المحنة الاخيرة لمسلمي كوسوفو دخلت منذ ايام عامها الثاني, ومن المفترض ان يعقد اليوم بفرنسا اول اجتماع بين ممثلي الالبان المسلمين في كوسوفو والحكومة الصربية , وبحضور مجموعة الاتصال بشأن يوغسلافيا وهي الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا, ويأتي هذا الاجتماع بعد الانتهاكات الصربية المتواصلة لاتفاق اكتوبر الماضي, والذي تم برعاية امريكية توصل اليه المبعوث الامريكي ريتشارد هولبروك, وكان يهدف بشكل أساسي إلى انهاء القمع الذي كان يتعرض له مسلمو كوسوفو على ايدي القوات الصربية, مع تطبيع الوضع في الاقليم, وتقرير الحكم الذاتي للاغلبية المسلمة, وهم الذين تزيد نسبتهم على 90% من مجموع سكان كوسوفو. وعلى الرغم من ان مضامين ذلك الاتفاق لا تلبي المطالب الاساسية لمسلمي كوسوفو, ولا يحقق طموحاتهم في كيانهم المستقل, الا انه كان يمثل الحد الادنى الذي يمكن الموافقة عليه بشرط تحقيق الامن والاستقرار للأهالي, مع المحافظة على هويتهم الثقافية وخصوصية انتمائهم العقدي, ولم يطمح الالبان المسلمون في تلك الظروف والاحوال البائسة, وفي ظل تقاعس ظاهر من قبل العالم الاسلامي, وتباطؤ غريب ومريب من قبل الدول الاوروبية ان يحققوا انجازا يذكر غير الذي اقترحته الولايات المتحدة وسعت اليه, ومن ثم انتزعت موافقة صربية عليه وعلى الرغم من ذلك كله, لم يسلم مسلمو كوسوفو من عمليات الابادة الجماعية والتشريد, كان بطلها المنفذ الجيش الصربي وقوات الشرطة في كوسوفو, ومازالت المذابح المروعة جارية على قدم وساق دون ان يكترث الصرب بالتهديدات التي توجهها الدول الاوروبية والولايات المتحدة من خلال حلف شمال الاطلسي, حيث لم تثبت تلك التهديدات اي جدية في التعامل مع التجاوزات الصربية وانتهاكاتها لأبسط حقوق الانسان. واذا لم يدرك الصرب بأن هناك ارادة دولية حقيقية تلزمهم بالوفاء بحقوق المسلمين في البلقان فان شيئا ملموسا لن يتحقق على ارض الواقع. يصف الكاتب الامريكي تيد روبرت جار في كتابه (أقليات في خطر) اوضاع المسلمين في ظل الحكم الصربي في اجزاء الاتحاد اليوغسلافي السابق فيقول: النظام الديكتاتوري في صربيا مازال مستمرا في تطبيق قوانين ستالين البائدة, ان سياساتها بشأن الهيمنة القومية والقمع لا يمكن منعها دون اللجوء إلى العقوبات الدولية والتدخل العسكري, أو من خلال ثورة ديمقراطية تنبعث من الداخل, بالطبع هناك بعض الامور التي استجدت واستدعت وقفة غربية مختلفة هذه المرة, ولكن مراوغات الصرب المستمرة وتاريخهم الاسود في البوسنة والهرسك, وتجارب حلف شمال الاطلسي معهم لا تدعو إلى الاطمئنان إلى الاتفاقات المعقودة معهم, ولا يمكن في الوقت نفسه التعويل على التهديدات الكلامية المجردة, حيث ان الواقع ينطق بحقائق مختلفة تماما, مما يثير اجواء مريبة حول دوافع وابعاد مأساة مسلمي البلقان وتكررت في كوسوفو المشاهد ذاتها التي كانت سائدة في البوسنة والهرسك, وبدا ان الطرف المباشر المتورط في عمليات الاستئصال والابادة, وهو الطرف الصربي, متفق مع اطراف اخرى لا يسرها, بل يزعجها, رؤية كيان أوروبي يحمل شعار الاسلام ورايته, وبدا كذلك انه لو تحقق ما تريده وتتمناه تلك الاطراف دون دفع اثمان باهظة, ودون الحاق اضرار بمصالحها الاستراتيجية, مع ضمان عدم خروج النزاعات الدائرة هناك عن نطاق السيطرة, فانه ليس لديها مانع من استمرار عمليات التصفية على النحو الذي شاهدناه من قبل في البوسنة, ونشاهده حاليا في كوسوفو, ولعل التحرك الغربي الاخير, ومن خلال مجموعة الاتصال حول يوغسلافيا قد جاء في السياق ذاته, بل ان هوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي قد عبر عن وجهة النظر تلك عندما نشرت له صحيفة (باريزيان) في الاسبوع الماضي تصريحا اجاب فيه عن سؤال حول ما إذا كان يرى مخاطر قد تؤدي إلى تطور الازمة الحالية إلى حرب شاملة, فقال: نعم هناك عدة مخاطر, لأن قيام القوات اليوغسلافية بقمع اهالي الاقليم لن يؤدي الا إلى تصعيد عمليات المطالبين بالانفصال, وقد تنتشر المشاكل هناك, إلى الاقليات الالبانية العرقية القوية في جمهوريتي الجبل الاسود ومقدونيا, (المشاهد السياسي: العدد 151) . من مظاهر التحرك المختلف هذه المرة ان هناك دعوات غربية متصاعدة لاتخاذ موقف يشعر فيه الصرب بان التهديدات التي يطلقها حلف شمال الاطلسي جادة, وان الحلف يعني ما يقوله, وقد كان وليام كوهين وزير الدفاع الامريكي ممن اسهم في ذلك عندما قال ان مصداقية حلف شمال الاطلسي محل اختبار في النزاع مع بلجراد بشأن كوسوفو وانه من الواضح تماما ان حلف الاطلسي لديه القدرة, ليس فقط على التهديد بضربات جوية, بل تنفيذها ايضا. وقد اسفرت تلك الحملة عن اجراء جديد اتخذه حلف شمال الاطلسي في الاسبوع الماضي, وذلك عندما فوض سكرتيره العام خافيير سولانا اصدار امر توجيه الضربات الجوية ضد يوغسلافيا اذا كان ذلك ضروريا في ضوء ما سيسفر عن اجتماعات فرنسا من الزام الصربي بما هو مطلوب منه. ولا شك ان هذ الاجراء يعد خطوة ايجابية ستؤدي إلى اختصار عملية اتخاذ القرار بشأن ردع الصرب, ويضفي مصداقية وجدية على تهديدات الحلف. وعندما نذكر محادثات فرنسا المزمع عقدها اليوم, والاسباب التي دعت الصرب إلى القبول بالمشاركة فيها, يجب ان نضيف إلى الضغوط الغربية التي مارستها الدول الغربية على سلوبودان ميلوسيفينش, الوضع المتعلق بالصرب في الاقليم نفسه, حيث كان للنجاحات التي حققها المسلمون هناك في اشتباكاتهم مع الصرب اثر كبير في اذعان الصرب للمطلب الدولي بالجلوس إلى الالبان المسلمين للتفاوض, ولا يقارن في هذا السياق بطبيعة الحال ــ الامكانات العسكرية التي يملكها الطرفان. فالمقاتلون المسلمون يستخدمون في معظم مواجهاتهم مع الصرب أسلحة تقليدية هي عبارة عن بنادق قديمة من بقايا الحرب العالمية الثانية, بل ان بعضهم يشتبك مع الصرب بالمدى والسكاكين. اذا قارنت ذلك بما يقع بأيدي الصرب, فلا شك انك ستصاب بذهول شديد, خاصة اذا تبين انهم قد سيطروا على تركة الاتحاد اليوغسلافي السابق والترسانة الضخمة للقوات المسلحة فيه, ومع ذلك فان الرعب الذي دب في اوساطهم كان مثار اهتمام المراقبين واستغرابهم, وقد نقلت صحيفة (يو اس ايه تودي) في عددها الصادر في 31/1/1999 عن احد الصرب المقيمين بكوسوفو قوله: اننا لا نتحدث عن وضع ومستقبل كوسوفو, وانما نتحدث عن البقاء, مجرد البقاء في ذلك الاقليم. في هذا الصربي تعبير عن اجواء الفزع السائدة في كوسوفو, وهي اجواء, بلا شك بائسة, اوجدها الصرب انفسهم, وكانت شرارتها الاولى قد انطلقت عندما دشن ميلوسيفيتش في عام 1989 من كوسوفو مسيرته الدموية, واعلن انه حامي صربيا الحديثة, والغى اعترافه بالوضعية الخاصة للالبان المسلمين في الاقليم وكافة حقوقهم الدينية والثقافية التي كانت ممنوحة لهم في ظل الاتحاد اليوغسلافي. كوسوفو اليوم تنتظر الخلاص من محنتها, ويتطلع اهلها إلى الاستقرار الذي اذهبه فئات لا تربطهم بالانسانية اية صلة, بل وتستنكر افعالهم كل قيمة انسانية راشدة. مدير جامعة زايد بالانابة