في غمرة التناظر المستعر حول قضية التمويل الخارجي لحركة حقوق الانسان العربية يطرح نشطاء الحركة وجهة نظر تستحق الاهتمام, هم يعتبرون انفسهم جزءا من تيار عالمي يعالج وينشغل بمسألة عالمية , عابرة للحدود والنظم والثقافات والقوميات, ويرون انهم في ذلك ليسوا بدعا من ممارسات تيارات تسهر على اهتمامات لها الطابع نفسه, كالمعنيين بالبيئة او السلام او الصحة او محاربة الامية.. على الصعيد العالمي. وضمن محاجاتهم, يدفع هؤلاء بان حركتهم تعمل تحت سقف انظمة وأطر ومبادىء انتجتها البشرية جمعاء, كالاعلان العالمي لحقوق الانسان والاعلانات والمواثيق اللاحقة التي تفصل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وتلك التي تتعلق بحقوق وقطاعات وشرائح بعينها كالطفل او المرأة او العمال او اللاجئين او المعاقين او ضحايا الكوارث الطبيعية وان هذه الخصائص تبرر عملية التأزر والتعاضد الملحوظ بين القائمين على تطبيق هذه الاطر, بغض النظر عن المناخات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالحركة في الزمان والمكان. بيت القصيد هنا, ان هذا الطرح يتخذ من عالمية خطاب حقوق الانسان من حيث المبادىء والمواثيق, مظلة لشرعية تبادل العون المادي (المالي) والمعنوي بين المؤسسات المعنية بهذا الخطاب على نطاق عالمي ايضا, ويبدو ان هذه الفلسفة مسؤولة عن نشوء العلاقة بين مؤسسات التمويل الخارجي لمجال حقوق الانسان والمؤسسات العربية ذات الصلة. ظاهريا, تصعب مقاومة الاتساق النظري لهذه الفلسفة, بل وهناك سوابق يمكن القياس عليها, فقد عرفنا مطولا عمليات الاعتماد والتلاحم المتبادل بين قوى وحركات متشابهة اوحتى متقاربة الغايات, سواء كانت هذه الحركات تخصها مساع نبيلة او شريرة فيما يتعدى الحدود القومية او الثقافية (بين قوى التحرر او بين القوى الاستعمارية مثلا), ولعل هذه الظاهرة مازالت الى الآن. لكن الواقع العياني يتضمن عناصر قد تجرح هذا الاتساق وتضعه موضع استفهامات تستحق بدورها التأمل, وفيما يتعلق بجانب العون المالي بين حركات حقوق الانسان الخارجية والعربية, يمكن التوقف عند المعطيات التالية: اولا: ان التدفق التمويلي يسير في اتجاه واحد فقط.. من مؤسسات غربية اوروبية وامريكية الى الحركة العربية ونشطائها, وهذا ينقض القول بفكرة التبادلية والمشاركة المتكافئة في جانب لايمكن للحركة العيش بدونه, ويهزم الادعاء بأن الحركة العربية لحقوق الانسان ) تعمل بالكامل) بشكل تطوعي, ويعرض للمساءلة على نحو خاص تلك المؤسسات التي تتلقى العون المالي بهدف الاضطلاع باعمال بحثية تحدد اجندتها جهات التمويل. ثانيا: بالامكان تقبل مبدأ التمويل لوكانت الجهات الممولة تمارس دورها من منطلقات مثالية, منزهة عن الاغراض السياسية في مجرى التفاعلات المضطربة بين الدول التي تنتمي اليها والعالم العربي. بيد ان هذه الجهات, الكثير منها في الحقيقة, على صلة وثيقة بهذه الاغراض, كما اثبتت بعض التحريات والتجارب, ومثل هذا الاستثناء يفسد مدخل عالمية الهدف النبيل كمبرر لعالمية العلاقة التمويلية. ثالثا: هناك ثبات ملحوظ في جهات التمويل يقابله توسع واضح في انتشار مؤسسات الحركة العربية الناشطة في المجال, بما يترتب عليه تزاحم الاخيرة على موارد الاولى ومن ثم هناك فرصة متزايدة لنشوء عمليات انتقاء, يجرى وفقها اختيار تمويل المؤسسات التي تتجاوب وبرامج الممولين ولايعدم الواقع في هذه الحالة جنوح بعض المؤسسات العربية نحو القيام بأنشطة هي اقرب الى العمالة تحت واجهة حقوق الانسان الجذابة. ولعلنا في حقيقة الامر, ومن واقع التعمق فيما هو ابعد من هذه المعطيات, نعثر على المحدد الاصلي للتربص المتنامي ازاء فكرة التمويل الخارجي للمؤسسات الحقوقية العربية قوام هذا المحدد هو عملية التسييس الواضحة لحركة حقوق الانسان. فالغرب, الذي تنتمي اليه جهات التمويل يكيل مقاربة الدول المختلفة لمبادىء حقوق الانسان بمكاييل مصالحة واهوائه السياسية, وبذلك, يتم غض الطرف عن انتهاكات حكومات موالية, فيما يجرى التشهير بانتهاكات حكومات اخرى لاتعمل وفق خياراته. وبسبب هذا المناخ, وتبعية الممولين للغرب كما اشرنا, فمن الطبيعي ان يتأبط البعض شرا من جهات التمويل, هذا مع العلم بأن مؤسسات التمويل تجهد في بيان عدم ارتباطها بحكومات بلادها وبراءتها من بعض ممارسات هذه الحكومات, لكن هذه المزاعم غالبا مما لا تكفي لدحض الرؤية السلبية لدور الغرب عموما, بما في ذلك دور مؤسساته التمويلية بمجال حقوق الانسان. ونفهم من ذلك, ان تقييم انشطة حركة حقوق الانسان لايتم بمعزل عن المناخ السلبي العام للعلاقات الغربية العربية, وهذه عملية ممتدة قد تستمر لافق زمني لايسهل تحديده. علاوة على هذه المعطيات التي تنال من فكرة عالمية التساند بين دعاة حقوق الانسان ومؤسساتهم, فان هناك ما ينفي صحة هذه الفكرة ابتداء فرغم مايشاع عن القبول الدولي بمواثيق حقوق الانسان, الا ان دولا بعينها ومنها دول عربية, ترفض الاعتراف بعالمية هذه المواثيق, ويغرى هذا الموقف الى الاعتقاد بأن الغرب هو الذي صاغ هذه المواثيق وفق ثقافته وافكاره الخاصة, بلا مراعاة للتطورات التاريخية والثقافية المغايرة في عوالم الآخرين. هذا التمايز السلبي ازاء مواثيق حقوق الانسان, ولاسيما تهمة او شبهة نشوئها عن الغرب وثقافته, يؤثر بلا ريب على مقاربة فكرة عالمية التواصل بين دعاة العمل لتطبيق هذه المواثيق, فطالما ان الغرب هو مصدر التقييم المنفرد لاوضاع حقوق الانسان, فان جهات التمويل الغربية موصوفة بانها تسعى لفرض مقاييس الغرب ورؤاه, وبتمويل المؤسسات التي تتعاطى المقاييس نفسها, واستبعاد القوى الداعية الى مقاربة هذه الاوضاع من منطلق ما تصفه بالخصوصية الثقافية. ان حركة حقوق الانسان, شأنها شأن اية حركات انسانية نبيلة القصد, عرضة لأن يحاول البعض امتطائها لتحقيق اهداف خاصة, ومحاولة نبذ ما يعلق بها من شوائب لاينبغي اطلاقا ان يفضي الى محاولة استئصالها من الارض, انها حقل يحتاج الى الرعاية المستمرة لتنقيته من النباتات الضارة, ولان من يدفع ويمول يصبح مظنة ان يوجه ويتحكم, فان اول مقتضيات تنقية الحقل في الرحاب العربية, هي بذل جهد حقيقي لتنمية موارد ذاتية, والعمل في حدود هذه الموارد, ولاشك ان في القيم الثقافية العربية, ما يمكنه التحفيز على هذا الاتجاه. والاعتبار هنا, ان هذه الحركة تسهر على عمل صالح وتؤدي خدمة جليلة للمجتمع, ما يقنع الرأي العام بمساندتها. وبالطبع لن يؤتي هذا الاستقلال المالي للحركة أكله في وقت قصير, لان ثقافة حقوق الانسان مازالت في رحابنا تفتقد الاستجلاء ونفض ماعلاها من غبار عبر الحقب, وبخلاف الاستقلال والخلاص من تهمة التبعية, سيكون من فضائل الاعتماد على الذات, هروب العناصر غير الجادة من حوزة الحركة, تلك التي تسلقت خطاب حقوق الانسان النبيل من اجل التكسب الذاتي لا اكثر. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة