أعرف بأن العالم العربي يمر بأزمات عميقة ومنعرجات خطيرة. فلا اتفاق كلمة ولا وحدة تصور ولا حتى أدنى تنسيق مواقف, وأعرف بأن مصيبة الشعب العراقي ليست مصيبتنا الوحيدة نحن العرب, فالمصيبة عربية شاملة والألم يعصف بنا كاعصار(النينو)من المحيط الهادي الى الخليج الثائر. أعرف بان العرب يقفون اليوم حائرين أمام تحديات كبرى من جنس أخطائنا وتخبطاتنا جميعا. ولكننا حين نقرأ هذا السيل الطامي من المقالات ونسمع على فضائياتنا بعض مثقفينا نجد أن البعض منهم تأخذه العزة بالإثم فيضل ويضل وينحرف بحسن نية أو بسوء طوية عن التحليل الصحيح واذا بهذا البعض يلقى تبعات مايجري على بعض دول الخليج وفي هذا النظر القصير المبتسر سوء تقدير واساءة ومغالطة ونكران فضل وغمط حق. فها نحن يوميا نسمع ملوك وحكام الخليج يرفعون أصواتهم صريحة جلية جهورية بالتعاطف الفعلي مع اخوانهم العراقيين بل ورفضهم للعدوان على شعب العراق. وهذا أمر بديهي من دول الخليج التي يثبت تاريخها البعيد والقريب انها وقفت مع العراق في أحرج الازمات واعتبرت العراق شقيقا وأخا حميما بل منارة عربية للحضارة والمجد. ولم يكن سلوك دول الخليج هذا مقتصرا على العراق بل شمل كل الأخوة العرب أينما كانوا.. فالرساميل الخليجية ماتزال تتدفق ومنذ ربع قرن على المجتمعات العربية كما ان ملايين العربي يجدون لدى شعوب الخليج دار عمل وانتاج وكرم ورزق. وملايين من اطفالنا نحن العرب ولدوا في الرياض وفي جدة وفي الدوحة وفي دبي وأبوظبي وعمان والكويت واكلنا جميعا الماء والملح وتعاشرنا مع الاشقاء الخليجيين في الجامعات والمستشفيات ومنصات استخراج النفط والمصانع ومخابر البحث وكذلك المجالس والديوانيات ولم نر من الخليجيين الكرماء إلا الخير والمعونة وصلة الرحم. وانا اقولها صراحة: ان العرب جميعا ضحايا ليلة الثاني من اغسطس 1990, كلنا من محيطنا الى خليجنا رحنا في داهية الثاني من اغسطس 1990 ومانزال ندفع الثمن الباهظ لغلطة رجل واحد في يوم واحد وما أدراك ما الغلطة! يوم الاول من اغسطس كان اكبر مسؤول عراقي بعد صدام حسين في المملكة العربية السعودية يأخذ بالحضن سمو الشيخ سعد العبدالله الصباح وبعد ساعات كانت دبابات بغداد تكتسح دولة الكويت الصغيرة الآمنة, واستشهد الشيخ فهد الصباح ذلك الوجه المتألق الوديع من وجوه الرياضة الاولمبية العربية, وكنت شخصيا سعدت بلقائه قبل اسابيع من استشهاده حين كان يزور العاصمة الفرنسية باريس ولمست فيه معاني الفضيلة العربية وروح الوطنية الصحيحة ومبادىء القومية الخالصة. وما الشيخ فهد إلا ضحية من ضحايا ذلك العدوان الإجرامي على شعب الكويت. وكان ماكان بعد ذلك التاريخ وأنقسم العرب في اجتماع قمة القاهرة وكان الكويت يؤمل إجماعا للتنديد بهذه السابقة التاريخية الخطيرة الرهيبة وأن يهب العرب جميعا لتنفيذ ما جاء في كتاب الله من مقاتلة الفئة التي بغت مثلما فعل المرحوم جمال عبد الناصر في أول سنوات حكم الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم حين همّ ببلع الكويت. ولكن الصف العربي كان في صيف 1990 كحاله اليوم.. أي لا حياة لمن تنادي, ومنذ ذلك التاريخ خرجت القضية من أيدي العرب كما هو متوقع وهبت الدول العظمى والقوية لحماية مصالحها وامداداتها النفطية بنفسها وبقوتها العسكرية. وأنا حين أعيد للاذهان هذه الحقائق فإنما للاسهام في عملية حضارية ضرورية ألا وهي قراءة تاريخنا القريب بعين العقل والصدق والتروي والاعتبار حتى لاتختلط السبل أمام المثقفين العرب وتتعمق الهوة الموجودة بين الواقع وتصورنا للواقع. فقد لاحظت ان التعاطف الطبيعي والحتمي والأخلاقي مع شعب العراق كأنه تحول الى ادانة مجانية لشعوب الخليج في حين ان شعوب الخليج بكل شرائحها تتألم لألم العراقيين وتتضرع الى الله تعالى لتقريب ساعة نجاتهم ونهاية محنتهم. كما يتألم الخليجيون لتفاقم الوضع عسكريا واستراتيجيا في العراق وحوالي العراق ليصبح بداية فيتنام عربي, الله وحده سبحانه أعلم بمداه وتداعياته وآثاره. ان الخليج عربي وسيبقى عربيا وهو جزء حيّ متفاعل متضامن مع سربه العربي والاسلامي وهو معنا جميعاً يتحمل تلك المصائب الناجمة عن احتلال الكويت وعن التوظيف الامريكي لذلك الاحتلال. إن خليجنا العربي يحتضن الكفاءات العربية ويفتح في وجوهنا لا أبواب الرزق فقط, بل وأبواب حرية الرأي, كما انه السباق دائما لرأب الصدع وتضميد الجراح والتغاضي عن الماضي. فليكن العرب نزهاء صادقين مع انفسهم وهم يحللون الاحداث ويستخلصون العبر.