ساسة الغرب والإعلام الغربي, ساسة الغرب وحدهم يملكون تحريك قطع الشطرنج, والإعلام الغربي وحده يملك الحديث عن حروب مجهولة تنتقل من مكان إلا آخر طبقا لحركة قطع الشطرنج التي يحركها الساسة الغربيون, بينما باقي شعوب الكرة الأرضية قطع هذا الشطرنج ومتفرجوه أيضاً , إنها تناقضات الواقع اليومي المعاش لسياسة نظام عالمي منذ بداية القرن, وتم تعديله بعد سقوط جدار برلين, من أمريكا اللاتينية إلى الدويلات الأفريقية (الحرة) إلى مستعمرات جنوب شرق آسيا القديمة مرورا ببلاد العرب من فلسطين إلى العراق, كل هذه البلاد تعتبر الملعب الرئيسي لساسة أوروبا الغربية وإعلامها. لا فارق بين دور وآخر, الجميع مهمومون بتلك البلاد, وفي الوقت نفسه مغموسون فيها, ولا يعرف أحد إن كان السياسي يمهد الطريق للإعلامي, أم ان الإعلامي يلعب دور المصفق للسياسيين, لذلك لا أحد على استعداد للحديث بوضوح عن الحقائق التي يخفيها دخان الحرائق التي اصبحت طبقا يوميا يضاف إلى مائدة رجل الشارع في الشرق والغرب, أو تقف خلف مشاهد الاطفال الذين يحملون الاسلحة الاوروبية والامريكية وينشرون الرعب والموت في الشوارع. اخر تلك المشاهد تأتينا من سيراليون أو (جبال الاسد) , عاصمتها (فريتاون) أو (المدينة الحرة) كانت البداية لكنها لم تكن نهاية عذاب العبيد الذين سكنوها بعد انهاء عبوديتهم في الولايات المتحدة وبريطانيا بقرار سياسي اعلامي غربي, فالذين قاسوا جميع انواع العبودية في المزارع الامريكية تم اعادتهم إلى بلاد لم يقطنوها واستخدموهم في الحرية كما في العبودية لتطهير الذاكرة التي اختطفتهم من مواطنهم الاصلية, لكن في الحقيقة ان العودة لم تكن سوى تخلصا منهم بعد ان اصبحوا عبئا على الذين استعبدوهم طوال قرون, وحلم الحرية لم يكن سوى خطوة لاعدادهم لزمن جديد من العبودية. ليبيريا أو سيراليون أو اي اسم اخر في تلك المنطقة ليس سوى وهم صنعه الغرب استعدادا لعمل اخر من العبودية لمن تم انهاء عبوديتهم, تلك البلاد غنية بثرواتها الطبيعية من ماس وذهب أو اليورانيوم, الذي تحتاجه تلك الدول المتقدمة في صناعة (اسلحة الدمار الشامل) , وللحصول على هذه الثروات وبثمن رخيص لابد من عبيد جدد لا يكلفون كثيرا, وبما ان زمن العبودية انتهى باعلان حقوق الانسان, كان لابد من خلق عبودية مستترة, فكانت دولة العبيد تحت اسم (ليبيريا) أو عاصمة العبيد في سيراليون تحت اسم (المدينة الحرة) فريتاون, ليس مهما ما يحدث في الدولة الحرة أو المدينة الحرة, بل المهم ان يتباهى الغرب بزعامة الولايات المتحدة بتلك الاسماء كشعارات, لا كواقع. وهكذا بحكمة السياسة الغربية تحولت العديد من شعوب الدول الافريقية الى عبيد تسكن مدنا تحمل شعارات الحرية, او فقراء يجمعون الماس, لكن لا من يسكن مدن الحرية حرا, ولا من يجمع الماس ثريا, بل العكس تماما. سيراليون دولة فقيرة تنتج ماسا بقيمة 330 مليون دولار سنويا, لكن هذا الانتاج ما يتم تسويقه منه بشكل شرعي لا يزيد على 10 في المائة, والباقي يتم تسويقه بشكل غير شرعي ما بين لصوص من المسؤولين السياسيين والحاليين, او مافيات التهريب, او المليشيات الاجنبية المسلحة التي تعمل لدى من يدفع لها الثمن الاعلى, وتقوم بتهريب حصيلتها من ثمن جرائم القتل الى الخارج, اي ان الشعب الذي يجمع الماس عليه ان يموت جوعا بينما ثروته تتزين بها حسناوات اوروبا والولايات المتحدة في الليالي الملاح. حتى يمكن الوصول الى الماس واخراجه من البلاد لابد من اغراقها في نزاعات داخلية وخارجية ان امكن, وبذلك يمكن لمافيات السلاح ان تحصل على الماس مقابل سلاح يتقاتل به اصحاب الماس فيموتون دون ان يروا منه سوى بريقه وايضا يمكن لمافيات السياسة ان تحصل على نصيبها في السلطة باعتبارها صاحبة الكلمة والحاملة اختام الوطن وتدخل بعدها باقي المافيات: القتلة المأجورون لتدريب اطفال البلاد وإعدادهم للموت يحصلون على نصيبهم ايضا. هذه الحرب التي نرى مشاهدها اليوم على شاشات التلفزيون بفضل نقلها عبر الشبكات الغربية, لا نرى منها سوى جانبها القمىء, الجانب الذي يؤكد لنا أن تلك الحروب تخوضها مجموعة من المجانين المتخلفين, وضحاياها منهم أيضا, لكن لا يكشف لنا ناقلها إلينا من يقفون خلف اندلاعها أو تغذيتها, على المشاهد فقد ان يتنبأ بذلك من خلال تفحصه لأنواع الأسلحة وماركاتها العالمية المعروفة. في النهاية هذه الحرب التي تجري في سيراليون ليست سوى صراع على السلطة والماس, المتقاتلون يتصارعون فيما بينهم للحصول على السلطة, وليتمكن من قتل أحدهما الآخر بتسليم الماس لمن يقوم على تسليحهم, انها لعبة الرجل الأبيض المعادة منذ زمن الاستعمار القديم. حرب سيراليون لم تبدأ أمس, بل ان آخر فصولها الذي نراه اليوم بدأ قبل ثماني سنوات, بانقلاب ثم انقلاب مضاد, الانقلاب قاده متمردون يرغبون في السلطة ومسلحون بأسلحة غربية, والانقلاب المضاد مدعوم بقوات أفريقية تسيطر عليها نيجيريا التي لا تخفي أطماعها في ثروات سيراليون الطبيعية, لكن تبقي قواتها أجنبية عن البلاد, ومسلحة بأسلحة غربية أيضا, لافارق بين هذا الجانب أو ذاك, لذلك فمدينة الحرية (فريتاون) يتناوب عليها هذا الجانب أو ذاك لا لتحريرها من الرعب, بل لزرع مزيد من الرعب بين سكانها. ثماني سنوات من الاقتتال الذي لا منتصر فيه أو مهزوم ترك اكثر من 40 ألف قتيل, وما يزيد على ثلاثة آلاف من الجرحى, و430 ألف لاجيء إلى الدول المجاورة, هذه الأرقام ربما لا تقول كثيراً, لكنها مرعبة لو قسناها بنسبتها الى عدد سكان تلك الدولة الذين لا يزيدون على أربعة ملايين ونصف المليون. لا أحد يتدخل لا باسم النظام العالمي الجديد ولا حتى باسم النظام العالمي القديم, لأن الفلسفة ان يستمر القتال بين الجانبين ليضعف كل منهما الآخر, وحسب آراء بعض المحللين السياسيين, وأنه لا خوف من انتقال شرار الصراع الى غابات افريقية أخرى, لأن شعب سيراليون خليط عجيب من أحفاد العبيد القادمين من الولايات المتحدة وبريطانيا, كما أشرنا من قبل, وخبراء الغرب يؤكدون أن أي سلام لن يكون له وجود الا اذا ضعف الجانبان. لكن السؤال الذي لايجد اجابة: هل بالفعل يمكن ان تنتهي تلك المجزرة بإضعاف الجانبين؟ أو حتى إضعاف جانب لحساب آخر؟ إنه أمر مشكوك فيه, لأن الماس لا يزال هناك, والأطماع في الاستيلاء عليه لا تزال قائمة أيضا, ومن لا يطمع في الماس مباشرة لن يقف مكتوف الأيدي, لأن ذلك الوضع في النهاية يخدم أغراضا عدة, انه الوضع المثالي لترك الباب مفتوحا أمام عودة استعمارية جديدة, إن لم يكن الماس مطمعها, يمكن ان يكون أي شيء آخر, فتلك القارة لا تزال بكرا رغم قسوة ما واجهت من أطماع حتى الآن. كاتب مصري مقيم في اسبانيا