بقدر ما شكلت ازمة العراق اختبارا للنظام العربي وارادة الامة العربية بقدر ما كانت اختبارا لضمير النخبة المثقفة العربية فطوال عقد الثمانينات ــ تقريبا ــ كان كثير من المثقفين ينظرون الى العراق بوصفه حاميا للبوابة الشرقية, وفي اطار هذه النظرة العاطفية صمتت ألسنة كثير من المثقفين عن التعليق على جرائم ارتكبها النظام العراقي في حق شعبه لم تكن مذبحة حلبجة اولها ولا آخرها وان كانت اقساها, وكما صمتوا عن حق الاكراد في صيانة دمائهم وممتلكاتهم وثقافتهم صمتوا عن عمليات الابادة المنظمة التي نفذها ضد معارضيه من التيارات السياسية كافة. هكذا تكلم المثقفون عندما بدا واضحا ان ثمة اتجاها تقوده الولايات المتحدة لتغيير نظام الحكم في العراق وقف معظم المثقفين موقف الرافض ــ وهو رفض مفهوم ــ ولكن الاكتفاء بالرفض كان اعلانا عن عجز المثقفين عن تقديم البديل, وعلى سبيل المثال انعقد في القاهرة لقاء مغلق في الايام الاولى من هذا العام لاصدار اعلان بشأن الازمة العراقية, وانقسم المتحدثون الى فريقين احدهما يرى ضرورة التعامل مع كل المعارضة العراقية سواء من تلقى منها تمويلا من الولايات المتحدة ومن لم يتلق, وطالب الفريق الثاني بقصر التعامل على المعارضة العراقية التي لاتتلقى التمويل من الولايات المتحدة, وكانت حجة الفريق الاول اكثر واقعية, فالنظام العراقي يسحق كل معارضة تظهر في الداخل, وكل معارضة تعمل من خارج البلاد معزولة عن شعبها مضطرة للبحث عن سند يقدم الدعم بأشكاله المختلفة , وبين زحام المطالبات بدا ان الامر الوحيد الذي يشكل اهمية خاصة الحفاظ على وحدة العراق, وباستثناء بعض الفصائل الكردية المتشددة تعلن كل جماعات المعارضة حرصها على وحدة العراق, وهو موقف يخالف ما يمكن استنتاجه عن تصور الولايات المتحدة وحلفائها لمستقبل العراق, والملاحظ على سجال المثقفين انه يبدأ من افتراض ان الدولة في العراق كبنية لم تزل قائمة, وان مخاوفهم من وجود نظام حكم موال للولايات المتحدة ــ وهو خطر ماثل ــ اكبر من مخاوفهم من استمرار آلة القمع العراقية التي اكلت الكثيرين من ابناء العراق خلال حكم صدام حسين, وقد طرأت على بنية الدولة العراقية خلال السنوات التي تلت حرب الخليج الثانية تطورات تبلغ الغاية في الاهمية, فقبل هذه الحرب كان حزب البعث يضم ما يقرب من مليون و800 ألف عضو, وعشية المؤتمر القطري العاشر (1992) فقد حوالي 40% من اعضائه ومازال مسلسل التصفية مستمرا, كما بدد صدام حسين العوائد النفطية التي تراكمت للدولة قبل مغامراته العسكرية فخلال الحرب العراقية الايرانية خسرت العراق حوالي 450 مليار دولار تساوي اربعة اضعاف عوائده النفطية في الفترة (1980 ــ 1988) اما الحرب الثانية فقدرت تكلفتها بحوالي 170 مليار دولار بالاضافة الى 200 مليار دولار كلفة اعادة الاعمار, اما الخسائر البشرية فهي 300 ألف قتيل في حربه مع ايران, و120 الف قتيل في الحرب الثانية اضافة الى 15 ألف مدني و20 ألف قتيل راحوا ضحايا الانتفاضة, وخلال سنوات الحصار فقد العراق ثلاثة ملايين نسمة. ما وراء المجاعة رغم كثرة الارقام المتداولة عن خسائر الحصار المفروض على العراق فإن دلالات الارقام غائبة فكما يقول تقرير للامم المتحدة (حين يصل الناس الى نقطة الشروع في بيع الاثاث والمصوغات فإننا نعرف احصائيا انهم بلغوا مرحلة المجاعة, ان قطاعات واسعة من الاجراء والفئات الدنيا والمتوسطة من داخل الطبقة المتوسطة تعيش الآن دون خط الفقر) , وفي كل مجتمع تشكل الطبقة المتوسطة عماده ومخزن قيمه ومصدر ابداعه ولكن الوضع الاقتصادي السيىء ادى الى انهيار هذه الطبقة التي يعتمد دخلها على رواتبها الحكومية ــ وسوف يكون لتآكل هذه الطبقة آثار اجتماعية واقتصادية على عراق المستقبل, الامر الذي يفرض ــ مع غيره من الاعتبارات ــ ضرورة اعادة النظر الى المعارضة العراقية التي قد تكون طوق نجاة لا بديل له لانقاذ العراق ــ المجتمع ــ بعد ان دمر صدام حسين الدولة بنفسه. ورغم صحة ووجاهة كل ما يقال عن كون تغيير نظام الحكم شأنا داخليا ــ في العراق وغيرها ــ فإن قسما لايستهان به من الحكومات العربية لم يعد قادرا على التعامل مع صدام حسين ونظامه, وهي حقيقة سوف تظل عقبة امام اية محاولة لاستعادة التضامن العربي, وهو عبء ملقى على عاتق المعارضة العراقية التي نضجت على نار مشكلات سياسية ضخمة ومعقدة, ومهما اجهد المثقفون انفسهم في مناشدة الحكومات العربية لتجاوز مشاعرها السلبية فإن عليهم ان يدركوا الآثار السلبية لسياسات صدام حسين التي سممت المناخ الداخلي في العراق وامتدت آثارها عربيا. المعارضة والمؤامرة واذا كانت قضية العلاقات الدولية لبعض فصائل المعارضة مما يتحمل الخلاف ــ واحيانا يستحق الادانة ــ فإن الكثير من افعال صدام حسين يستحق الادانة بالقدر نفسه, وليس من قبيل الانتصار للعروبة اضفاء صفة الخيانة على كل المعارضة العراقية, فالازمة الداخلية في العراق عميقة الجذور وتعود الى عشرات السنين قبل الازمة الحالية, ولم يكن السلوك السياسي للحكومة العراقية قادرا على كسب تعاطف طوائف الشعب العراقي, وقبل دخول بعض فصائل المعارضة نفق التمويل الغربي شهد العراق انتفاضات شعبية استشهد في احداها عشرون الف عراقي, واذا كان المثقفون العرب جادين في السعي للحفاظ على مستقبل العراق فإن عليهم ان يجتهدوا للوصول الى صيغة وطنية لمستقبل العراق بعد نظام صدام حسين, وقد يكون من الطموح المشروع الدعوة الى تبني حكومات عربية مشروع التغيير في العراق من خلال بديل عراقي يكون قادرا على ادارة علاقات العراق العربية والدولية بشكل اكثر رشدا, او كما يقول المثل العربي (بيدى لابيد عمرو) . باحث مصري