من سنوات ذاعت أغنية غريبة تقول ان العالم الذي نعيش فيه هو بمثابة قطار انطلق بسرعة مخيفة في نفق مظلم, ثم تقول: (انزلوني من هذا القطار) , ولعل هذا التشبيه, يعكس احدى السمات الرئيسية التي تذكر عادة على أنها من سمات المرحلة التي نعيشها , وهي الخاصة بسرعة التغير, والتي يعبر عنها بطرق مختلفة عند الحديث عن تسارع وتيرة التغير وايقاع العصر, أو تزايد معدلات التطور التكنولوجي, أو الوصول المبكر للمستقبل, وفي هذا السياق, كتبت في منتصف الثمانينات, سلسلة من المقالات تحت عنوان (حتى لا يفاجئنا المستقبل) . فما هو معنى ذلك؟ وما هي تداعياته وآثاره؟ ان معناه, اننا نعيش فترة استثنائية في التاريخ البشري, تتسم بسرعة التغير في مجالات الحياة المختلفة, وان ما تعودنا عليه, واعتبرناه من (المسلمات) و (الحقائق) ينهار أو على الأقل تتغير أهميته وتقل جدواه. في السياسة, فإن انهيار الاتحاد السوفييتي والتغيرات التي شهدتها دول شرق أوروبا, وانتهاء الحرب الباردة, اعاد تشكيل النظام الدولي, وفي الاقتصاد, فإن علاقات القوة الاقتصادية, بما تشمله من تحالفات وتنافسات, وكذا من ارتباط للمصالح وتداخل لها واعادة تقسيم للعمل الدولي, تعيد رسم خريطة العالم الاقتصادية وكل هذا يحدث في اطار مزيد من الاتجاه نحو الكونية والعالمية, وفي ظل تطور خطير في المجالات العلمية والتكنولوجية ويقدر بعض الباحثين, ان اجمالي المعرفة العلمية في عدد من المجالات والتخصصات, يتجدد بأكمله عبر فترة تتراوح بين 8ــ 15 سنة, وينعكس ذلك على سرعة التغير في المبتكرات التكنولوجية التي نتعامل معها كل يوم. وأريد أن أركز على تأثيرات هذا الوضع العالمي على الانسان وسلوكه وعلاقته بالمجتمع من ثلاثة جوانب: الجانب الأول, يتصل بأهمية القدرة على التكيف, فاحدى المهارات والقدرات الرئيسية للأفراد والمؤسسات والنظم الاجتماعية اليوم, هي القدرة على التعامل مع تلك المستجدات, وتطوير امكانية الاستفادة منها, ذلك ان البيئة التي تعيش فيها الدول والنظم تتغير, مما يفرض ضرورة فهم هذه التغيرات فهما عميقا, واستيعاب تأثيراتها بما يقلل من امكانيات التعرض للخطر والتهديد, ويعظم من فرص الاستفادة والنفع, بعبارة أخرى, فإن الإنسان القادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين هو ذلك الذي يتحلى بالقدرة على التكيف والاستفادة من الجديد والتعامل معه, وتقليل اخطاره وشروره, ويترتب على ذلك تغير مفهوم التعليم وأساليبه, حتى يكون هدفه هو تربية النشء على عادات التفكير المستقل, والتعلم الذاتي, والقدرة على حل المشاكل, والابتكار والتجديد, والقدرة على الحوار والتعامل مع الآراء الأخرى والتفاعل معها. والجانب الثاني يتعلق بموضع الحكم والادارة, ولا يقصد بالحكم هنا الناحية السياسية المباشرة, ولكن ادارة الموارد عموما, فكل قيادة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية تقوم بمهمة ادارة الموارد بها, والتي تعني: تحديد الموارد المتاحة, وتعبئتها, وتوظيفها, والعمل على تنميتها باستمرار. وفي تقرير لنادي روما عن مشكلة (الحكم) طرحت قضية العجز المتزايد للمؤسسات القائمة, وذلك لأنها غير مؤهلة للتعامل مع المشاكل والقضايا الجديدة, وأكد التقرير ان مظاهر التوتر والاخفاق التي توجد في بعض المجتمعات, ليس مردها إلى ان هذه المشاكل لا يمكن حلها, وإنما لأن المؤسسات الراهنة لاتملك القدرات اللازمة للتعامل معها. وتنبع عدم قدرة هذه المؤسسات على مواجهة هذه المشكلات من عدة اعتبارات, فقد يرجع ذلك إلى عدم تأهيل العاملين فيها على النحو الذي يسمح لهم بالتعامل مع بيئة متغيرة ومتجددة, وقد يرجع إلى طبيعة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات, مما لا يوجد معه هيئة واضحة للتعامل مع التحديات والقضايا المستجدة, على نحو يجعل من الصعب فهمها بشكل متكامل, ويجعل التعامل معها لا يتم إلا بشكل جزئي ومحدد. وعلى سبيل المثال, فعندما زاد الاهتمام بقضايا البيئة, لم تكن هناك أجهزة مختصة أو خبراء متخصصون في الموضوع, وكان على مختلف الدول ان تسد هذا النقص, وهكذا فإن المطلوب هو النظر في المؤسسات والأجهزة والاجراءات من منظور قدرتها على التعامل مع قضايا المستقبل, واعادة تأهيل العاملين فيها بما يحقق ذلك. والجانب الثالث, انساني بحت, ويتصل بالعلاقة بين الأجيال, الآباء والأبناء والمدرسون والطلاب, غير ذلك, فأحد نتائج فترات التغير السريع هي ازدياد الفجوة بين الأجيال, حيث يكون الجيل الجديد قد تلقى نشأته في بيئة سياسية واجتماعية وثقافية مغايرة تماما عن الجيل السابق, ومن ثم فإن منظومة القيم التي يتحلى بها وأولوياتها تكون مختلفة عن الأجيال السابقة وبصفة عامة, فعندما يكون التغير بطىئا, فإن سمة الاستمرار والتواصل بين الأجيال تكون أكثر وضوحا, وذلك لتقارب البيئة التي أثرت فيهم, ولكن عندما تتغير هذه البيئة بشكل جوهري فإن الصلة بين الأجيال تكون أضعف, ويكون الاختلاف في النظر أكبر, وليس في هذا حكم قيمي على أي من الأجيال فإنه الأفضل أو الأسوأ, ولكنه اقرار بواقع, علينا الاعتراف به, والتعامل معه, بالشكل الذي يصون هوية المجتمع ويحقق استمراره الثقافي, دون الانعزال عن العالم الذي يعيش فيه. وهكذا, فإن التغير الذي أمسك بتلابيب عالمنا المعاصر يعيد تشكيل معالم البيئة التي تحيط بنا, ويفرض علينا متابعته باستمرار وملاحقة آثاره وتداعياته.