على الرغم من لجوء جماعات الارهاب مثلما درجت على ذلك منذ سنوات الى تكثيف جرائمها خلال شهر رمضان تحديدا واعتباره شهرا تتقرب من خلاله الى الله عبر الاكثار من قتل الابرياء والمدنيين . غير انها لم تنجح هذه السنة في الاستحواذ على الاضواء, فقد كان ثمة من يزاحمها. ففي الجانب الاخر تجري تحركات واسعة وصخب وجدل حول الانتخابات الرئاسية المزمع اجراؤها في ابريل المقبل. وهي الانتخابات التي ستقرر طبيعة المرحلة المقبلة من تاريخ البلاد وعلاقاتها مع العالم الخارجي, بعد سبعة اعوام من الغياب والتغييب القسري للجزائر. من بين ابرز المرشحين للرئاسة والذين يرى المراقبون ان لهم حظوظا في الفوز عبدالعزيز بوتفليقة بالاضافة الى مولود حمروش واحمد طالب الابراهيمي. ومن الملاحظات الاولية ان هؤلاء الثلاثة لم يكن لهم أي دور في الازمة الجزائرية, ولم يشاركوا في الخطوات التي اتخذت لحلها ابتداء من عام 1994. من الملاحظات كذلك ان الحياة السياسية في الجزائر تتسم بقدر كبير من التعقيد والتشابك بالنسبة للمراقب غير الجزائري, حيث تتداخل الأزمنة والشخوص في تركيبات سياسية يصعب أحيانا فهمها. وعلى سبيل المثال فان بوتفليقة الذي برز من خلال تسلمه وزارة الخارجية في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين, توقف عن ممارسة النشاط السياسي بعد وفاة هذا الاخير في عام 1979. ولم تعد له أية مساهمة في الحياة الداخلية منذ ذلك الوقت, حتى كاد الناس ان ينسوه. وكان طوال عقد التسعينات يعيش خارج الجزائر (في دولة خليجية) وعلى الرغم من كونه محسوبا على الرئيس بومدين ومقربا منه, الا انه حسبما يرى المراقبون لم يدافع عن بومدين ولم يقل كلمة واحدة في حقه في أوج الفترة التي تعرض لها للانتقادات. وهو ما أثار التساؤلات حول طبيعة الغطاء أو المظلة التي ينوي بوتفليقة خوض الانتخابات في اطارها. وحتى الاشهر القليلة الماضية لم يكن بوتفليقة يعتبر عنصرا حاضرا في الساحة السياسية, ويبدو ان جهودا كبيرة قد بذلت خارجيا وداخليا لتقديمه وابرازه من جديد. حيث لوحظ ارتياح فرنسي وكذلك من بعض جيران الجزائر لترشيح بوتفليقة, في حين تحركت جماعات المصالح في الاحزاب التقليدية وفي الجهاز الاداري للدولة هي الاخرى لتأييده ودعمه. ولا يستبعد بعض المراقبين ان يكون تخلي بوتفليقة او ادارة ظهره لماضيه البومديني, له علاقة بالتحالفات الجديدة, سيما منها الخاصة بالانتخابات. وانه قد يستغل كواجهة يتخفى وراءها متنفذون ومستفيدون يعملون خلف الكواليس لاستثمار الظروف الجديدة التي برزت بعد الازمة. ومع ذلك تبدو حظوظ بوتفليقة في الفوز بالانتخابات أو على على الاقل احراز موقع متقدم كبيرة, اما بالنسبة لمنافسيه الآخرين حمروش والابراهيمي, فالاول سياسي مخضرم برز في فترة حكم الشاذلي بن جديد, بينما الثاني هو ايضا سياسي ووزير خارجية سابق وينتمي الى الاسرة (الثورية) ولعائلته احترام وقبول كبيران في الجزائر. وكلاهما يمكن ان يشكل عنصر اجماع وطني في حال قررت الكتل الرئيسية والتاريخية في الشارع الجزائري مساندته. ورغم استقرار الصورة الانتخابية او اكتمالها النسبي حاليا, الا ان عنصر المفاجآت في الساحة يظل قائما, خاصة ان هناك الكثير من الجهات المؤثرة في الجزائر التي لم تقل كلمتها بعد. وربما يهدف التحذير الاخير الذي اطلقه الرئيس الجزائري اليمين زروال حول نزاهة الانتخابات وشفافيتها, فضلا عن انزعاج الجيش الجزائري مما أسماه بالانتهازيين والمتاجرين بدماء الجزائريين, الى افساح المجال أمام الاسراع في بلورة العنصر الذي يمكن ان يحظى بالاجماع الوطني, وفي الوقت نفسه يواصل الاصلاحات وتصفية ذيول الأزمة.