في حوار جرى مع افتتاح معرض القاهرة للكتاب, تحدث الرئيس المصري حسني مبارك عن عدة قضايا, لكن ما يستلفت النظر هو توقفه امام قضية جوهرية تحكم سياسة مصر منذ عقود وحتى الآن . فقد أشار الرئيس مبارك ــ خروجا على هدوئه المعتاد ــ الى تربص قوى كبرى خارجية بمصر وتحركها للمقاومة كلما امتلكت مصر مشروعا للنهضة. واشار مبارك الى معركة بناء السد العالي وكيف تعرضت مصر بسببه لمناورات وضغوط من الخارج وانتقادات من الداخل, حقيقي ولكن مصر صممت وقاتلت حتى بنت السد. وأشار الرئيس مبارك الى أن هناك قوى لا يسعدها أن تتقدم مصر. والقصة أقدم من السد العالي, وقد تكررت حتى اصبحت قانونا يحكم العلاقات في المنطقة يقوم على أن أي مشروع للنهضة في مصر لابد أن يصطدم بمصالح قوى خارجية تسعى للسيطرة على المنطقة وتريد مصر الخاضعة الضعيفة أو على أقل تقدير المنكفئة على مشاكلها الداخلية... بلا دور ولا رسالة ولا قضية قومية. فهذه القوة تدرك أن أي مشروع للنهضة في مصر ينطوي على مخاطر للمصالح الاجنبية... ليس فقط لأن قوة مصر تقف أمام هذه الاطماع الاجنبية, ولكن أيضا لأن نهضة مصر لا يمكن أن تحقق إلا بتوجه عربي يكسر أطواق العزلة التي تحاول القوى المعادية عليها, لتصبح مصر هي النموذج العربي وهي القاطرة التي تتقدم المسيرة العربية نحو النهوض. ومنذ بدايات القرن الماضي, ومع مشروع النهضة الذي قاده والي مصر وقتئذ محمد علي وابنه ابراهيم, انتفضت قوى الاستعمار الاوروبي وتكاتفت لضرب القوة المصرية وإجهاض الحلم الوليد بدولة عربية قوية وحديثة. وتكرر الامر مع تجربة عبد الناصر. وكان السد العالي هو العنوان البارز في المعركة لأنه جسد الاصرار على إبقاء مصر في دائرة التخلف من جانب قوى الاستعمار, والاصرار على كسر هذا الطوق من جانب ثورة يوليو. ومن أجل السد خاضت مصر حرب السويس بعد تأميمها للقناة, وبعد الرفض الامريكي المهين لتمويل بناء السد. وربط شعب مصر الاحزمة على البطون لسنوات لكي يحقق هذا الانجاز في اصعب الظروف وفي ظل حصار اقتصادي امتد حتى طال الدواء ورغيف الخبز. ورغم المؤمرات والحصار والظروف الصعبة لم يتوقف العمل في السد, حتى والضربات الموجعة تنهال على مصر... من نكسة الانفصال وضرب الوحدة المصرية السورية الى حرب اليمن الى هزيمة 1967. وقد رحل عبد الناصر مع نهاية العمل في السد, ومع ذلك لم تتوقف الحملة على المشروع الذي احتشدت له مصر وضحت من أجله وضربت المثل في الانجاز والتحدي. وفي هذا المجال سمعنا العجب العجاب... فالسد العالي هو المسؤول عن الزلازل حتى لو وقعت في كولومبيا وهو المسؤول عن تأخر الفلاحين والذهاب لعملهم لأنهم يسهرون امام التلفزيون الذي انتشر بسبب الكهرباء والتي جاءت من السد ووصلت الى الريف. إن البعض أفتى بأن الارهاب لم يوجد في صعيد مصر الا بسبب السد العالي الذي وفر الماء لزراعة القصب والذرة حيث يختبىء الارهابيون, ولم يتورع آخرون عن المناداة بهدم السد لأنه تسبب في اختفاء السردين! الآن يقول الرئيس مبارك للبوم الناعق الحقائق التي يحاولون إخفاءها أو التقليل من أهميتها لأنها تعريهم امام الناس. فلولا السد العالي لعانت مصر من الجفاف والمجاعة التي عانت منها افريقيا في الثمانينات, ولولا السد العالي لغرقت مصر من الفيضان في التسعينات. ثم يضيف الرئيس مبارك انه لولا السد العالي ما أمكن تخزين المياه التي تعتمد عليها المشروعات الكبرى الآن وفي مقدمتها مشروع توشكى... وتقول الارقام إن السد يختزن لهذه المشروعات الآن ما يزيد على 11 مليار متر مكعب من المياه كانت ستذهب هباءً, بل وستكون سببا في تدمير المدن والقرى التي يمر بها النيل في سنوات الفيضان الهادر... مثلما كان الحال في العام الماضي. وهم يعرفون جيداً هذه الحقائق, وربما قبل أن نعرفها فلعلنا نذكر كيف جاء الرئيس الامريكي الاسبق الى مصر وذهب الى اسوان ووقف عند السد ثم قال إن سحب أمريكا لعرض تمويل هذا المشروع كان أكبر خطأ ارتكبته السياسة الامريكية (حتى ذلك الوقت بالطبع!) ومع ذلك استمرت الحملة على السد, وكانت في البداية تبدو كجزء من الحملة على عبد الناصر الذي ارتبط اسمه بالسد ومعركته العظيمة. وقد كان من الطبيعي أن يكون التشكيك في السد وسيلة للتشهير بعبد الناصر والنيل منه. وأذكر كيف ذهبت السيدة جيهان السادات ذات يوم في الستعينات لتأمر بإزالة لوحة تحمل صورة عبد الناصر واسمه من على جسم السد لأن رئيسا اجنبيا غير عربي سيزور السد ولا ينبغي أن يرى صورة عبد الناصر لأنه يكرهه, ولما كان الوقت ضيقا, فأنهم لم يزيلوا اللوحة بل وضعوا فوقها لوحة أخرى للسادات! وقد تم تصحيح الاوضاع بعد مجيء الرئيس مبارك وتوقف الدعم الرسمي للحملات على عبد الناصر. ومع ذلك استمر الهجوم على السد العالي ليكشف الوجه الحقيقي والاساسي. فالقضية ليست قضية عبد الناصر وإنما قضية مصر عندما توضع على الطريق الصحيح... فتبني قوتها, وتحرر ارادتها وتقرر استقلالها, وتضع انتماءها العربي فوق كل اعتبار, وتفتح الباب واسعا للطموحات العربية في الوحدة والتقدم والعدل والحرية. لم تكن مصر وهي تبني السد العالي تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل أو تحاول استعداء أحد, ومع ذلك اعتبرتها امريكا خطراً على مصالحها في المنطقة. وتآمرت انجلترا وفرنسا مع اسرائيل في عدوان 56 حتى تمنع مصر من استرداد القناة ومن بناء السد ومن امتلاك القوة التي تحمي بها أرضها وتساعد بها الاشقاء العرب على نيل حريتهم. ولم تكن مصر تسعى لحرب مبكرة مع العدو الصهيوني في ذلك الوقت, ومع ذلك فقد صرخ بن جوريون رئيس وزراء اسرائيل في وجه السياسي البريطاني الكبير (كروسمان) عندما ذهب يطمئنه بأنه اجتمع مع عبد الناصر الذي اكد له أن كل جهوده تتركز على بناء مصر من الداخل وتعويض الملايين التي طال حرمانها في ظل الاستعمار ثم تحت سيطرة باشاوات الاقطاع. يومها صرخ بن جوريون إن هذا أسوأ خبر يمكن سماعه, وان اسرائيل لا تستطيع, والغرب لن يحتمل أن يرى مصر القوية في هذه المنطقة الحيوية. ولذلك فلابد من منع مصر من بناء قوتها الاقتصادية والاجتماعية قبل العسكرية. وان هذا هو الخط الاستراتيجي لإسرائيل, والقوى الكبرى التي تدعم اسرائيل لخدمة اهدافها في المنطقة. والقصة مستمرة منذ محمد علي وحتى ما شاء الله... كلما امتلكت مصر مشروعا للنهضة أو سعت بجدية لامتلاكه, بدأت الحرب عليها بكل الوسائل. فمشروع النهضة في مصر لا يمكن أن يكون إلا عربياً, ولا يمكن أن يكون إلا معادياً للاستغلال البشع للانسان العربي ونهب ثرواته والسيطرة الاجنبية على مقدراته, ولا يمكن أن يكون إلا مشروعا للنهضة العربية الشاملة... ومن هنا فهو الخطر على مصالح القوى الخارجية الساعية للهيمنة على المصير العربي, وهو التحدي الاساسي امام اسرائيل ومن هنا تبدأ الحرب بكل الوسائل... من التشكيك الى العدوان, ومن افتعال الازمات الداخلية الى الحرب. مصر بلا مشروع للنهضة, والمنكفئة على نفسها, البعيدة عن محيطها العربي... هي مصر التي ترحب بها وسائل الاعلام الاجنبية المشبوهة, وتكال قصائد المدح فيها فإذا همت بالنهوض واستردت وجهها العربي وقدراتها على البناء والابداع... ظهر الخطر, وتصاعدت صيحات التحذير, وبدأت المزاعم حول اضطهاد الاقباط, ونشط العمل لزرع الفتنة الطائفية, وتم وضع الاشواك في طريق جهودها للمصالحة العربية, وبدأ التلاعب للتأثير في اقتصادياتها, وبدأ التآمر لحصارها وزرع العقبات أمامها. واللعبة اصبحت مكشوفة, ومصر تعرف أنه قدرها, ولكنها لا تستطيع أن تتوقف عن السعي ليكون لها مشروع للنهضة, ولا تستطيع أن تنكفىء على وجهها أو تنحصر داخل حدودها, ولا تستطيع أن تستقيل من عروبتها وتعرف أن عليها أن تستعد في كل الاحوال للمعارك الشرسة التي ستفرض عليها لمنعها من تحقيق ذلك... فهذا هو القانون الذي تسير عليه قوى الاستغلال العالمي منذ قرون مضت في تعاملها مع مصر. وجزء من المعركة ان تحتفظ مصر بذاكرتها القومية, وأن تستفيد من المعارك التي خاضتها في تاريخها الحديث وهي تحاول اللحاق بالعصر وقهر التخلف وانتزاع حقها الطبيعي في التقدم والاستقلال والحرية والالتحاق بأمتها العربية. ومن هنا يبدو غريباً أن يتم إهمال هذا الجزء الناصع من النضال القومي لمصر. وأن يتم إلغاء الاحتفالات بالنصر في معركة 1956, بل ويعود الحديث عن عودة تمثال الأفاق المحتال (ديلسبس) الى قاعدته التي كان يحتلها في مدخل قناة السويس قبل تأميم القناة. وتشتد الغرابة حين يكون الاحتفال بالسد عملا سريا يقوم به الرجال العظماء الذين شاركوا في بنائه وقاوموا الحملة عليه, ثم أسسوا جماعة تحتفل بالذكرى حين أهملها الجميع في موسم الهجوم على عبد الناصر. وهذه الاوضاع لابد من تغييرها اذا أردنا الاحتفاظ بذاكرة الوطن حية وقوية ومؤثرة, وإذا أردنا أن نقف في وجه حملة التشويه الظالمة ضد كل انجاز تحقق, واذا أردنا أن نعيد الثقة لأجيال جديدة لم تعش إلا الهزائم والنكسات, ولم تعرف طعم الانتصارات العظيمة منذ اكتوبر, ويحاول البعض ترسيخ اليقين عندها بأننا أمة عاجزة لا تحسن إلا الكلام حتى اصبحت ظاهرة صوتية كما يقال. وليس هذا صحيحا بأي حال. وفترات الصعود العربي هي الشاهد والدليل الذي ينبغي أن يظل امام أعيننا ليدلنا على الطريق الصحيح. ان الانتصار في تأميم القناة وحرب السويس لم يكن انتصارا شخصيا لعبد الناصر, وإنما كان انتصار الأمة العربية, وللملايين التي قاتلت, وساندت, وشاركت, وكانت العون والسند وبناء السد لم يكن مجرد مشروع هندسي, بل كان تعبيراً عن ارادة امة اثبتت لنفسها وللعالم في هذه الملحمة ــ أنها قادرة على الصمود, وعلى البناء, وعلى التحدي, وعلى الانتصار. إن أمامنا آخرون يخترعون تاريخا ليحتفلوا به, ويأتون بالخرافات ليقيموا عليها دولة, ولا يكتفون بسرقة الارض... بل يسرقون معها قرونا من الحضارة والانجاز... أو يحاولون ذلك على الاقل. وفي نفس الوقت نهمل نحن تاريخنا لحسابات ضيقة وصغيرة, ونترك أبناءنا يتجرعون كاسات تشويه التاريخ وغسيل المخ التي تحاول أن تثبت في أذهانهم أنهم أمة بلا مستقبل لأنهم أمة عاشت على الاوهام ولا تملك القدرة الحقيقية على الانجاز... فهل نتركهم لهذه الحملات المتوحشة, ونترك انجازاتنا وانتصاراتنا بلا احتفال, وكأننا نخشى أن نستعيد حديث الانتصارات في زمن الرداءة والهبوط؟!