في عالم الأشياء والأسمنت والصراخ والماديات الباهتة التي نعايشها مجبرين اليوم, يسرق الزمن منا أجمل ما فينا دون أن ندري في البداية, ولكننا صرنا ندري لماذا هذا الاصرار من قبل الفضائيات العربية , والسينما الأمريكية, وجيوش العولمة على إفقادنا هويتنا وتجذرنا في محيطنا وتفاصيل البيئة التي نعيش فيها. القضية ليست فقط في تفريغنا من محتوانا الانساني ونبضنا الجميل وتعاطينا المتزن مع ما يلفنا ويحيطنا, الأخطر في الأمر هو تفريغ المكان من لونه ومحتواه وطعمه ونكهته الخاصة في نهاية الأمر, والأخطر هو تحويل كل شيء يغرسك في ترابك إلى هلام, وتكوين مفكك بلا معنى, تماما كالأرض التي لا تنبت شجرا ولا تمسك ماءً, ولا تقبض بقوة على الأشجار الصغيرة التي تنمو فيها. ولهذا فان عملا ينقذنا من حالة (التشيؤ) واللهاث التافه, وفقدان الهوية, ويعيد غرسنا في بيئتنا ومحيطنا, وكذلك غرس هذه الأجيال المجني عليها والآتية من رحم الغيب الى غيب لا يعلم إلا الله مدى فجائعه, يعتبر عملا ضروريا وجديرا بالتفكير والسعي لتحقيقه. ويأتي التنقيب في قلب الوطن وتفاصيله المنسية على قائمة الأعمال التي نحتاجها جميعا فقط كي لا ننسى, وكي نتذكر على الدوام مدى الجرم الذي نرتكبه في حق أنفسنا, حين نصدق المزاعم التي تروج بأننا شعوب بلا ماضٍ, وبلا جذور, وبلا تفاصيل غارقة في قلب التميز والخصوصية الانسانية التي لا يعرفها مصدرو الفردية ومروجو العولمة. وعلى الإعلام أن يتولى هذه المهمة بجميع قنواته وأجهزته, أدواته في تحقيق ذلك, حماس شديد للفكرة حتى لا تأتي باهتة أو مشوهة أو مبتورة, خاصة وان التنقيب في تفاصيل الوطن تشمل انسان هذا الوطن الطيب البسيط القابع في كل مكان بانتظار من يقرع بوابات صمته كي تجلجل أفراحه ويتحول إلى ذاكرة عامة تحكي الأمس واليوم, وتخترق حجب الغد بشفافية الصدق والانتماء, كما تشمل القرى البعيدة, والأماكن النائية, ومدن البسطاء وأحيائهم, وقلوب المتجذرين في نسيج الوطن حتى من بين أصحاب البريق والثراء والشهرة, فهؤلاء لا يزالون رغم كل شيء ابناء هذا الوطن ولونه وذاكرته التي تحاول جهات كثيرة أن تفقدهم إياها. التنقيب في قلب الوطن يعني اعادة احياء وتعمير تراثه المحلي, ليس جذبا للسياح فقط ــ وان كانت هذه من ضمن الأهداف ــ ولكن من أجل زيادة الالتحام بنبض الوطن, وتنشيط صورته المخصوصة في قلوب أبنائه, في محاولة ــ مهما كانت صعوبتها ــ لترسيخ شعور الانتماء واستعادة الهوية وسط طوفان من أمم الأرض بكل ثقافاتها. نحن لا نقول بالتراجع للخلف والاتكاء المتبلد على الماضي, ولكننا لا نقول أيضاً بأن نقذف أنفسنا في لجة العولمة والذوبان النهائي بحجة المعاصرة, وتماشيا مع روح العصر وواقع الحال! وأظن أن مجتمعات كثيرة في آسيا تسابق روح العصر, وتماشي العولمة, وتقدم نفسها كمنتجة ومصدرة للتكنولوجيا وثقافة الصناعة, الا انها لم تفقد هويتها ونكهتها التي يمكنك أن تلمحها بمجرد أن تخاطب أول موظف يفتح لك طائرة تنقلك إلى تلك البلاد. نريد أن نقبض على أنفسنا قبل أن تسلمنا العولمة وجيوشها لمقصلة التاريخ التي لا ترحم.