ما هو الهدف الحقيقي من محاكمة الرئيس كلينتون؟ ان جميع الاطراف تعرف ان ميزان القوى في مجلس الشيوخ لا يسمح بانتصار طرف على الاخر, والجميع متأكدون ان الرئيس كلينتون سيبقى في البيت الابيض حتى اخر لحظة, اذن .. لماذا استمرار المحاكمة؟ ولماذا الاصرار على استدعاء شهود, الجواب ان الحزب الجمهوري يستخدم المحاكمة كبروفة للانتخابات العامة, فاذا لم يكن للمحاكمة اي اثر الا شرشحة الحزب الديمقراطي وتلطيخ سمعة رموزه, فهذه النتيجة في حد ذاتها مرضية وطيبة للغاية, ولكن العبدلله يعتقد ان نقب الحزب الجمهوري على شونه, وان نتيجة هذه المحاكمة ستكون وبالا على الحزب في الانتخابات المقبلة, خصوصا ان كلينتون لم يرتكب جريمة الخيانة ضد وطنه, ولم يرتكب عملا معيبا ضد خصومه السياسيين كما فعل نيكسون ولكنه ارتكب عملا طائشا المسؤول عن وقوعه هو الناخب الامريكي, الذي اختار رئيسا شابا قويا خلبوصا وسيما لا يتورع عن معاكسة ومداعبة وتقبيل الحسان المليحات. وهذا السلوك ليس عيبا في نظر الشعب الامريكي, فالعلاقات العاطفية في أمريكا سداح مداح, ليس في أمريكا وحدها ولكن في الغرب كله, طالما ان كل شىء تم في هدوء وبالتراضي, وانا راض وهو راض, ومالك ومالنا انت يا قاضي! واخطر من ذلك ان الشعب الامريكي يشعر الان بغضب شديد بعد ان اكتشف حجم الاموال التي بددها المحقق المستقل ستار والتي بلغت حوالي 50 مليون دولار, ويبدو ان رغبته في الظهور جعلته يبدأ محاولة جديدة تسمح له تقديم كلينتون إلى محاكمة جنائية بعد انتهاء مدة ولايته الثانية, وبالطبع ــ ستتكلف المحاكمة الجديدة ما يرفع التكاليف إلى مائة مليون دولار, صحيح أمريكا في بحبوحة والدولارات عندها زي الرز والاشيا معدن والحمدلله ــ ولكن ــ مائة مليون دولار كان يمكن انفاقها في مجالات أكثر نفعا, كاطعام ملايين الجائعين في شوارع الولايات المتحدة, أو منحها للمتضررين من آثار العواصف المدمرة والفيضانات العاتية, ثم لماذا ينفق دافع الضرائب الامريكي مائة مليون دولار امريكي في سبيل ان يظهر المحقق ستار على شاشات التلفزيون مبتسما ومنتعشا وخدود سيادته اخر حمار وحلاوة؟ ثم ايه الحكاية بالضبط؟ ان ما فعله كلينتون بالضبط هو جريمة في حق زوجته, ولكن زوجته غفرت له, واثبتت انها سيدة حديدية وان مهنتها الحقيقية هي صناعة الرؤساء, صناعتهم وليس هدمهم, وبالتأكيد, فان كلينتون كسب من وراء هذه القضية ولم يخسر شيئا, ولو كان الدستور الامريكي يسمح للرئيس بفترة رئاسية ثالثة, فان كلينتون كان سيكتسح منافسه بكل تأكيد, ففي عهد هذا الفتى الحليوه شهدت امريكا نوعا من الرخاء لم تشهد مثله من قبل, وانخفضت نسبة البطالة بدرجة ملحوظة ربما هي الاولى من نوعها منذ نهاية الحرب العالمية, وفي عهده أنفردت امريكا بالقمة على مستوى العالم, وهي قمة اتاحت لامريكا تنظيم امور العالم في غيبة من الدول الكبرى ومن وراء ظهر الامم المتحدة ومجلس الامن, ومن البوسنة إلى العراق إلى يوغوسلافيا, الموضوع الوحيد الذي فشلت فيه امريكا هو عملية السلام في فلسطين, وهو دليل أكيد على ان امريكا لا تتربع وحدها على قمة العالم, ولكن نشاركها دولة اسرائيل القمة, أقصد أمريكا هي التي تشارك اسرائىل القمة, لان اسرائىل هي التي تفرض ما تشاء, وامريكا تسكت وترضى واحيانا تبدي استياءها من تعنت اسرائيل وظلمها!! ولكن .. هل نتانياهو هو السبب؟ هل تفوق اسرائىل على امريكا سببه هو قوة شخصية نتانياهو وضعف شخصية كلينتون, الحقيقة عكس ذلك على طول الخط, فامريكا وسياسة امريكا هي السبب لانها تعشق اسرائيل وتعاملها كطفلها المدلل, وكل طلبات الطفل المدلل مجابة, وكل رغباته أوامر, كان لي صديق له شوارب تقف عليها الغربان, ولكنه كان يتضاءل أمام ولده الوحيد إلى درجة الركوع, واحيانا كان يبكي اذا اصيب ابنه بلفحة برد طارئة, وكان لا ينام الليل اذا ارتفعت حرارته, وقد تسبب الطفل في مقتل والده, واصل الحكاية ان الطفل المدلل اصيب بوعكة صحية فاستدعى الوالد الطبيب على عجل, وكتب الطبيب روشته تحتوي على عدة أدوية, ولم يستطع الوالد ان يصبر حتى الصباح, واصر على الخروج ليلا لاحضار الدواء المطلوب, وكانت ليلة عاصفة وخطيرة والشبورة تخفي كل شيء, ولما كان الوالد عجوزا وبصره ضعيفا فقد دخل بسيارته في سيارة اخرى, وكانت النتيجة وفاة الوالد, ولم يصب الطفل المدلل بأي أذى. على كل حال, يمكن ان يؤدي التدليل إلى خير في النهاية وقد تصاب اسرائيل بوعكة, فتضطر امريكا إلى الخروج ليلا لاحضار الدواء, وارجو ان تكون الليلة عاصفة وممطرة والشبورة تخفي كل شىء, وربك قادر وعالم, بأحوال الغلابة! مدد ابوعمار ما حدث في رفح هذا الاسبوع خطير للغاية, فلأول مرة ينطلق رصاص فلسطيني ليقتل ضابطا فلسطينيا شابا, لم يتعد الرابعة والثلاثين من عمره, الضابط الشاب لم يقتله الرصاص الاسرائيلي, ولكن قتله الرصاص الفلسطيني, وهذا الحادث الخطير يجب ان يكون موضع عناية واهتمام الرئيس الفلسطيني شخصيا, فالامن الفلسطيني هو درع الفلسطينيين على اختلاف اتجاهاتهم, والشعب الفلسطيني هو الحضن الدافىء لرجال الشرطة من السلطة الفلسطينية, هذه هي العلاقة الطبيعية بين الشرطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني, فاذا حدث اي خلل في هذه العلاقة, فالاكيد ان هناك حاجة غلط, ولابد من تدخل ابوعمار شخصيا للسيطرة على الموقف ولاعادة الامور إلى ما ينبغي ان تكون عليه. وفي فترات النضال من أجل تحقيق الاهداف الوطنية يجب ان يكون الهدف واضحا ويجب ايضا ان يكون العدو اكثر وضوحا, وعلى الشرطة الفلسطينية ان تعرف ان العدو الحقيقي هو حكومة اسرائيل وليس المعارضين لسياسة السلطة الفلسطينية, وان الشرطة الفلسطينية هي الدرع الواقي لجميع الفلسطينيين معارضين قبل المؤيدين, وعلى جميع التنظيمات الفلسطينية ان تدرك ان الظروف قد تلجىء السلطة الفلسطينية إلى المناورة وانها قد تضطر إلى اتخاذ مواقف لا ترضى عنها لكي تصل إلى الهدف المنشود, وان الرصاص الاسرائيلي الذي يخترق الاجساد الفلسطينية لا ينبغي دعمه برصاص فلسطيني, ولكن الرصاص الفلسطيني ينبغي توجيهه إلى المكان المناسب, اما اذا حدث العكس فقل على القضية الفلسطينية السلام. عمنا الرئيس ابوعمار, انت الوحيد القادر على اطفاء النار التي توشك ان تندلع, وانت الوحيد المؤهل لرأب الصدع, والانطلاق بالمسيرة إلى هدفها المنشود.