من الملاحظ أن إيقاعات الحركة السياسية العامة في هذه المنطقة, هذه السنة, أكثر سرعة وأوضح نبرة مما كانت عليه في السنة الماضية . ولا عجب في ذلك لأن هناك العديد من الاستحقاقات التي لم تعد تحتمل المزيد من التسويف والتأجيل, وباتت مجابهتها وحل إشكالاتها ضرورة ملحة اتقاء لاحتمالات تفجرها وما قد يفرضه مثل هذه التفجرات من فوضى سياسية عارمة. فبدءا من المحيط وانتهاء بالخليج هناك العديد من الاستحقاقات التي أينعت وحان قطافها بعد طول انتظار كادت أن تتحول خلاله من عوارض طارئة الى مرض عضال. ففي المغرب, هناك أزمة الصحراء, وفي الجزائر هناك الحرب المجنونة, وفي تونس أزمة تداول السلطة, وفي ليبيا أزمة لوكيربي, وفي مصر أزمة الخيار بين الدور القومي والمعونة الأمريكية, وفي السودان أزمة الهوية ووحدة التراب, وفي اليمن أزمة الدولة والمجتمع القبلي. أما الصومال واريتريا وجيبوتي فحدث ولا حرج. وفي المشرق العربي أضيف للهم الفلسطيني التاريخي هم جديد بات يعرف بالأزمة العراقية وانعكاسات هذه الأزمة على دول الخليج وشعب العراق وعلى مصير أهم مورد طبيعي لهذه الدول والذي يشكل أهم ركائز الاقتصاد العربي بأسره, وكذلك انعكاساتها على مجمل عملية الصراع ضد العدو الصهيوني. أما نقطة البيكار في دائرة هذه الأزمات فلا شك أنها قضية فلسطين التي أصبحت تعرف بمسيرة التسوية, خصوصاً بعد وصول هذه التسوية الى حائط مسدود على المسار الفلسطيني, واختفائها على المسارين السوري واللبناني. ومن هنا يبدو أن الدبلوماسية الأمريكية بدأت تستشعر خطورة هذا الوضع وما قد يترتب عليه من مفاجآت تفجيرية قد تصعب السيطرة عليها وتعود بالمنطقة الى ما كانت عليه قبل إسقاط الخيار العسكري وترجيح الخيار التفاوضي كسبيل أوحد لحل ما عجزت الحروب عن حله. ولذلك نرى أن الولايات المتحدة, رغم انشغالها بفضائح رئيسها, ورغم محاولاتها المستمرة بممارسة الضغوط على الجانب العربي لبذل المزيد من التنازل والصبر على الموقف الإسرائيلي, قد باتت مقتنعة بأن الصمت العربي الشعبي لايصدر عن قناعة وإنما عن كبت وقهر, كما اتضح ذلك جلياً من تحرك الشارع العربي بعد العدوان على العراق. وبالتالي فإن واشنطن ترى انه لابد من الاحتياط وأخذ الحذر من حدوث أية انفجارات عشوائية, وذلك بإعادة النظر في الواقع العربي الرسمي الراهن ومحاولة تطويره ليتمكن من استيعاب بعض الاجراءات التي لابد من اتخاذها تمهيداً للحل النهائي لكل من الأمتين الفلسطينية والعراقية. وبالتالي فإنه يصعب على المراقب لمجريات الأحداث من هذا المنظور أن يعزو ما يجري في الاردن من إعادة لـ (ترتيب البيت الأردني) لأسباب ذاتية أو عائلية وحسب, وبمعزل عما يخطط من حل نهائي لقضية فلسطين ولا سيما ما يتعلق منها بمصير اللاجئين الفلسطينيين. إن قرار التحالف الأمريكي الإسرائيلي حول مسألة اللاجئين لم يعد موضع شك, وهو يقضي بعدم عودتهم الى فلسطين بجزأيها المحتل سنة 1948 وسنة ,1967 حتى الحديث المخادع عن إمكانية السماح بإقامة (دولة) فلسطينية فإنه لا يتضمن على الإطلاق السماح بعودة اللاجئين الى هذه الدولة التي ستكون ناقصة السيادة ولا تملك الإمكانيات القانونية او العملية للسماح بالعودة. وحتى لو افترضنا من أجل الجدل أنها ستملك مثل هذه الإمكانيات فإن الخمسين في المائة من الضفة والستين في المائة من القطاع لا يمكن لهما استيعاب الأربعة ملايين لاجىء المقيمين في الشتات. حتى تعويض هؤلاء عما فقدوه من ممتلكات في فلسطين لن يكون واردا بالمعنى السائد في اوساط اللاجئين لأن الإسرائيليين يرون فيما فقده اليهود من ممتلكات في الدول العربية ما يساوي هذه التعويضات أو يتجاوزها. ومن يقرأ اتفاقية أوسلو ومن بعدها اتفاقية وادي عربة يتأكد من أن رياح التوطين للاجئين تجري في اتجاه الإبقاء عليهم حيث هم مع اعتماد الأردن أولاً, والعراق ثانياً, كمرشحين لاستيعاب الكم الأكبر من هؤلاء اللاجئين مقابل اغراءات سياسية واقتصادية كثيرة. ولاشك في أن من يعرف تفاصيل الأوضاع الداخلية في الاردن يدرك أكثر من غيره معنى التغيرات التي حدثت والمعاني التي تعكسها في هذا المجال. وكما في الاردن, كذلك في غيره من دول الجوار المحيطة بالكيان الصهيوني فقد نشهد عمليات جديدة لإعادة الترتيب في هذه الدول. بل هناك في لبنان من يرى في العهد الجديد بداية لنقلة نوعية في المواقف المتعلقة بهذه المسألة إذا ما استدعت الحاجة الى ذلك. وثمة أقاويل تتردد عن وعود لإعفاء لبنان من دينه الخارجي مقابل قبوله بتوطين وتجنيس جزء من اللاجئين المقيمين فوق اراضيه, وان هذه الوعود بدأت تجد صداها لدى بعض المراجع غير الرسمية التي اعتادت رفض التوطين الى حدود التهديد بالمقاومة المسلحة. وهناك تقرير امريكي تلقته مصادر خليجية وسربت بعض مافيه للنشر والاذاعة يتحدث عن صفقة قد تقدم عليها الولايات المتحدة مع النظام العراقي لاستضافة وتوطين قرابة المليون فلسطيني مقابل رفع الحظر عن العراق والسكوت عن صدام حسين. وينسب التقرير لمصادر ايرانية ان مسؤولا ايرانيا سابقا يمتلك وثائق تتحدث عن توطين ثلاثة ملايين فلسطيني في الصحراء الغربية من العراق اي مع الحدود المتاخمة للاردن الذي يستضيف حاليا مليونا وثمانمائة واثنين وثلاثين الف لاجىء وسيطالب باستضافة مائة وثمانين الفا اخرين ليصبح عدد اللاجئين هناك عام 2005 مليوني لاجىء وسيزيد رقم اللاجئين في سوريا من 325 الف لاجىء الى حوالي اربعمائة الف لاجىء ليبقى في لبنان حوالي المئة الف لاجىء لا اكثر ورغم المعرفة الوثيقة بالموقف السوري الثابت من مثل هذه القضايا الا ان بعض المروجين للتقرير الامريكي يشيرون الى ان التغييرات التي ستشهدها سوريا بعد انتخاب الرئيس الاسد لولاية جديدة تدخل هي الاخرى في سياق اعادة (ترتيب البيوت) ولم يوفر التقرير السعودية والكويت ومصر ودول المغرب العربي من حصصها في استضافة بعض الاعداد من اللاجئين تضاف الى من هم مقيمين حاليا في تلك الديار كما انه لم يغفل باب الاحتمال بامكانية فتح ابواب الهجرة في كل من كندا واستراليا والولايات المتحدة لاستيعاب عدة الوف من اللاجئين بعد تأمين الاكثرية داخل الدول العربية اولا. ويبقى السؤال حول موقف السلطة الفلسطينية من هذا كله! يقول المروجون لمشاريع التوطين ان اتفاقية اوسلو التي وقعت عليها السلطة تحدثت عن اللاجئين دون تحديد هويتهم مما يمكن اسرائيل من طرح قضية من تسميهم باللاجئين اليهود الذين غادروا الدول العربية ويضيف هؤلاء انهم من معرفتهم الوثيقة لنهج هذه السلطة فإنهم لن يتوقعوا منها اية معارضة جادة, لاسيما وانهم يعرفون انهم في حال تصلبهم قد يتعرضون لعملية اعادة (ترتيب البيت الفلسطيني) بما قد يكون اكثر ملاءمة في (البيت الاردني) اي الحاق الضفة الغربية اداريا بالاردن وحصر الحكم الذاتي الفلسطيني في قطاع غزة وحده, كمايعرفون ان الادوات الكفيلة بتنفيذ هذه العملية متوفرة بكثرة سواء في الضفة او في القطاع وبعد.. قد يكون كل ماسبق من اخبار هذا التقرير من سيناريوهات لايتجاوز ان يكون من نوع بالونات الاختبار التي تطلق بين كل فترة واخرى لجس النبض العام ومعرفة توجهات الرأي العام العربي وردود الفعل لديه. غير ان ذلك لايعفينا من مسؤولية دق اجراس الخطر. دون ان ننسى ماسبق لهنري كيسنجر ان سجله بعد حرب اكتوبر سنة 1973 حينما قال ان تجربة العرب باعتماد النفط كسلاح لن تتكرر, وانه بات محتما على بعض الشعوب ان تبدأ بالتأقلم على فكرة العيش في تجمعات واطروكيانات لاعلاقة بها بواقعهم الراهن) .