اذا قررت اسرائيل استعمال الاسلحة النووية في حالة تقدم القوات العربية المتفوقة المهددة فيمكن ان يكون هذا الاستعمال اما لتحقيق هدف تكتيكي ــ مثلا ضرب القوات المتقدمة لايقافها وابادتها ــ او لتحقيق هدف استراتيجي ــ مثلا مهاجمة المدن . واذا قررت اسرائيل استعمال الاسلحة النووية لتحقيق هدف تكتيكي فقد تختار الاسلحة النووية المصغرة تصغيرا كبيرا جدا حتى لا تتعرض للغبار النووي, وقد ترى ان من المستصوب من منظور سلامتها استعمال اسلحة النيوترون. ان تحميل طائرات اسرائيلية باسلحة نووية خلال حرب اكتوبر 1973 واعداد هذه القنابل للاطلاق على اهداف سورية, اذا كان ما تناقلته التقارير الصحفية صحيحا يبينان ان اسرائيل قد تختار في مثل الظروف المذكورة اعلاه استعمال الاسلحة النووية. فحيال تقدم القوات السورية على مرتفعات الجولان والقوات المصرية على الجانب الشرقي لقناة السويس في سيناء واستنفاد المخزون الاحتياطي من الذخيرة الحربية الاسرائيلية من الاسلحة التقليدية اعتبر موشيه دايان وزير الدفاع الاسرائيلي في ذلك الوقت حالة اسرائيل الامنية حرجة وحذر جولدا مائير رئيسة الحكومة آنئذ من اننا نوشك على فقدان الهيكل الثالث. في ظل هذه الخلفية القاتمة بالنسبة الى اسرائيل يبدو ان متخذي القرار الاسرائيليين قرروا النظر في استعمال اسلحة نووية. فوفقا لمجلة تايم الصادرة في ابريل 1976 وتقدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية اتخذت الحكومة الاسرائيلية في اسوأ ايام حرب اكتوبر قرارا بالاعداد لاستعمال الجيش الاسرائيلي لاسلحة نووية. وقد نفت المصادر الاسرائيلية الرسمية صحة تلك التقارير عن حالة التأهب لاستعمال اسلحة نووية. التأهب العربي للهجوم وثمة ظرف آخر من المحتمل ان تستعمل اسرائيل فيه اسلحة نووية, وهو الظرف الذي يكون فيه طرف عربي واحد او اكثر من طرف واحد يخطط او يتأهب لان يشن هجوما على نطاق واسع على جبهة واحدة او اكثر من جهة واحدة على اسرائيل. فتحت تهديد هذا الهجوم من المحتمل ان تشن اسرائيل هجوما نوويا استباقيا ويحتمل احتمالا اقل ان تنتظر حتى يبدأ الهجوم العربي فبسبب المسافات القصيرة نسبيا الفاصلة بين أهداف الخصوم في الشرق الأوسط فإن وقت الانذار قبل الهجوم قصير جدا. هذا الواقع يضع اسرائيل تحت الحافز القوي على استباق الهجوم العربي وذلك بشن هجوم باسلحة تقليدية او نووية. ان تاريخ الشرق الاوسط الحديث حافل بالهجمات الاستباقية مثل حرب يونيو 1967 وحرب اكتوبر 1973 وتوجد هذه الخلفية الاغراء القوي لدى الخصوم بالقيام بالعمل العسكري الاستباقي. تضييق الفجوة العسكرية النوعية ومن الناحية الكمية فإن الاطراف العربية اصبحت اكثر قوة بالاسلحة التقليدية, وهذه القوة الكمية الكلية العربية اكبر من قوة اسرائىل الكمية. بيد انه مما له دلالته ان اسرائيل لم تخض ابدا حربا استعملت فيها كل الاسلحة العربية. ومع ذلك فإن الفجوة العسكرية التكنولوجية النوعية القائمة بين اسرائيل والاطراف العربية هي في صالح الاولى. ومن الاسئلة المطروحة هل هذه الفجوة العسكرية التكنولوجية النوعية تضيق الآن ام ستصبح اضيق؟ يفسر البعض زيادة عدد القتلى في صفوف الاسرائيليين خلال العمليات العسكرية في سنة 1956 وسنة 1967 وسنة 1973 بانها دليل على تضييق هذه الفجوة. ومن الجلي ان تضييق او ردم الفجوة العسكرية التكنولوجية النوعية القائمة بين اسرائيل والاطراف العربية لصالح الاخيرة من شأنه ان يضعف ما لدى اسرائيل من الردع النووي. فاذا حدث ذلك الضعف واذا اصبح انتصار اسرائيل في حرب في المستقبل بالاسلحة التقليدية مشكوكا فيه او بشر بان يكلف خسائر كبيرة في الارواح فان العنصر النووي سيكون له مكان اهم في الاستجابة الاسرائيلية للتقلبات السياسية والعسكرية والتكنولوجية والاقتصادية في المنطقة. المواجهة العسكرية طويلة الامد وثمة ظرف آخر قد تستعمل اسرائيل فيه الاسلحة النووية وذلك الظرف هو المواجهة العسكرية طويلة الامد أو حرب الاستنزاف التي تستغرق وقتا طويلا يرى محللون للمسائل الامنية والاستراتيجية في اسرائيل انه ليس في وسع اسرائيل نظرا الى الموارد البشرية والاقتصادية المحدودة والى حجم الدولة الصغير نسبيا وهي محاطة بعشرات الملايين من العرب الذين يمتلكون اراضي شاسعة وموارد طبيعية ضخمة ذات قيمة استراتيجية ان تخوض حربا طويلة واسعة النطاق بالاسلحة التقليدية. ولهذه الاسباب فان اسرائيل ستعاني دوما من الضعف الاستراتيجي على مستوى الاسلحة التقليدية وبين قادة اسرائيل مرات عديدة انها لن تخوض حرب استنزاف اخرى مثل حرب الاستنزاف التي دارت بينها وبين مصر في سنتي 1969 و1970 وهي الحرب التي كلفت اسرائيل خسائر فادحة في الارواح والاموال والممتلكات. خلال خوض حرب استنزاف طويلة من شأن اسرائيل ان تعاني من صعوبات اقتصادية شديدة جدا ومن خسائر فادحة في الارواح فاذا دارت مواجهة عسكرية استغرقت وقتا طويلا فمن المرجح ان تستعمل اسرائيل اسلحة نووية. الحرب على اكثر من جبهة واحدة يكلف سباق التسلح بالاسلحة التقليدية الاطراف في الصراع بين العرب واسرائيل مبالغ مالية طائلة. واحد الاهداف التي سعت اسرائيل الى تحقيقها هو الخروج من سباق التسلح الكمي بالاسلحة التقليدية. وامكنها ان تخرج من سباق التسلح هذا او ان تقلل حدته بحيازتها للاسلحة النووية. ورأى بعض المحللين الاسرائيليين ان يكون الجيش الاسرائيلي مستعدا لخوض الحرب بالاسلحة التقليدية على جبهة واحدة فقط يكون عدد الفرق والدبابات والطائرات ذلك العدد الذي يستطيع الجيش به ان يخوض القتال على جبهة عربية واحدة. ولكن اذا تجاوز القتال الجبهة الواحدة وبعبارة اخرى اذا واجهت اسرائيل هجوما منسقا يقوم به تحالف عربي او اذا واجهت الاحتمال الكبير لقيام تحالف عربي بشن الهجوم فينبغي لاسرائيل في نظر اولئك المحللين ان تستعمل اسلحة نووية. بيد ان من شأن هذه الاستراتيجية ان تلزم اسرائيل بان تعيش على مستوى اعلى من حالة الاستعداد وان تخفض عتبة الحرب بالاسلحة التقليدية, لانه حتى تستطيع قوة اصغر من الاسلحة التقليدية ان تضطلع بوظيفتها على الجبهة ستضطر الزعامة السياسية الى ان تستعمل تلك القوة في وقت يتوازى مع استخدام الطرف العربي لقوته العسكرية او قد يسبق ذلك الاستخدام. وكما ذكر آنفا فان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الاوسط الحائزة للاسلحة النووية. وهي ستكون دون ريب الدولة الوحيدة في الشرق الاوسط التي تمتلك اكبر ترسانة من هذه الاسلحة اذا بدأت دولة عربية واحدة او اكثر من دولة عربية بحيازة تلك الاسلحة ان مجرد اتخاذ دولة عربية لقرار بتسليح نفسها بالاسلحة النووية وباتخاذ الاستعدادات العلمية والتكنولوجية والبنيوية لتنفيذ ذلك القرار يحتمل احتمالا كبيرا ان يشكل هو في حد ذاته سببا في ان تشن اسرائيل حربا عليها. وفي بداية نشوء قوى الاسلحة النووية يحتمل احتمالا كبيرا ان تكون حلقات القيادة والتحكم والاتصال والاستخبارات في الدول التي نشأت فيها هذه القوى غير موثوق بها او ضعيفة بسبب جدتها, وان تكون معرفة المذاهب والخيارات العسكرية النووية في الدولة التي بدأت هذه القوى تنشأ فيها غير وافية, وان تكون سريعة التأثر لكونها صغيرة ولليسر النسبي للوصول اليها ولتركيزها في منطقة محدودة نسبيا وليست موزعة في منطقة جغرافية اكبر, وللسهولة النسبية في معرفة مواقع هذه القوى النووية الناشئة ــ كل هذه العوالم تجعل قوى الاسلحة النووية الناشئة عرضة للهجوم الاستباقي من جانب الدولة المخاصمة التي تريد ان تسحق هذه القوى لانها لا تريد ان تحوز دولة اخرى في المنطقة اسلحة نووية. ان اية مجموعة من هذه الظروف قد تغري دولة مالكة لقوة نووية اكثر تطورا بشن هجوم استباقي لتدمير القوى النووية الناشئة. ويحتمل احتمالا اكبر ان يشن هذا الهجوم في وقت التأزم السياسي والعسكري. هذه الامكانية من المحتمل ان تجعل الطرف الآخر الاضعف هلعا, ومن ثم قد يحمله هذا الهلع على الشروع في هجوم نووي إذا اقتنع بانه دون القيام بذلك الهجوم سيكون هو هدفا لهجوم نووي استباقي. والقرار الذي يتخذه طرف واحد أو طرف ثان يتوقف على عوالم مختلفة ومتغيرة, احدها تصور هذا الطرف أو ذاك للتهديد الذي يتعرض له من الطرف الآخر. وتوجد هذه الظروف كلها حالة من الانذار بالخطر واتخاذ الاجراءات والاجراءات المضادة التي تزيد من تعقيد الحالة. ومما يزيد من احتمال استعمال اسلحة نووية ضد اهداف عربية ان تصورات الخطر لا تتفق دائما مع واقع الخطر. فقد يتخذ راسمو السياسة في اسرائيل قرارا باستعمال اسلحة نووية بناء على ما يتصورونه اخطارا تواجه اسرائيل بينما لا يكون ما يتصورونه اخطارا, أو بناء على تصورهم للاخطار القائمة بينما لا يبرر حجم تلك الاخطار, من منظور الأمن الاسرائيلي, اللجوء الى استعمال تلك الاسلحة. ومما يزيد ايضا من احتمال استعمال اسرائيل للاسلحة النووية التأثير الكبير الذي يمارسه العسكريون فيها سواء في هيئة الاركان العامة للجيش أو في اجهزة الاستخبارات العامة والعسكرية او بوصفهم اعضاء في الحكومة. فالعسكريون بحكم مهنتهم اشد ميلا الى اللجوء الى استعمال الوسائل العسكرية في الحالات التي يبدو لهم فيها ان أمن الدولة يتعرض للخطر. وبالنظر الى ان اسرائيل تتبع سياسة الردع العسكري فانها, محاولة منها لردع العرب, تصور نفسها الدولة الشرسة ذات اليد الطولى, الدولة البطاشة التي تقوم بالمفاجآت العسكرية والتي لاتتردد في اتخاذ اجراءات عسكرية غير مألوفة ابتغاء ردع العرب وتأكيد ارادتها القاطعة وقوتها العسكرية الساحقة. وهي تتصرف احيانا كثيرة, حسب ظروفها وتصوراتها, وفقا لتصويرها لنفسها على هذه الصورة. في كل بلدان العالم, وعلى وجه الخصوص في بلدان العالم الثالث الذي تنتمي البلدان العربية اليه, ليس بالضرورة ان يتفق موقف الحكومة في بلد مع موقف الشعب. وفي بلدان العالم الثالث يقوم في حالات كثيرة تناقض بين موقف الحكومة وموقف الشعب. لقد ابرمت اتفاقات للسلام بين اسرائيل وعدد من الحكومات العربية. وفي الحقيقة فان ثمة اتجاها حكوميا عربيا يكاد يكون عاما صوب التسوية السياسية مع اسرائيل. واتضح خلال السنوات العشرين الماضية ان الشعوب العربية اقل ميلا الى التسوية مع اسرائيل ما لم تتوفر ظروف معينة, منها اقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد يبدو ان الاتجاه الحكومي العربي العام تقريبا هو التسوية مع اسرائيل يقلل شدة الصراع بين اسرائيل والعرب, وبالتالي يقلل احتمال نشوب الصراع واحتمال استعمال اسرائيل للاسلحة النووية. وسواء قل ذلك الاتجاه ام لم يقل شدة الصراع فان احتمال نشوب الصراع واستعمال هذه الاسلحة يبقى قائما, ما دام تحقيق السلام الحقيقي العادل والتسوية السياسية الحقيقية, من المنظور العربي, مستعصيا. ان واضعي السياسة الاسرائيليين يقيمون تقديرهم لاحتمالات الحرب والسلام ليس فقط على الاتفاقات السلمية المبرمة بينهم وبين الاطراف العربية ولكن ايضا والى مدى كبير على الحقائق الواقعة على الموقع, على الارض, في الميدان: الاتجاه الشعبي العام, تقدم البنية الاساسية العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية العربية, القوة الاقتصادية العربية وحسن ادارتها, الوزن العربي على الساحة الاقليمية والساحة الدولية,. اتجاهات الوحدة او اتجاهات الفرقة العربية ــ هذه العوامل وغيرها أو مزيج منها هي التي ستقرر حجم الدور اللي يخصصه راسمو السياسة الاسرائىليون لقوة الاسلحة النووية في سياستهم تجاه الدول العربية والوطن العربي.