بحقهم, وتلتها الأردن, التي أمضى عدد من صحفييها أياما رهن الحبس على ذمة التحقيق في قضايا صحفية, ثم الكويت التي صدر فيها حكم بحبس رئيس تحرير (القبس) لمدة ستة أشهر, ولكنه لحسن الحظ لم ينفذ, ثم اليمن التي احتجزت ثلاثة من مراسلي هيئة الاذاعة البريطانية لمدة يومين بتهمة تصوير فيلم اخباري من دون اذن, وأخيرا لبنان التي صدر فيها حكم غيابي بسجن صحفي لمدة ثلاثة أشهر لقيامه بزيارة اسرائيل!! وفضلا عن الصفع والحبس, فقد شهد عام 1998, كذلك وقف صحيفتين حزبيتين في اليمن, كان لافتا للنظر ان احداهما هي صحيفة الحزب الحاكم, يبدو ان ايقافها كان زريعة لوقف الصحيفة الأخرى, وهي معارضة, وفي مصر أوقفت صحيفتان احداهما حزبية والثانية مستقلة كانت تصدر بترخيص من قبرص, كما شهد العام تعطيل صحيفتين كويتيتين لمدة أسبوع لكل منهما! وبعد الصفع والحبس ىأتي فرض مزيد من القيود القانونية أو احياء نصوص قانونية مهملة للتضييق على حق اصدار الصحف, فقد رفعت الأردن الحد الأدنى لرأس مال اصدار الصحف إلى حوالي عشرة أضعاف, وهو قريب مما حدث في اليمن, التي اعادت العمل بنصوص قانونية تفرض على الصحف ان تزيد رأسمالها إلى ما يتراوح بين مليون و 700 ألف ريال, أما في مصر , فقد استردت الحكومة بنص اقحمته على قانون الشركات الجانب الأهم من التيسيرات التي وردت في قانون تنظيم الصحافة لعام 1996, فأصبح تأسيس شركات اصدار الصحف رهينا بموافقة مجلس الوزراء, من دون ان تخضع ممارساته لهذا الحق لأية رقابة قضائية! ولو ان هذا التقرير قد صدر قبل نهاية سنة 1998 لأقام اتحاد الصحفيين العرب حفل تأبين يدعو إليه الصحفيين والمهتمين بحرية الصحافة, ليرتلوا موشح (سنة سودة ياجميل) ولدعا حالا بالا لمؤتمر يعقد في عاصمة اوروبية محايدة لمناقشة محنة الصحافة العربية, في قرن الكف الذي بدأ بـ (محمد بك نشأت وانتهى بـ (الياس الهراوي) وبحث السبل التي تحول دون ان يكون القرن العربي القادم, بالنسبة لحرية الصحافة, هو (قرن الغزال) , ويتطور التعامل مع الصحافة, على صعيد المجتمع كله, من المصافعة الى المطاعنة بسكين مقوسة كقرن الغزال وهو مايحدث في الجزائر الشقيقة, التي يرصد التقرير ان سنة 1998 السودة ياجميل شهدت اتجاه حكومتها الى انهاء الحماية الامنية للمهددين بالقتل من الصحفيين. والوجه الاخر لمحنة الصحافة في سنة 1998 كما يرصده التقرير هو ان ردود فعل الصحفيين على ماجرى لهم وللصحافة خلال تلك السنة السودة ياجميل كان ضعيفا ولايتناسب مع ماواجههم من تحديات, بل ان رد فعلهم في البلدين الاكثر تقدما في مجال الديمقراطية وهما مصر ولبنان كان اكثر ضعفا من رد فعل الصحفيين في البلدين الأقل تقدما في هذا المجال وهي الكويت والاردن فقد انقسم الصحفيون المصريون على انفسهم عندما دخل اربعة منهم السجون فطالب البعض بالغاء عقوبة الحبس في جرائم الرأي بينما طالب اخرون بالتفرقة بين (حرية الرأى) وحرية (السب) وعجزت نقابتا الصحافة في لبنان عن التوصل الى حل للأزمة بسبب اصرار الرئيس الهراوي على التمسك بحقه في مصافعته للصحفيين بينما كان موقف الصحفيين الكويتيين اكثر حيوية وتقدما فعلى الرغم من ان الحكم بحبس رئىس تحرير (القبس) كان بسبب نشره لكاريكاتير وصف بأنه يمس الذات الالهية, فإن حساسية الوضع لم تمنعهم من المطالبة بالغاء عقوبة الحبس, مما في ذلك المنتمون منهم الى التيار الاسلامي.. وكانت مواجهة الصحفيين في الاردن للقيود التي جاء بها قانون المطبوعات الجديد رغم تواضعها افضل حالا من مواجهة الصحفيين المصريين للتعديلات التي ادخلت على قانون الشركات. حدث ذلك في ظل حملات ضد حرية الصحافة لم تعد تقتصر على الحكومات بل تعدتها الى المجتمعات تبالغ فيما نسميه التأثيرات الضارة للحرية على الاخلاق العامة وتتخذ من ظواهر هامشية مثل ظاهرة الصحف الصفراء التي بدأت الحملة عليها في الاردن عام 1996 وانتقلت الى مصر عام 1998 مبررا للمطالبة بوضع ضوابط للحرية, ولم يقتصر اثر هذه الحملات على انها اعطت الذريعة للحكومات كما حدث في مصر وفي الاردن بفرض مزيد من القيود على حرية الصحافة بل انها ادت كذلك الى انكماش هامش التسامح المحدود اصلاً في تعامل سلطات التحقيق مع الصحفيين فاصبح كل بلاغ ضد الصحف يتحول الى قرار اتهام, بعد ان كانت معظم البلاغات تحفظ, او تترك للتقاضي امام القضاء المدني, بل ان هذا التسامح قد ينقلب الى نوع من التجني, كما حدث حين ابلغت الفنانة اللامعة (ىسرا) سلطات التحقيق ضد ثلاثة اشخاص اتهمتهم بعقد مؤتمر صحفي نسبوا اليها فيه وقائع اعتبرتها قذفاً في حقها. فاذا بالنيابة العامة تضيف الى المتهمين الثلاثة (عشرة صحفيين) غطوا المؤتمر ونشروا وقائعه في صحفهم مع ان المجني عليها لم تتهمهم بشىء, ومع انهم كانوا يقومون بواجبهم المهني في اعلام القارىء, بما جرى في المؤتمر. وانعكس هذا الانكماش في هامش التسامح المحدود تجاه حرية الصحافة سواء على صعيد المجتمع, او على صعيد سلطات التحقيق على القضاء الذي اصبح اكثر ميلا الى التوسع في احكام حبس الصحفيين, والغيت المسافة التي كانت قائمة بين النصوص القانونية وبين احكام القضاء التي كانت تميل من قبل الى توسيع نطاق الحرية ادراكا منها بأن قوانين الصحافة تتناقض مع الحقوق والحريات العامة وتتسم بقسوة شديدة! وليس في التذكرة الطبية التي يقدمها تقرير الاهرام الاستراتيجي لاخراج الصحافة العربية من غرفة الانعاش التي دخلتها في سنة 1998 السودة ياجميل, مايدعو للاعتراض عليه, فهو يطالب جميع البلاد العربية, بمراجعة جوهرية لقوانين الصحافة والنشر لانها تتعامل مع الكلمة وكأنها قطعة مخدرات او طلقة رصاص او دانة مدفع, بحيث تلغي عقوبة الحبس, وتخفف القيود على حق اصدار الصحف. اما اخطر مايرصده التقرير فهو ان الجمهور لم يساند الصحافة العربية خلال عام المحنة, ولم يمد يده لمساعدتها ضد محاولات العصف بهامش الحرية المحدود الذي تتمتع به لان الصورة السلبية للصحفيين غطت على ماعداها ومع ان ذلك يعود لاسباب عامة منها ان كثيرين من الصحفيين تحولوا الى موظفين بسبب اصرار الحكومات على تملك الصحف, ومنها ما الحقته الثروة بهم من فساد لم يقتصر عليهم فإن ذلك لايلغي حقيقة ان من بين الصحفيين العرب كثيرين لم يحترموا مسؤولية الكلمة فوقفوا مع الطغيان من اجل مغانم شخصية او فلسفوا الفساد لمصالح خاصة, او ضللوا الرأي العام, أو خلطوا بين الاعلان والخبر, أو باعوا زملاء لهم لسلطة اوجهاز امني وهؤلاء كما يقول التقرير ليسوا قلة وليسو استثناء واعدادهم لاتنكمش بل انها للاسف تتزايد. ومعنى الكلام ان مؤتمرا للصحفيين العرب ينعقد في عاصمة اوروبية محايدة ليناقش قضية حرية الصحافة ويحلل مواقف كل الاطراف منها اصبح ضروريا, اذا اردنا ان نخرج الصحافة العربية من غرفة الانعاش التي دخلتها سنة 1998 السودة ياجميل, وحتى لاننتقل من (قرن الكف) الى (قرن الغزال) .