الاختلاف واحترام الرأي الآخر, وأدب الحوار قضايا في منتهى الخطورة والندرة في مجتمعاتنا التي يتحصن الانسان فيها ضد التحضر بشكل مقصود, ويذهب بعيدا الى حيث مناطق اللون الواحد والرأي الواحد, حيث يعتقد كثير من البشر ان راحة العقل في برد الاتفاق, وان الشقاء لا يصنعه سوى التقاط الجمرات من أرض الأفكار المتباينة . وقد احتفل العالم باليوبيل الذهبي لصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان, الصادر عام 1948 حيث اليوم وبعد خمسين عاما نستطيع أن نقول ان لغة سياسية واحدة تقريبا فرضت نفسها على هذا العالم قوامها حقوق الانسان, فما عادت سلطة أو نظام مهما بلغ طغيانه أن يمارس هذا الطغيان ضد الشعوب وضد الحريات, دون أن يورط نفسه جهارا في (فضيحة عالمية واتهام دولي) بالاعتداء على حقوق الانسان التي تجد عشرات المنظمات والشخصيات المدافعة عنها. وفي عالمنا العربي تأتي المهرجانات الخطابية الفارغة التي تحاول أن تثبت تعاطينا الحضاري مع موضوع حقوق الانسان, لكنها تؤكد دون أن تدري ان هذا التعاطي يمعن في الخطأ القائم على ممارسات المصادرة والاضطهاد والقمع والدفع الضاغط نحو الهروب واللجوء والهجرة, المهرجانات العربية لمنظمات حقوق الانسان العربية (أكليشيه) لا أكثر وديكور مكمل لشكل الدولة التي نعتقد أننا كوناها وتوصلنا الى حقيقة أهدافها وأدوارها, بينما مئات الكتاب والشعراء المعارضين المطاردين في جهات الأرض يقولون العكس! وعليه فإن السؤال هنا يغدو مشروعا, لماذا يبحث الناشطون العرب وغير العرب أحيانا وكذلك جمعيات حقوق الانسان في معالجة نتيجة الظلم دون أدنى قدرة أو جرأة على ولوج حقل الألغام المتمثل في السبب! بمعنى ان الجهود تنحصر في المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين مثلا, دون أية محاولة تبذل لمساءلة الواقع الذي قاد هؤلاء للسجن, وقاد غيرهم للمنافي والهجرات الأبدية. في المشهد العام لحقوق الانسان تبرز المطالب الأكثر أهمية: حق الحياة, حق العمل, حق الحرية, حق التعبير عن الرأي, وهي حقوق لايمكن تجزئتها, كما لا يمكن تأجيل بعضها لحين الانتهاء من تفعيل البعض الآخر, فالحياة لا تحتمل بدون عمل, وأي عمل لا يزدهر بلا حرية, والحرية هي طعم الحياة وزهرة الروح التي لا تعرف قانون الذبول مطلقا. ان 63 دولة في العالم تسجن خصومها السياسيين ممن يعرفون بسجناء الرأي, وقد ثبت لمنظمات حقوق الانسان وجود مليون ونصف مليون سجين في العالم بسبب انتقاداتهم للحكومات او بسبب الدفاع عن حقوق الانسان إضافة الى (15) مليون لاجئ لأسباب سياسية, كما أن أكثر من (80%) من سكان العالم يرزحون تحت حكم أنظمة قمعية تمارس درجات متفاوتة من الاعتداء على الحريات. في ظل حقائق تتناقض مع كرنفالات الاحتفال باعلان حقوق الانسان يحق لنا ان نتساءل: ما هي الأنظمة التي ضمنت لنفسها البقاء وهي تدفع مواطنيها باتجاه الانفجار عن طريق قمعهم ومصادرة حقوقهم؟ أم أن هذه الأنظمة تعاني من غباء تاريخي وسياسي؟ أم أن الطغيان لايرى أبعد من أنفه؟ تريد الأنظمة المتحصنة بالطغيان, ان تضمن مكتسبات السلطة والكراسي الوثيرة, وترى في الرأي الآخر الخطوة الأولى في مشروع سحب البساط, ولذلك فإن عمى الألوان يدفعها الى الشراسة ضد هذا الرأي, حيث تأخذ الشراسة هنا أشكالا تتفاوت بين الحصار والاعتقال والتعذيب والنفي والسجن وتضييق سبل الحياة و... إلخ. وتجد بعض الأنظمة في وسائل الإعلام ومناهج التعليم وسيلة (ناعمة) ومبهمة للآخرين, فتروج لطغيانها عن طريق هذه القنوات, صانعة من الجميع نسخا مكررة تؤمن بما تريده هي فقط, وان كان بطريق الدجل والكذب. وعليه فلن نلعب دورا في حضارة هذه الحياة طالما كان لدينا هذا الاصرار الأحمق على أن يكون الجميع نسخا يرددون نفس الأفكار, ويتداولون الحياة بوجهة نظر واحدة هي وجهة نظر السلطة.