اوكلت الحكومة الامريكية امر المعارضة العراقية, الى وزارة الدفاع, بدلا من ان توكله الى وزارة الخارجية. اتضح ذلك بشكل جلي في الاجتماع الاخير للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ صبيحة 28 يناير الماضي , وقد توجه أعضاء اللجنة بأسئلة تفصيلية كثيرة لوالترسلوكومبي سكرتير وزارة الدفاع, والجنرال انتوني زيني قائد القيادة المركزية, كانت ابرزها الاسئلة التي تعلقت بمجموعات المعارضة العراقية. والمعروف عن الجنرال زيني انه يعارض مبدأ الاعتماد على جماعات المعارضة العراقية. وقد اعلن قناعته تلك في جلسة سابقة, قبل الاعلان عما سمي بقانون تحرير العراق. وقد حاصره السناتور جون مكين في جلسة الاستماع الأخيرة واحرجه, كعسكري, عندما سأله: اما زلت على قناعتك القديمة ام انك اقتنعت الآن بمبدأ التعاون مع المعارضة العراقية, وهو المبدأ الذي تحول الى قانون اصدره الكونجرس ووقعه الرئيس؟! اجاب الجنرال بعد قليل من التلعثم بانه لا يعارض مبدأ تفعيل ذلك القانون, وان كانت تجربته الماضية قد دلته على انه من العبث الاعتماد على جماعات المعارضة التي استلم ملفها من قديم, وأتيح له ان يفحص اوضاع واحد وتسعين مجموعة منها بالتفصيل. واقعية العسكر وأحلام السياسيين لم تمنع هذه الاجابة الغامضة اعضاء اللجنة من الغوص اكثر واكثر في الاستفسار والضغط. ولكن ظل مندوبا وزارة الدفاع يؤكدان في الاجابة عن كل سؤال على ان تغيير النظام في بغداد لا يعتمد على القوى الداخلية وانما على المساعدة الامريكية. وان الامر لا يمكن ان يتم عاجلاً لان افراد المعارضة العراقية يحتاجون الى تدريب عسكري كثيف (احيلت تفاصيل ذلك الى جلسة مغلقة) , وان اوضاع تنظيمات المعارضة تحتاج الى مزيد من الفحص لمعرفة امكاناتها في الداخل والخارج, والتحقق من هوياتها وارتباطاتها وأهدافها, قبل بذل اي عون لها. وأكد المندوبان ان الجيش الامريكي لن يبذل العون الفعلي لأي فريق الا اذا ترجح ان بامكانه فعلا ان يستلم السلطة, وعند ذلك تكون مهمة القوات الامريكية ان تحميه وتسنده حتى يصل الى هدفه, لئلا تتعرض قواته الى مذابح, شبيهة بالمذابح التي لحقت بقوات المعارضة الكردية والشيعية, عند انتفاضتها عقب حرب الخليج. هكذا بدا العسكريون اكثر واقعية وأقل اندفاعاً من السياسيين. وقد أشارت اجاباتهم الدبلوماسية ـ بطرف خفي ـ الى ضرورة الاكتفاء بالمحافظة على الوضع الراهن سواء في الاقليم بأكمله, او بالعراق بوجه خاص, وذلك عن طريق الابقاء على سياسة (الاحتواء) , والعقوبات الاقتصادية, وتدعيم خدمات راديو صوت العراق, ومواصلة جهود توحيد الفصائل الكردية, ومناوشة العراق ببعض الضربات العسكرية التأديبية. واشار الجنرال زيني ـ عندما ضاق ذرعاً بحصار النواب ــ الى ان تجارب امريكا في تغيير الحكومات في افغانستان والصومال لم تكن تجارب سعيدة, وان جماعات المعارضة العراقية ربما أتت الى الحكم بخلافات كثيرة بسبب تنوع ارتباطاتها الاقليمية القائمة على اساس العرق والطائفة واللغة, وانها ربما خرجت بسبب ذلك عن حدود السياسة الامريكية للاقليم. وما اشار اليه الجنرال زيني هو تحليل سياسي صائب. وكان مشهداً غريبا ان يقوم الجنرال بتقديم دروس في التحليل السياسي للسياسيين المحترفين, وان يلعب السياسيون المحترفون دور العسكر في تسعير وتصعيد الحرب. فالتجارب السياسية السابقة لامريكا في ازاحة الانظمة غير المرغوب فيها, جاءت لامريكا بأنظمة اكثر عداء لها, او اقل تعاونا معها لانجاز استراتيجياتها, خذ مثلا ازاحة امريكا لنميري, فقد جاءت بثلاثة انواع من الانظمة السياسية في السودان, كل منها كان اقل انسجاما مع امريكا من نظام نميري, وأمثلة ذلك تترى في دول اخرى كثيرة, ابرزها وأكثرها اشتعالا الآن كونغو / كابيلا, الذي جاءت به امريكا بمؤامرة كبرى, فأصبح يهددها باحباط كل اهدافها الخطيرة في منطقة البحيرات العظمى. احتمالات غير مبشرة! واذا ما اطيح بصدام حسين فلا يستبعد ان يتمركز في بغداد نظام سياسي اشد عداء لامريكا من صدام, وأشد فعالية في مواجهتها. ان صدام حسين لم يؤذ امريكا حتى الان الا اذى عارضاً. انه لم يستخدم ضدها اسلحة كيميائية ولا بيولوجية ولا نووية ولا تقليدية. ورغم تمكن امريكا من ابادة قواته وتحطيم اسلحته, فانه لم يصب من قواتها الا عشرات محدودة, وخلال كل الغارات الأخيرة لم يتمكن من قتل او جرح او أسر اي جندي امريكي. اما اذا جاء نظام اسلامي منبثق من المعارضة الشيعية, ففي ذلك كل الخطر على امريكا لانه سيقلب موازين القوى بالمنطقة, كما قد يعيد الى الاذهان ذكريات هجمات حزب الله على القوات الامريكية بلبنان. اما اذا جاء نظام غالب من التيار الوطني السني, فانه لابد ان يتواكب مع الثقافة السياسية التي تأصلت وسط الشعب العراقي وهي ثقافة كراهية امريكا ومناصبتها العداء. وأخطر من ذلك كله أن تأتي الى حكم بغداد مجموعات معارضة متنافرة, تحت مظلة تحالف اصطناعي, مثل المظلات التي تستخدم حاليا لجمعها في المؤتمرات المشتركة. ففي خلال اجتماعات تلك المجموعات منذ 1990 ـ اجتماعات دمشق, وبيروت, وفيينا, ولندن, وواشنطن, وكردستان ـ لم تزد على أن تكرر دعوتها لنفسها بأن تتحد, ولكنها عجزت, او لم تشأ, ان تضع وسائل للوحدة, او حتى للتنسيق فيما بينها, تماماً مثلما عجزت ان تضع برنامجاً للحكم. وظلت تحلم بإسقاط النظام الطاغوتي بمجرد الأحلام والأماني, وانتظار العون الأجنبي. هل هي معارضة ديمقراطية؟ الجماعات التي تعجز عن توحيد نفسها في أيام النضال والصراع, الذي يحتم عليها الاتحاد, هي اعجز من ان ترغب في الوحدة عندما تصل الى الحكم حيث تحتم عليها مغانم الحكم ان تتصارع فيما بينها من أجل المناصب والامتيازات, اما عندما يطرح سؤال, امكانية التقاء المعارضة بالشمال بالمعارضة في الجنوب في برنامج سياسي موحد, ومدى ايمان فصائل المعارضة العراقية بالتعددية الحزبية والديمقراطية. فيمكن ان يجاب عن ذلك بواقع المعارضة حاليا من حيث التنافر, والتصارع, والتحالفات المتضادة, والتصفيات الجسدية, والحروب الأهلية التي تشعلها, وبابتعاد كل فصائل المعارضة عن تقييد نفسها ببرنامج محدد, فالذي يريد ان يصعد الى الحكم بغير برنامج مفصل ومحدد شديد الوضوح, ينتوي بغير شك ان يتجه الى حكم البلاد بالحديد والنار, يصفى بها كل من ينتقده او يعترض طريقه او يطرح برنامجاً بديلاً, فغموض الثورات والحكومات هو سبب ودلالة اتجاهها للعنف والقمع. ان هدف المعارضة ــ كما تحدده أدبيات علم السياسة ـ هو ان تضع برنامجا للحكم تنتقد على ضوئه الحكومة التي تعارضها, واذا ما وصلت الى الحكم شرعت فوراً في تطبيقه. وفي حالة العراق فإنه يحتاج الى دستور جديد للحكم, يستصحب عبر تراثه السياسي, ويستوعب حاجات حاضره المعقد, ويستشرف بالقطر ملامح مستقبل تنحل به عقده السياسية المتشابكة, التي يصعب فرز خيوطها الان, لان معظمها لا يستبين بسبب وجود القطر في داخل النفق المظلم. هذه الحاجات على الحاحها لا تبدو من أولويات اعمال جماعات المعارضة العراقية, التي تسخر معظم وقتها وطاقاتها للمناورات السياسية التي تصل بها الى السلطة, باعتبار ان كل ما سوى ذلك من الأمور في حكم المقدور عليه, هذا هو المنطق الانتهازي الذي يحكم اداء معظم الاحزاب السياسية في العالم الثالث, لاسيما الاحزاب المعارضة, التي لا تكتشف افلاسها السياسي الا عندما تصل الى السلطة, تماماً كما يكتشف الطالب المهمل افلاسه العلمي عندما يتعرض للامتحان! الأسئلة الاجبارية اذا لم تساق المعارضة العراقية للاجابة عن هذه الاسئلة الاجبارية, فلا يؤمل منها الا أن تقود البلاد الى دوامة صراع وحروب أهلية مثلما فعلت الطوائف في لبنان, اذ دمرته بحرب ضروس دامت خمسة عشر عاما, عادت بعدها تلك الطوائف الى نقطة الصفر الاولى قبل الحرب, فكانت الحرب كلها بلا جدوى لأحد. او كما فعلت الاحزاب الاسلامية العرقية بافغانستان, من صراع دامٍ ادى الى وصول البلاد الى حالة حكم الحزب الواحد, وأي بلاد لا تحافظ على حالة تعدد الأحزاب, وتحترم مقتضياتها, فانها في سبيلها بلا شك الى حالة حكم الحزب الواحد. يضاف الى ذلك, في حالة العراق, ان جماعات المعارضة مطالبة في غالبها بالتخلي عن كثير من ارتباطاتها الاجنبية التي تسخرها لتغيير النظام, لا لصالح القطر, ولا لصالح الشعب, وانما لصالح قوى دولية معينة. ان ارتباطات المعارضة المشبوهة تسيء الى سمعتها, وتضعف شعبيتها, كما تعوق حريتها في اتخاذ قرارها لصالح الوطن. واذا كانت كثير من تلك الجماعات تعتقد ان الدعم الخارجي هو سندها الاول, فانها ستكتشف لاحقا, عندما تبدأ بدفع الثمن, ان ذلك الارتباط هو القيد الاكبر الذي رهنت نفسها له. من سوء حظ الشعب العراقي ان يتولى حكمه صدام حسين, الذي زج به في كل هذه المتاهات المهلكة, ومن سوء حظه ان يبدو البديل عن حكم صدام اسوأ منه, لأنه ربما مزق وحدة البلاد. كتب الملك فيصل الأول, ملك العراق الأسبق, في مذكراته يقول: (ان العراق هو احد الدول التي تفتقد ميزة هامة للحياة الاجتماعية المستقرة, ميزة التشابه والتجانس العرقي والديني... ان هذه المسألة تملأ قلبي حزنا وفزعاً, وفي رأيي الخاص فان الأمة العراقية لم تتكون حتى الان, توجد فقط تكتلات بشرية تفتقد الرابطة القومية الجامعة, هذه التكتلات على استعداد لان تستمع لدعوة اي ناعق, لتنهض في ثورة عارمة ضد الحكومة, مهما كان وضع او لون تلك الحكومة, وان همي الأول سيكون صهر تلك الكتل لصنع الشعب المتحد) ... تم ترجمة تلك العبارات الى الانجليزية, ثم نقلناها الى العربية, وراعينا عند الترجمة ان نخفف وقع عبارات الملك العنيفة لئلا نصدم مشاعر احد... والعبرة المستخلصة ان هم الوحدة القومية, كان الهم الأكبر في تراث السياسة العراقية.. وهو الهم الاصغر حتى الان ــ في أجندة المعارضة العراقية المتلهفة للوصول للحكم بأي سبيل, وبأي ثمن. مهما يكن اصرار الكونجرس الامريكي على تغيير نظام الحكم في بغداد, فان الناتج لن يكون في صالح أمريكا. على الأقل بسبب الوضعية المهلهلة لجماعات المعارضة العراقية. وتبقى نظرة الجنرالات الامريكيين التقويمية أعمق بكثير من نظرات السياسيين الذين يريدون ان يخرجوا من مشكلهم العويص الحالي مع صدام, ليقعوا في مشكل اخر أعوص منه. السياسيون تحركهم ضغوط مراكز القوى التآمرية لذا يتخبطون, اما الجنرالات فتحكمهم دراساتهم العليا في شؤون الاستراتيجية, وأوضاعهم المهنية المستقلة الى حد كبير عن ضغوط مراكز القوى.. ويعطيهم التصاقهم بميدان العمليات, وملامستهم المباشرة للحقائق, ميزاتٍ اخرى, تجعلهم أقرب الى الصواب من النواب. .. عسى ان تنتصر حكمة الجنرالات, وحكمة الشعب العراقي ليحافظ على ما بقى له من التراث والتاريخ. استاذ العلاقات الدولية ـ المسيسبي