كانت فلسطين حتى العام 1948 تمثل وطناً واحداً يضم الفلسطينيين, والذين كان عددهم حوالي 1580 الف فلسطيني موزعين بين مدن وقرى فلسطين الممتدة ما بين تماس فلسطين مع لبنان شمالاً وقرية ام الرشراش على خليج العقبة جنوباً , وبين ساحل البحر المتوسط غرباً ونهر الاردن ووادي عربة شرقاً وهي المنطقة المعروفة بفلسطين ايام الانتداب, وفي تلك المساحة من فلسطين, كانت بعض بؤر استطونها اليهود الذين هاجروا اليها في اطار مشروع استعماري استيطاني تحت الرعاية الغربية, وقد وصل عدد اليهود في فلسطين في العام 1948 حوالي 600 الف نسمة. لم تكن حياة الفلسطينيين على ما يرام في تلك الفترة, فقد كانوا يتصارعون مع الانتداب البريطاني الرابض على صدورهم من جهة, ومع المستوطنين اليهود وتنظيماتهم المسلحة العاملة باتجاه اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين, وبالاجمال كان على الفلسطينيين بامكانياتهم المحدودة, ان يواجهوا التحالف البريطاني الصهيوني ظاهراً وباطناً. وقبل خروج قوات الانتداب البريطاني (15/5/1948) كان البريطانيون قد هيأوا الفرصة لتمدد نفوذ الجماعات اليهودية المسلحة في انحاء متفرقة من فلسطين بغية تمكينهم الاستيلاء على اكبر مساحة من البلاد واعلانها دولة يهودية, والطريق الى ذلك, تم عبر تقوية الوجود اليهودي المسلح من خلال اغراق التجمعات اليهودية بالاسلحة التي تقول معطيات احدى صفقاتها ان منها اكثر من 24 الف بندقية, و5 الاف مدفع رشاش, 200 مدفع رشاش متوسط, و54 مليون صلية عتاد, و25 طائرة شميث, ورافق سياسة اغراق فلسطين بالسلاح اليهودي, تخلى جيش الانتداب عن منشآته وتجهيزاته وبعضاً من عتاده الى الجماعات الصهيونية المسلحة, في الوقت الذي اخذت فيه الجماعات اليهودية تستقدم السلاح والقادمين اليهود الجدد عبر موانيء فلسطين ومطاراتها, بل واحياناً عبر الحدود البرية, حيث تم جلب الكثير من يهود الدول العربية لالحاقهم بالجماعات اليهودية المسلحة. ورغم ان قدوم المزيد من الوافدين اليهود الى فلسطين, لم يحدث خللاً في بنيان الديمغرافيا الفلسطينية من حيث غلبة عدد الفلسطينيين, الا ان ترافق زيادة الوافدين اليهود الى فلسطين مع اغراق تجمعاتهم بالاسلحة والعتاد والذخائر, الى جانب التنظيم الحديث, والرعاية البريطانية لهم, ادت جميعاً الى بدء اختلال ميزان القوى داخل فلسطين, وفيه انطلقت العمليات الارهابية اليهودية, تضرب في عمق التجمعات المدنية وفي القرى العربية, وقريباً من مراكز التجمعات اليهودية الكبرى, وبنتائج ذلك كانت عشرات المجازر التي ارتكبت وفيها مجزرة دير ياسين (9/4/1948) حيث تم ذبح نحو 245 من سكان البلدة, والى جانبها كانت عمليات طرد الفلسطينيين من قراهم, وقدرت تقارير محايدة عدد الفلسطينيين الذين شردوا وطردوا من قراهم حتى اوائل مايو 1948 بما بين 175 و200 الف فلسطيني. وقد صعدت حدة تأثيرات الاعمال الارهابية اليهودية خلال الاشهر التالية, مما كان له اثر ملموس على الفلسطينيين, اذ انه وبنهاية حرب العام ,1948 صار الفلسطينيون موزعين على ثلاث كتل اساسية: القسم الاول منهم الذين بقوا في فلسطين تحت الاحتلال الاسرائيلي وعددهم حوالي 156 الف فلسطيني, والقسم الثاني من الفلسطينيين يؤلفه سكان المناطق التي ظلت تحت السيادة العربية والتي اخذت لاحقاً اسم الضفة الغربية وقطاع غزة وفيها من السكان نحو 600 الف نسمة اما القسم الثالث من الفلسطينيين فقد كان ممن طردوا من قراهم ومدنهم المحتلة في الاراضي المحتلة عام 1948 وعددهم حوالي 85 الفا وقد توزع هؤلاء الى مجموعتين المجموعة الاولى اقامت في الضفة وقطاع غزة, ونسبتهم حوالي 64% والمجموعة الثانية انتشرت في البلاد العربية المحيطة بفلسطين او في جوارها ونسبة هؤلاء حوالي 36% او مايعادل 300 الف نسمة. وبنتائج حرب 1948 في توزيعها الفلسطيني الى ثلاثة اقسام صارت مصائر الفلسطينيين باقسامهم تبدو مختلفة لكل قسم, فالقسم الذي بقى تحت الاحتلال اليهودي داخل (الخط الاخضر) وبعد ان عانى طويلا من سياسة الحكم العسكري اتيحت امامه فرصة محدودة للعيش في ظل المواطنة الاسرائيلية التي لم تنته واقع التمييز القومي والديني والثقافي والاجتماعي الذي تمارسه الدولة اليهودية بكل هيئاتها ومؤسساتها نحوه وليس من افق يمكن فته لتطوير افضل في حياة هذا القسم من الفلسطينيين الذين يزيد عددهم حاليا عن مليون فلسطيني حيث ان اسرائيل هي (دولة اليهود) وليس من المنتظر تحولها الى دولة مختلطة او متعددة القوميات وبهذ المعنى فإن مصير الفلسطينيين فيها مواطنين من الدرجة الثانية على الاقل. والقسم الثاني من الفلسطينيين تضمهم مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة, ويرزح هؤلاء تحت عبء الاحتلال الاسرائيلي منذ يونيو عام 1967 وباستثناء ضم القدس وفرض الجنسية الاسرائيلية على سكانها فقد استولت سلطات الاحتلال ومستوطنيها على اكثر من نصف مساحة المنطقة وحولتها لصالح الاستيطان اليهودي ودفعت بقوة سياسة الارهاب والطرد وتحت عبء الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية اكثر من مائتي الف فلسطيني خارج وطنهم ومعظم هؤلاء فقد حق العودة الى الضفة والقطاع بفعل سياسة الاحتلال. ان مصير نحو مليونين وربع مليون من الفلسطينيين الذي يقيمون في الضفة والقطاع لايزال غامضا رغم توصل القيادة الفلسطينية الى اتفاقات مع اسرائيل تستند الى اتفاق اوسلو لعام 1993 الذي يفترض انه يرسم مشروعا فلسطينيا مستقلا لكن هذا الاتفاق الذي لايختلف اثنان على محدوديته وهامشيته في الاستجابة للحقوق الفلسطينية مازال عرضة الى التحجيم والاختصار من جانب اسرائيل ومما يجعل مستقبل فلسطيني الضفة والقطاع بدون ملامح, والشيء الجوهري في احتمالات مستقبلهم هو بقاء سيف الاحتلال مسلطا على رقابهم اضافة الى ان من الممكن ان يتعرض فلسطينيو الضفة والقطاع الى طرد جماعي نحو شرقي الاردن, باعتباره (دولة الفلسطينيين) على نحو ما يقول غلاة القادة الاسرائيليين. والقسم الثالث من الفلسطينيين تتوزعهم بلدان الجوار العربي والعدد الاجمالي لهؤلاء اكثر بقليل من ثلاثة ملايين نسمة الكتلة الاساسية منهم تقيم في الاردن وعددها نحو مليونيين وثلاثمائة الف نسمة وهناك نحو اربعمائة الف من الفلسطينيين في لبنان واقل منهم بقليل في سوريا (حوالي 375 الف نسمة) على مدار العقود الثلاثة الماضية كان فلسطينيو هذه البلدان عرضة لتأثيرات سياسية وعسكرية بينها احداث سبتمبر 1970 وماتلاها من مذابح وعمليات اضطهاد وطرد من الاردن وبينها ايضا عمليات اجتياح المخيمات الفلسطينية في لبنان عام 1976 من تل الزعتر الى ضبية وجسر الباشا الى مخيمات البداوي وعين البارد في الشمال, اضافة الى مخيم البرج الشمالي والبص وعين الحلوة في الجنوب وقد اجتيحت عدة مرات وقد شاركت قوى محلية واقليمية بل وفلسطينية في اجتياح هذه المخيمات التي تختصر مأساتها المروعة مذبحة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها القوات الكتائبية برعاية اسرائيل في العام 1982. وبصفة عامة فإن مصير هذه الكتلة من الفلسطينيين لاتفتح الا نحو بوابتين التوطين او التهجير مجددا, والامر في الحالتين ليس مرهونا برأي الفلسطينيين وبقرارهم بمقدار ماهو مرهون بقرارات القوى الاقليمية, وباتجاهات التسوية التي تقررها بالمشاركة قوى اقليمية ودولية تبدو اسرائيل والولايات المتحدة صاحبة الكلمة الاقوى فيها. ان قسم رابعا واخيرا من الفلسطينيين يستحق التوقف عنده مليا وهذا القسم من الفلسطينيين يؤلفه فلسطينيو الشتات العالمي وعددهم المقدر حوالي اربعمائة الف نسمة والقسم الاساسي منهم موزع بين امريكا الشمالية وغرب اوروبا ويعكس هؤلاء بعمق مأساة الفلسطيني في فقده لهويته وفي انقطاع تواصله المباشر مع عمقه الوطني والقومي ويشكل فلسطينيو الشتات العالمي باختصار حالة اقتلاع من التاريخ والجغرافيا والهوية حيث لم يعد لهؤلاء مصائر جمعية منفصلة عن المجتمعات التي يعيشون فيها. لقد حملت العقود الخمسة الماضية لحياة الفلسطينيين مصائب ونكبات تناوبت بين الطرد والتهجير من وطنهم الى التنقل في المنافى والشتات وبين هذه وتلك توالت المذابح والمجازر وحالات الاضطهاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي, بحيث صار الفلسطينيون نموذجا حيا لمأساة العصر , التي لم يقابلها الواقع الدولي الا بالقليل مع المعالجة والتي غالبا ما عمقت مأساة الفلسطينيين ومعاناتهم بدل ان تعمل على التخفيف منها وان تتجه الى تقديم حلول لها.. تلك هي باختصار حالة الفلسطينيين بأرقامهم ومصائرهم وهي دليل جديد على (العدالة العالمية)