من جديد اثبتت اسرائيل بلجوئها الى تقريب موعد الانتخابات بأنها وحدها صاحبة القرار بشأن تحديد مسارات عملية التسوية وان من الصعب اصدار حكم نهائي على عملية التسوية بالقياس الى تجربة السنوات الماضية رغم كل الصعوبات والتعقيدات التي صاحبتها فعملية صراعية لها قرن من الزمان وتحيط بها عوامل دولية واقليمية وابعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لايمكن اختزالها بعدد قليل من السنين او بمجموعة من الاتفاقيات. اتفاق اوسلو نموذج بداية ومن الناحية الاستراتيجية يمكن التأكيد مثلا على ان اتفاق (اوسلو) الموقع بين الفلسطينيين والاسرائيليين في واشنطن (13/9/1993) دشن مرحلة جديدة من الصراع العربي ــ الاسرائيلي فبنتيجة هذا الاتفاق دخلت العلاقات الاسرائيلية ـ الفلسطينية مرحلة جديدة اتخذ فيها الطابع الصراعي بين الطرفين اشكالا جديدة بمنأى عن الاشكال العنيفة حيث باتت المفاوضات واشكال العمل السياسي والدبلوماسي والشعبي هي الشكل السائد للحركة الوطنية الفلسطينية. . وبنتيجة هذا الاتفاق اعترف كل طرف بشرعية الآخر, وحصل انكسار سياسي وثقافي ونفسي لدى كل منهما , فالفلسطينيون قبلوا بمبدأ دولتين لشعبين, متنازلين عن حقوقهم التاريخية في جزء كبير من وطنهم وارضهم بسبب عجزهم عن تغيير الواقع وبسبب المعطيات المحيطة بعدوهم. والاسرائيليون من جهتهم اضطروا للاعتراف بالشعب الفلسطيني بعد ان تيقنوا عدم مقدرتهم على تغييب هذا الشعب وتصفية قضيته, وبنتيجة رؤيتهم لضرورة ايجاد سبل تتيح لهم تجاوز العناصر الحادة للقضية الفلسطينية كضرورة لتعزيز استقرارهم وشرعيتهم وتطورهم في المنطقة. وعلى الصعيد العربي اتاحت عمليت التسوية خاصة بعد توقيع اتفاق اوسلو عملية تطبيع العلاقات العربية ـ الاسرائيلية واقامة علاقات ثنائية وعلاقات تعاون اقليمي عربي ـ اسرائيلي برغم كل العثرات والمشكلات المحيطة بهذا الموضوع. في البعد الاجرائي لعملية التسوية وبعد انقضاء اكثر من خمس سنوات على توقيع اتفاق اوسلو لم تنسحب اسرائيل سوى من اجزاء ضئيلة من الاراضي الفلسطينية وهو انسحاب لاخلاف عليه بين مجمل التيارات الاسرائيلية لانه يجنب اسرائيل التبعات السياسية والامنية والاخلاقية الناجمة عن السيطرة المباشرة على المدن الفلسطينية وكان من المفترض ان تعيد اسرائيل انتشارها في معظم الاراضي الفلسطينية في نهاية اغسطس الماضي وبعد اتفاق واي بلانتيشن كان من المفترض ان تكون اسرائيل قد انسحبت في فبراير من هذا العام من 40% من اراضي الضفة الفلسطينية (بشكل كامل وجزئى) ولكن هذا لم يتم بسبب الخلافات الاسرائيلية حول عملية التسوية وبالتالي بسبب تقريب موعد الانتخابات الاسرائىلية ولم يقتصر التملص الاسرائيلي على قضية اعادة الانتشار فهو شمل قضايا اساسية وفرعية اخرى مثل عودة النازحين الى اراضيهم وبيوتهم, فتح ممر بين الضفة والقطاع, تسهيل الحركة على المعابر, الموافقة على تشغيل المطار والميناء في غزة, الافراج عن المعتقلين. الواضح ان اسرائيل خلال حكومة بنيامين نتانياهو لم تكتف فقط بتجميد تنفيذ الاتفاقيات مع الفلسطينيين وانما عملت في اطار مراجعتها للاتفاقات على قضم المكتسبات التي جرى تحقيقها وعملت ايضا على فرض وقائع جديدة تتناقض مع التعهدات التي اخذتها على نفسها فقامت بتوسيع وتكثيف الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة وخاصة في القدس وصادرت مساحات واسعة من الاراضي وشقت طرقا التفافية قطعت اوصال الضفة الغربية كماقامت بهدم البيوت بدعوى المخالفات وعمدت مرارا الى التضييق الاقتصادي على الفلسطينيين وهي في كل هذه السياسات حاولت فرض الاتفاق الانتقالي على انه حل نهائي مع الفلسطينيين والنتيجة اننا الان امام مشهد التنازع على الانسحاب من بعض الاراضي المحتلة في الضفة والقطاع في الوقت الذي كان من المفترض فيه ان السلطة الفلسطينية فرضت سيادتها على القسم الاكبر من هذه الاراضي وفي الوقت الذي كان من المفترض فيه ان تكون مفاوضات الحل النهائي قد قطعت اشواطا كبيرة الى الامام. تناقضات عملية التسوية بالمحصلة نحن الان أمام استعصاء كبير في عملية التسوية في جوانبها الإجرائية, وهي استعصاءات كبيرة وأساسية, يمكن أن تهدد في حال استمرارها بتقويض عملية التسوية من أساسها. وفي الحقيقة فإن مجمل هذه الوقائع هي تحصيل طبيعي للأوضاع التي أنتجت اتفاق أوسلو, الذي تم فرضه على الأطراف المعنيين بدفع من المتغيرات الدولية والإقليمية, وبضغط من الولايات المتحدة الأمريكية, ومن الطبيعي أن يأتي هذا الاتفاق أكثر ملاءمة للاعتبارات الإسرائيلية, نظرا لمكانة إسرائيل في المنطقة وعلاقتها الخاصة بأمريكا, وبسبب ضعف السياسة العربية (خاصة على خلفية حرب الخليج الثانية), وبحكم ضيق الخيارات أمام الفلسطينيين في هذه الظروف الانتقالية الصعبة. بالمحصلة فقد عكس الاتفاق اللحظة الدولية والعربية, وموازين القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين, ولهذا ولد الاتفاق منذ البداية وهو يحمل معه تناقضاته, واشكالياته. المشكلة الأساسية هنا هي أن عملية التسوية التي انتجت هذا الاتفاق, لم تحدث بنتيجة حصول توازن في القوى بين الفلسطينيين والعرب عموما, وبين الإسرائيليين من الجهة المقابلة, ولم تحدث بنتيجة تخلي العدو عن طبيعته أو احتلاله أو دوره في المنطقة, وإنما حدثت بدفع من بعض التغيرات الدولية والإقليمية, ولبعض الاعتبارات الإسرائيلية, كما أنها نشأت بفعل صمود الفلسطينيين في أرضهم واستمرار نضالهم من أجل تحقيق أهدافهم الوطنية. ومن جهته لم يكن الطرف الإسرائيلي ناضجا لعملية تسوية تاريخية تتضمن عناصر حل عادل ومتوازن للقضية الفلسطينية, وقد انقسمت إسرائيل على نفسها جراء هذه العملية, وفي حينه تمكنت حكومة حزب العمل من تمرير الاتفاق مع الفلسطينيين في الكنيست بأقلية ضئيلة, ولم يستطع هذا الحزب تجاوز الخطوط الحمراء في هذه التسوية, والتي تتطلب إجماعا إسرائيليا وعليه فقد سعى إلى تأجيل العديد من التعهدات, بسبب عدم استطاعته تحمل تبعاتها السياسية في المجتمع الاسرائيلي وبسبب وعيه لأهمية الحفاظ على استقرار إسرائيل, وأيضا بسبب عدم حسمه الكامل لعملية التسوية, وفي حينه رأي هذا الحزب أن الضرورة تفترض مواكبة المتغيرات الدولية والإقليمية, التي رأى فيها فرصة سانحة لتحقيق سياسة تتماشى ومصالح إسرائيل المستقبلية, بما يتيح لها التخلص من العبء السياسي والديمجرافي والأخلاقي والأمني الناجم عن السيطرة على الفلسطينيين, وبنفس الوقت الاستفادة من عوائد التسوية في النواحي: السياسية والاقتصادية الاستراتيجية الشرق أوسطية, وتعزيز مكانتها الاستراتيجية في السياسة الأمريكية بما يضمن أمنها وتفوقها النوعي في مختلف المجالات. على هذا الأساس فقد دخلت إسرائيل عملية التسوية وهي مأزومة, ودخلتها لمصالحها وأولوياتها, وبحسب رؤية أحد تياراتها, ومن دون أن تتخلى عن طبيعتها كدولة استيطانية عنصرية يهودية, ولا عن دورها السياسي ــ الوظيفي في المنطقة, وليس قناعة منها بضرورة إنصاف الفلسطينيين أو رغبة منها في التحول الى دولة عادية تطبع علاقاتها مع محيطها العربي, وتلك هي أهم عناصر الأمة المحيطة بعملية التسوية. خلاصة القول فإن المراجعة, ولو المحدودة والاضطرارية للفكر التقليدي الصهيوني ــ الاسرائيلي, ليست مجرد تعبير عن ازمة في المجتمع والفكر السياسي الاسرائيليين, وإنما هو أيضا تعبير عن إخفاق لبعض المرتكزات الأساسية للمشروع الصهيوني, ومن الناحية المقابلة هو ثمرة لنضال الفلسطينيين الطويل والعنيد والمرير, ينبغي العمل على رعايتها وتنميتها. أي أن جزءا مما يجري جاء نتيجة لعملية نضالية من جانب الفلسطينيين, وإخفاقا من جانب إسرائيل, وإلا لاختلف شكل الحل, ولما تضمن أي بعد فلسطيني, ورغم ذلك فإن توظيفات هذا الحل من وجهة النظر الإسرائيلية تفترض امتصاص هذا النجاح وإفراغه من مضمونه. وهنا تبرز مهمة البناء على هذا الوضع وتطويره لتفويت الاستهدافات الإسرائيلية, وبالأخص البناء على واقع الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقه في إقامة كيانه الوطني, والعمل في سبيل فك اعتماديته على إسرائيل, وتطوره الى دولة مستقلة مرتبطة بالإطار العربي, باعتبار هذه القضية مسألة ملحة ومشروعة وصراعية. خلاصات واستنتاجات على الصعيد الفلسطيني, يعتبر اتفاق (أوسلو) نصيب الساحة الفلسطينية من المتغيرات والتراجعات التي حدثت على الصعيدين الدولي والعربي, وفي إطاره الفلسطيني فإن اتفاق أوسلو يستهدف صوغ علاقات فلسطينية ــ إسرائيلية جديدة, بعيداً عن الاحتكاك والاحتلال العسكري المباشر. وهو عملية مساومة عمدت اليها القيادة الفلسطينية للتخلص من الأزمة التي كانت تحيط بها, ولتعويم نفسها في إطار التحولات الدولية والإقليمية, ولتأمين دخولها في المعادلة السياسية الإقليمية وتأمين مقعد فلسطيني في إطار الترتيبات الجارية لبناء خارطة جديدة للمنطقة من وجهة نظرها وبحسب مصالحها. وبدورها فقد أحدثت عملية التسوية, التي جرت على خلفية المتغيرات الدولية والإقليمية, انقلابا في حركة التحرير الفلسطينية, فقد أدت هذه العملية الى انتهاء مرحلة من مراحل العمل الوطني الفلسطيني بكل مالها وما عليها, فقد تحول قسم هام ورئيسي فيها الى سلطة في كيان سياسي, من دون إنجاز مهمات مرحلة التحرير الوطني, على الأقل في إطارها المرحلي, المتلخصة بأهداف: العودة, وتقرير المصير, وإقامة الدولة الفلسطينية, وهذا الوضع هو أحد مصادر الأمة الفلسطينية الراهنة. كما أن مجمل التغيرات والتعقيدات والتطورات الحاصلة دوليا وإقليميا, عكست نفسها بشكل مباشر في حقل الصراع العربي ــ الإسرائيلي, وبالأخص بما يتعلق منها بالتحولات الحاصلة في الساحة الفلسطينية, لجهة تغير أشكال النضال, على ضوء المحددات والقيود الموضوعة على العمل الفلسطيني, والعلاقة بين البعدين: العربي والفلسطيني, وكيفية تفسير التطورات والتغيرات السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية في اسرائيل ذاتها وتحديد سبل التعاطي معها, ولجهة إيجاد معادلات تكفل حل التناقضات الناشئة في الساحة الفلسطينية, مثل: التناقض في الأولويات بين مشروع ومهمات البناء الاجتماعي والاستقلال للكيان الفلسطيني الناشىء في الضفة والقطاع, وبين مشروع استمرار مسار التحرير الوطني, التي تهم الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. من الأساس فإن أزمة عملية التسوية هي جزء من الأزمة البنيوية للعمل الفلسطيني, التي تتمثل بأنه يواجه عدوا ينتمي للغرب, بمعنى أنه ثمة فجوة حضارية بيننا وبينه على مختلف الصعد. من ناحية ثانية فإن أزمة العمل الفلسطيني تتمثل بأنه يواجه عدوا يتفوق تفوقا استراتيجيا عليه, وقد تم صوغه بحيث يتمكن من مواجهة الوضع العربي بكامله, وليس على قياس الشعب الفلسطيني فقط, ليس هذا فحسب, بل إن هذا العدو يتمتع بقيمة إضافية من الغرب الذي يضمن أمنه الاستراتيجي وتفوقه في مختلف المجالات: السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية. أما الناحية الثالثة التي تشكل جزءا من الأزمة البنيوية للعمل الفلسطيني فهي تنبع من طبيعة صراعه مع عدو استيطاني ــ إحلالي ــ إجلائي وقد نجم عن ذلك تشرد الشعب الفلسطيني وتقويض وحدته المجتمعية, وخضوعه لظروف وشروط متفاوتة, انعكست على شكل شركته الوطنية وقدراتها, هذا فضلا عن أن الصراع ليس صراعا تقليديا مع جيش محتل وإنما هو مع مجتمع بات على درجة كبيرة وخطيرة من التطور تفترض وعي الخصوصيات والتطورات الناشئة وابتداع أشكال عمل وحلول جديدة. السؤال المتعلق بعملية التسوية, وباتفاق أوسلو, ليس سؤالا فلسطينيا فحسب, مع أهمية البعد الفلسطيني, وإنما هو سؤال عربي بامتياز, وهو لا يتعلق فقط بالموقف السياسي وإنما هو يتعلق بالاستعدادات والاستحقاقات التي تواجه العرب على مختلف الأصعدة: السياسية والمجتمعية والاقتصادية والثقافية, وبما يفعله العرب لتعزيز أوضاعهم ومكانتهم وعناصر قوتهم لمواجهة هذه الاستحقاقات, وليس فقط انتظارا لنتائج الانتخابات الإسرائيلية!.