الشبكة او المنظومة العالمية للمعلومات ومايرتبط بها من شبكات الحواسيب والاتصالات الالكترونية ــ الفضائية هي اكبر (ماكينة من نوعها استطاعات الانسانية ان تشيدها وتتولى تسييرها وادارتها عبر تاريخ البشر الطويل نسبيا فوق كوكب الارض في اغسطس الماضي, حرصت على حضور الاجتماع السنوي لجمعية مستقبل العالم بوصفي عضوا قديما في هذه الجمعية التي ندبت نفسها وجهودها, كما يتضح من اسمها, الى الانشغال بمستقبل الكرة الارضية لا لكي تحوز سمعة دولية او تكتسب الصفة العالمية وتلك امور لاغبار عليها في الاساس ولكن لان المنظور العالمي او حتى الكوكبي نسبة الى كوكب الارض هو اصلح الرؤيا التي يمكن ان يطل منها الباحث المستقبلي على قضايا عالمنا المعاصر وهمومه وهي في حد ذاتها قضايا متشابهة وهموم مشتركة وشؤون وشجون باتت باستمرار متعرية الجنسيات وعابرة لحدود الدول واقطار الشعوب واذا كان لنا اعتراضات او فلنقل تحفظات شتى على ظاهرة (العولمة) في حال ترجمتها استسهالا او غفلة او ترصدا على انها (الامركة) فإن العولمة باتت ظاهرة حالة (بتشديد اللام) وشأنا معاشا (بضم الميم) من شؤون حياتنا المعاصرة خاصة ونحن نحث الخطى ـ كما ترى ـ نحو القرن الحادي والعشرين. حول اجتماع شيكاغو ولقد عقدنا اجتماعنا المستقبلي في مدينة شيكاغو حاضرة الغرب الامريكي الاوسط وضم العشرات من الاكاديميين والمفكرين والباحثين في المستقبليات وقد قدموا الى المؤتمر من بلدان شتى من شرق وغرب العالم واختلف المؤتمرون واتفقوا في سياق الندوات والحلقات والحوارات التي دارت فيما بينهم وان كانوا قد انطلقوا من الارضية المبدئية التي تصدر عنها جمعيتهم العتيدة وهي ارضية يلخصها السؤال المطروح دوما بالحاح وهو ــ حسنا ـ وماذا بعد؟ ولانظن اننا بحاجة الى ان نحدثك عن وقائع مؤتمر مسهب من هذا القبيل فقد دام الاجتماع اربعة ايام وتنوعت فعالياته بين العرض والنقد وبين النقاش والتحليل, فضلا عن ان ادبيات جمعية المستقبل مطروحة بدورها ومتاحة للراغبين لكن حسبنا ان نتوقف عند الصورة ــ السيناريو ــ ونتصور اهم الادبيات الصادرة في هذا المجال, وخاصة عن الاستاذ (ادوارد كورنشن) رئيس جمعية مستقبل العالم ورئيس تحرير مجلتها الشهرية الصادرة بعنوان (المستقبلي) وتتعلق هذه الادبيات بموضوع نراه, ويراه حضرات المستقبليين انه بات من الاهمية بمكان لا بالنسبة لاهل امريكا والغرب فحسب رغم انهم يحتفلون به وقد انطلقوا في السير على طريقه ولكنه مهم في رأينا ايضا بالنسبة لاهل العالم الثالث والوطن العربي والاسلامي رغم انهم في مجملهم مازالوا في حالة تهميش علمية وتكنولوجية مما يفرض عليهم مضاعفة الجهود لاذكاء وعيهم بما يدور على الجانب الاخر, المتقدم من العالم, وهو مايجعل حكاية العولمة التي اشرنا اليها بمثابة شراكة قائمة على الاخذ والعطاء وليس شركة امريكية او منظومة متعددة الجنسيات تقدم منتوجاتها الينا في عالمنا الثالث النامي او المتخلف على اساس التسليم الجاهز حيث نتسلم من يدها (المفاتيح) ونسلم في يدها الشيكات ونظل ندور في دوامة التهميش حتى تصدق علينا المقولة التي اطلقوها يوما على عائلة البوربون التي كانت تملك يوما عرش فرنسا بانهم ظلوا رغم زلزال الثورة الفرنسية (دون ان يفهموا شيئا ولا ان يتعلموا شيئا) انفوتك لماذا؟ والموضوع الذي نشير الى اهميته الحيوية يحمل العنوان التالي: (انفوتك) بمعنى تكنولوجيا المعلومات وتلك كلمة جامعة وعبارة شارحة شاملة بدورها حيث تشير الى جوهرية المعلومات باعتبارها محور القوة في الزمن الاتي, فيما تشير ايضا الى تطوير الاساليب العملية والتقنية المستخدمة او المتبعة في تحصيل وتجميع وتكثيف وتقييم ومن ثم استخدام هذه المعلومات وتحويلها من كم الى كيف, ومن بيانات الى تطبيقات منظورة تلبي مختلف اغراض واحتياجات البشر مع سنوات القرن الوشيك وهي بهذا المفهوم ترصد المعلومات من حيث استخدامها التكنولوجيا ولاسيما في مجال الحواسيب الالكترونية المتطورة وايضا من حيث تجميعها وتطويرها واستكمالها المطرد في اطار شبكات متواصلة ومتفاعلة على صعيد كوكب الارض بأكمله. من هنا يمكن ان نتقبل اطروحة المستقبليين التي تقول في بساطة محددة ومباشرة ان الشبكة او المنظومة العالمية للمعلومات, وما يرتبط بها من شبكات الحواسيب والاتصالات الالكترونية ــ الفضائية هي اكبر ماكينة من نوعها استطاعت الانسانية ان تشيدها وتتولى تسييرها وادارتها عبر تاريخ البشر الطويل, نسبيا فوق كوكب الارض وهذه المقولة ليست مجرد استعادة مطولة او مطعمة ببلاغة الصياغات انها تقيس تحديدا على ماكينات البخار التي توصلوا اليها في بريطانيا في اواخر القرن الثامن عشر حيث احسن القوم استقبالها ولكن لم يكن احد وقتها ليحلم بأن تكون هذه الآلات المستخدمة لطاقة حبس البخار بين المراجل والمكابس, هي جواز المرور, لا الى تفجير طاقة متحركة جديدة, بل الى تفجير ثورة تقنيه ومعلوماتيه, ذات ابعاد علمية وسوسيولوجية وثقافية وفنية ومعرفية حملت ــ كما هو معروف ــ اسم الثورة الصناعية او الانقلاب الصناعي الذي جعل أوروبا سيدة العالم موضوعيا على امتداد عقود القرن التاسع عشر. الماكينة الاسطورية بنفس المقياس, يقول المستقبليون, باطمئنان يستمدونه من تطور العلم وعبرة التاريخ, ان الماكينة الاسطورية, العملاقة التي شيدتها الانسانية مع الربع الأخير من قرننا, سوف تدخل الى القرن الجديد, وهي ماكينة المعلومات والاتصالات وكائنات الذكاء الاصطناعي الخارقة القدرة والشديدة الإبهار. انها طاقة ــ بخار القرن الحادي والعشرين, وهى, بنفس المتوالية التاريخية ــ كفيلة باحداث ثورة تحولات كبرى في المجالات المادية واللامادية من حياة النوع البشري ــ تماما كما سبقت الى ذلك ثورة البخار في القرن الماضي, ولكن مع فارق جذري وخطير وهو: ان البشر اكتشفوا طاقة البخار من اجل الحركة بديلا مبهرا عن عضلاتهم وحركة اجسامهم بين مكان ومكان.. ولكن ها هم البشر وقد توصلوا الى طاقة الانفوتك المستخدمة للحواسيب ذات القدرات الواسعة من اجل عمليات التفكير بديلا مذهلا, أو اضافة خارقة الى عقولهم وملكاتهم الذهنية وقدراتهم العقلية. كيف لا.. ونحن ــ البشر ــ نملك اليوم, فما بالك بالغد ــ حواسيب (كمبيوتر) تستطيع ان تؤدي 60 بليون (لاحظ حرف الباء) عملية حسابية في الثانية الواحدة, بل هناك من العلماء الاختصاصيين من يتوقع التوصل الى ماكينات يطلقون على كل منها اسم الجهاز ــ الوحش وهي اجيال كمبيوترية حاسبة ذات قدرة مضاعفة لاجهزة اليوم بمقدار عشرة آلاف مرة فيما يطلقون عليه في الانجليزية مصطلح (بيتافلوب) . وحين يقال العمليات الحسابية, فليس المقصود بداهة الجمع أو الطرح أو القسمة أو الضرب, أو حساب الانحراف المعياري أو الجذر التكعيبي حتى ولو كان ذلك بمعدلات شبه أسطورية, ولكن المقصود ايضا هو حلول المشكلات في مجالات الطب والزراعة والهندسة والبيئة وما اليها بل يتعين كذلك ان تخضع الماكينات ذات الذكاء الاصطناعي اياه الى عملية (تعلم) باتباع طريقة التجربة والخطأ التي تتعلم بها اجناس الحيوان.. ومنها ــ اعزك الله ــ الكائنات البشرية ومن هنا يصبح بمقدور الآلة الذكية وقد استكملت تعليمها أو تعلمها, ان تتصدى للمشكلات وان تقلبها على شتى وجوهها وان تقترح انجح الحلول, وطبعاً دون ان تعتورها عوامل الضعف أو القصور أو الذاتية او التحيزات التي تشوب مسلكية البشر فالماكينة لا تعرف أباها ولا تحب أو تكره في نهاية المطاف. ومن الطبيعي, في ظل هذا التطور المتوقع, ان تفتح الملايين من البيوت أبوابها امام الاجيال الجديدة من الحواسيب وايضا من وسائل الاتصالات المستحدثه وفي مقدمتها بداهة الهواتف الخليوية التي تضاعف عدد المشتركين في خدمتها في امريكا وحدها في السنوات الاربع الأولى من هذا العقد التسعيني بنسبة 600 في المائة بالتمام والكمال. ومن المفارقات التي استرعت اهتمامنا في هذا الصدد, ان الطلب يتزايد بصورة ملفتة على خدمة الهواتف الخليوية (التلفون المحمول كما يسميه المصريون) واين؟.. في أفريقيا, قارة الحروب والجفاف والمسغبة ــ ونظن ان المسألة لا تنبع من مجرد الرغبة في الابهة الكاذبة أو المظهرية الفارغة, وتلك امور ليست بمستغربة اصلا في سلوكيات العالم الثالث, ولكن النظرة الأعمق أو الاشمل قد تفيدنا بان الافارقة يطلبون خدمة المحمول لانهم يفتقرون الى وسائل النقل الفعالة والى خدمات الهواتف السلكية نظرا لسوء أو هشاشة البنى الاساسية في كثير من اقطارهم.. ولكنهم يظلون بحاجة الى شكل اكفأ من اشكال الاتصال لخدمة الحياة اليومية وخاصة حالات الطوارى أو في مؤسسات القطاع الحديث وخاصة القطاع الثالثي وهو الخدمات وما نطلبه من كفاءة وسرعة الاتصال, ولذلك فهم لا يجدون امامهم سوى خدمة المحمول.. والله اعلم. وايا كان التفسير, فالذي نعلمه هو ان شركة خدمات الهواتف الأمريكية تخطط حاليا لبناء نظام لخدمات الاتصال عن طريق كابل يلتف باسم الله ما شاء الله حول قارة افريقيا ويستخدم اسلوب الخيوط الضوئية (اوبتيك) ويهدف الى الربط بين سائر اقطار القارة السوداء بوصلات هاتفية وشبكات اتصالية على مستوى محترم من الكفاءة والفعالية. ضرورة تطوير المعدات ومن الطبيعي ايضا ان يفضى هذا الاتساع في استخدامات وسائل تقنية المعلومات المستحدثة إلى تطوير الاجهزة والمعدات المرتبطة بهذه التقنية كيما توائم احتياجات البشر من حيث الحجم والسعر وسهولة التناول والتعامل وميسورية النقل من مكان إلى مكان, وفي هذا الاطار لن يطل الامر كثيرا, الا ويطرحون في اسواق الاستخدام شرائط تسجيل الفيديو بحجم بطاقة الائتمان الصغيرة المعروفة, وها هي مؤسسة (ان. اي. سي) اليابانية تعلن مؤخرا عن التوصل لانتاج رقاقة أو فيشة (شيب) الكترونية للذاكرة يمكن ان تخزن اكثر من مليار معلومة لدرجة ان يقول البروفيسور المستقبلي الذي المحنا اليه (ادوارد كورنشن) انه قد يأتي على الناس حين ليس بالبعيد من الدهر حيث يحوز الفرد منهم طاقة معلومات تعادل ما تحويه المئات من السوبر ــ حواسيب التي نعرفها اليوم, وسوف يحملها الفرد داخل جيبه الداخلي, أو قد يفضل خياطتها في ثيابه شخصيا. خطورة الفيشة الرقيقة ونظن ان الفيشة أو الرقاقة البالغة الرهافة أو الهشاشة والنحافة, أو هكذا يظن المتصورون, سوف يكون لها شأن, أي شأن, ويكفي ان يتاح زرع واحدة من تلك الفيشات أو الشظيات أو الرقائق العجيبة داخل هذا الموضع أو ذاك من جسم الانسان فاذا بها تصلح سجلا حافلا موثوقا ومفصلا عن المذكور: ارقام بطاقاته ومستنداته الثبوتية وجواز سفره ورخصة قيادته, وحساباته المعلنة وربما السرية المودعة في جزر البهاما على سبيل المثال, وفي مجال الطب سوف تصلح هذه الكائنات من منتوجات تكنولوجيا الاحجام المجهرية الدقيقة, نانو تكنولوجيا واسمها بالتالي هو (نانوماشين) وقد عرضنا لها تفصيلا في مقال سابق لكي يتم زرعها أو تمريرها داخل انسجة واعضاء الجسم البشري لتتولى اصلاح ما افسده المرض في الخلايا أو العضلات أو اجهزة الجسم وكأنها بهذه الادوار هي سفراء الصحة إلى الجسم المريض, اما التكاليف فيتوقع الخبراء ان تميل إلى انخفاض متواصل وخاصة في مجال الخطوط الضوئية, في حين تميل ايضا إلى صغر الحجم وسهولة النقل والحمل, فضلا عن اطراد استخدام كومبينات أو مجمعات الماكينات والاجهزة, ومادامت هذه الاجهزة دقيقة الحجم فلا بأس من مجمع صغير بدوره, ميسور الحمل والنقل ولكنه يشمل اتصالات الهاتف وتسهيلات الكمبيوتر وجهاز التلفاز والاستماع, وكلها ستظل رهن اشارة مستعمليها الذين قد يريدون استدعاء المعلومات رقمية كانت أو مرئية أو مسموعة أو جامعة بين هذه الوسائل المختلفة. تلك هي الناحية المادية من جوانب التطور المتوقع ان يشهده العالم ابتداء من اواخر القرن الحالي وفي حدود حقبة زمنية قد تمتد كما يقول المستقبليون إلى عام 2025 إن شاء الله. فما هي الاثار الاجتماعية والسلوكية, المعنوية المترتبة على هذا البناء التحتي ــ المادي كما قد نسميه؟ بادىء ذي بدء, يقولون ان الاثار الاجتماعية اللامادية ستكون عميقة واسعة النطاق ولكنهم يعتزمون موضوعيا بان التنبؤ بمقدار هذا العمق ومدى اتساع هذا النطاق فضلا عن الآماد التي يصل اليها أو المتغيرات التي ينطوي عليها, هي امور ليس من السهل التنبؤ بها على نحو يبعث علميا على الاطمئنان, ولنأخذ مثلا حيا ومعاشا من التلفزيون. لقد بدأ انتشاره متواضعا ومحدودا وكأنه على استحياء عند دخوله حياة الامريكيين في عام 1946 حيث كان عدد البيوت التي اقتنت جهاز التلفاز ايامها لا يزيد على 8 آلاف منزل وكانت كلها بيوتا في الولايات المتحدة دون غيرها اين هذا الرقم البالغ التواضع من قرينه الذي شهده عام 1994 حين بلغ تعداد اجهزة التلفاز في العالم 886 مليون جهاز, وبالتالي ارتفعت ساعات المشاهدة إلى ارقام فلكية حيث يمضي الفرد الامريكي نحو 4 ساعات من وقت يقظته محدقا في شاشة التلفاز, نحو نصف ساعات العمل وضعف ساعات المواصلات واكثر من نصف الوقت المخصص للنوم, ومع انك وباستثناء اجتذاب اهتمامات الناس عن سائر الانشطة الاخرى, لم يظهر حتى الان ما يؤكد نظريا وتجريبيا ان التلفاز قد ترك تأثيرات جذرية على سلوك البشر وادى من ثم إلى تحولات اساسية في هذه السلوكيات أو المواقف أو الافكار, على نحو ما فعل البخار, مثلا في اطار الثورة الصناعية التي شهدها القرن الماضي. العولمة والمحلية من ناحية اخرى, ثمة منتوجات من ثمار التكنولوجيا المستحدثة في زماننا اكدت تأثيراتها الجذرية على مسارات الاحداث بل ومصائر الشعوب: تأمل مثلا ما يشير اليه الدارسون في هذا المجال من تأثير شريط الكاسيت على قيام الثورة في ايران ومساهمة الحواسيب الالكترونية والرسائل الاذاعية في التعجيل بانهيار الاتحاد السوفييتي وكذلك فعالية اجهزة الفاكس في التواصل بين جماعات الرفض أو التمرد أو المقاومة او المعارضة ومن ابرزها الجماعات التي نظمت احداث ميدان تيانامين في قلب العاصمة الصينية بيجين عام 9891. بقى السؤال الجوهري مطروحا: ما هو مستقبل العولمة كتيار في الفكر وفي الثقافة, وما تأثيرها المتوقع على الافكار القومية والثقافات المحلية. وهذا حديث موصول بإذن الله..