لن نختلف كثيرا في أن الملك حسين زعامة تاريخية في المنطقة, سواء اتفقنا على سياساته أو اختلفنا, فهو من ناحية من الزعماء الذين حكموا بلدانهم فترات طويلة شارفت على نصف قرن , وهو من الناحية الثانية من الزعماء الذين شاركوا في صنع أحداث أو تفاعلوا معها أو كان لهم فيها يد أو باع أو ذراع أو شبر أو فتر, على حسب قرب هذه الأحداث وأهميتها لبلده الأردن. وبما أن الملك حسين يودع العالم حالياً والعالم يودع الملك حسين, فإن صورة هذا العالم من دون الملك وبخاصة عالمنا العربي, أو الشرق الأوسط, مثار تساؤلات وقلق عند الكثير من القادة العالميين والعرب وعند كثرة أخرى من المراقبين السياسيين وصناع القرار, إذ ليس من السهل على كل هؤلاء رؤية كرسي الملك في السياسة العربية والعالمية وقد شغر فجأة وخلا منه, وهو الذي ارتبطت صورته بهذه السياسة ودهاليزها على مدى نصف قرن. أما نصف القرن هذا الذي ملأ الملك حسين صورته السياسية به, فهو النصف المليء بأكبر الأحداث سخونة وأكثرها أهمية, من الثورات العربية التحررية وحركات الاستقلال بعد العام 1952 (عام توليه العرش) إلى قيام دولة اسرائيل على ضفافه وليس انتهاء بأكبر حروب المنطقة تأثيرا في مسار الأحداث, من حروبنا مع اسرائيل الى حروبنا العربية العربية, الأهلية الداخلية منها والخارجية على السواء, إلى مرحلة ما سمي بالسلام العربي الاسرائيلي الذي نشهد بداياته الآن. طبعاً هناك مع كل مفصل من مفاصل هذه الأحداث الكبيرة, ثمة تفاصيل وحوادث وصور كثيرة, للملك حسين فيها أثر من نوع ما, ما يجعل غيابه عن المشهد السياسي غيابا مؤثرا فعلاً, خاصة لجهة أن هذا المشهد باستمرار ينحو إلى الكلاسيكية إن صح التعبير, تجعل غياب زعماء عنه من وزن الملك حسين غير محتمل الى حين, ويكون غيابهم المفاجئ عنه كبيرا الى أن يعود التوازن الى هذا المشهد والتماسك أيضاً من جديد لسد الفراغ الشاسع. وبفارق المقارنات بين الملك حسين وزعماء آخرين وأدوار كل منهم ومدى التأييد لهذا وذاك أو الاختلاف معه, فإن فراغ الملك حسين من المشهد السياسي العربي سيكون مشابها إلى حد ما وبقدر ما, يكبر أو يصغر من وجهة نظر إلى أخرى, بالفراغ الذي تركه زعماء عرب تاريخيون من أمثال المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز والمرحوم جمال عبد الناصر, خاصة أن بروز الملك حسين وصعود نجمه السياسي كان في الفترة نفسها التي برز فيها هذان الزعيمان, ومعهما زعماء عرب آخرون بعضهم لايزال على قيد الحياة ويلعب أدوارًا مهمة ومؤثرة كالملك الحسن الثاني ملك المغرب. طبعاً تأثير غياب الملك في الساحة الأردنية الداخلية, خصوصا لجهة ضعف البلد اقتصاديا على الدوام ومحيطه الخارجي القوي, الذي جعل حسين ملكا قويا فعلا على بلد ضعيف, يبدو أنه يثير قدرا من قلق الأردنيين لا يقل عن قلق غير الأردنيين في الخارج على صورة البلد بعد الملك حسين, تعكسه لا الدموع وحدها, فهذه متوقعة لغالبية الشعب الأردني التي فتحت أعينها وعاشت على رؤية الملك وحيدا في السلطة, بل القلق العميق غير المهموس به, خاصة ان الأمير عبد الله يتولى العرش في ظروف استثنائية فعلاً وصعبة, ما بين استحقاقات عملية السلام مع إسرائيل والأوضاع العربية المتردية كالوضع في العراق اضافة الى الأوضاع الاقتصادية الأصعب عربيا وعالمياً على السواء, ما يجعل الظروف بمعنى ما مشابهة لظروف تولي الملك حسين نفسه عرش الأردن عام ,52 لجهة اجتماع الأخطار الخارجية والتحديات الداخلية معاً, والذي يبدو ــ هذا الاجتماع ــ أنه قدر الأردن على الدوام.