شاهدت على شاشة التلفزيون البريطاني اما انجليزية باكية تفرك يديها من الحسرة وبجانبها فتاة هي ابنتها التي لم تتجاوز الخامسة عشرة تنتحب معها, والسبب ابنها المعتقل في اليمن والمقدم للمحاكمة بتهمة الارهاب, تلك الام هي زوجة ابو حمزة المصري السابقة, والفتاة هي ابنتها من زوج آخر, اما الابن فهو الذي ذهب الى اليمن ليقوم بتحريره . ابو حمزة المصري رجل عربي مبتور اليدين نتيجة حادث وقع له في السابق في افغانستان, احدى اليدين تنتهي الآن بخطاف اقرب شبها بأيدي القراصنة في افلام هوليوود القديمة, وهو بريطاني بالتجنس وربما بالاقامة, يرأس تنظيما في بريطانيا سماه (انصار الشريعة) تقول الصحف البريطانية ان له جناحا عسكريا هو المهاجرون, وفقط بخمسين جنيها انجليزيا يستطيع الشاب المسلم الذي يعيش في بريطانيا ان يلتحق بهذا التنظيم ليتعلم الحياة القاسية, والمعيشة في العراء وايضا بعض فنون القتال اليدوية الى درجة قتل الانسان باليد المجردة, وفي ظل وجود مئات الالاف من المسلمين في بريطانيا لا يعجز ان يجد ابو حمزة بعض الانصار خاصة من الشباب. ظاهرة ابو حمزة المصري انه واحد من الغلاة الذين لايخلو منهم مجتمع اسلامي اليوم, يتعاملون مع عقيدة المسلمين وكأنها لم تشتق من السلام, في دلالة رمزية بالغة الغنى, كما لم تتذوق هذه المجموعات ادب الحوار والجدال بالحسنى مع المخالفين الذي امر به رب العالمين واستنه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فخلطوا حقيقة الدين في جوهره السماوي بأهواء البشر الضيقة الافاق وتأويلات بعضهم المنحرفة وتوظيفهم المصلحي لحقائقه ومقاصده السامية فنصب بعضهم نفسه زعيما بتحريف الكلم عن مواضعه واقام البعض من نفسه وليا على امر الاسلام والمسلمين بالعنف والفتاوى الفاسدة. مجموعات اخرى من الغلاة ظهرت ــ كما تقول الصحافة البريطانية ــ في المساجد الاسلامية المنتشرة في بريطانيا, وتبث دعواها من خلال شبكة الانترنت لجمع الانصار, وتجمعهم الاكبر في مدينتي برمنجهام ولندن, هذه الجماعات ليست محظورة قانونا في بريطانيا, لانها لاتقوم بالتدريب على السلاح, ولكن خريجي هذا التدريب القريب الى التدريب الكشفي, يجري حثهم لاحقا للتدريب على الاعمال العسكرية في كل من افغانستان واليمن. في هذه المعسكرات البعيدة عن الانظار يأتي الضيف المسلم من بريطانيا ممتلئا حماسا ورغبة في التضحية, ويصبح صيدا جاهزا للتطرف, وحسب ما ذكرته جريدة (الصانداي تايمز) اللندنية في الاسبوع الماضي, فإن في بريطانيا حوالي ألفي شاب من البريطانيين المسلمين يسافرون سنويا الى الخارج لهذه الغاية, اي التدريب العسكري. البريطانيون الخمسة المتهمون في اليمن اخيرا, تهمتهم هي محاولة تفجير القنصلية البريطانية في عدن يوم عيد الميلاد الماضي, اضافة الى الكنيسة المحلية وفندقين يبدو انهما كانا من ضمن الاهداف. المتهمون الخمسة أصغرهم في الثامنة عشرة وأكبرهم في الثالثة والثلاثين, زعموا انهم ذهبوا الى اليمن لأن هناك منظمة سوف تدربهم على القتال العسكري, وهم ينتمون الى أنصار الشريعة التي يشرف عليها ابو حمزة, وواحد من هؤلاء هو ابن من زوجته المطلقة, وتزعم السلطات اليمنية ان (ابو حمزة) ومقره في مسجد ساحة وينز بري شمال لندن يدير منظمة ارهابية. برنامج (أبو حمزة) التدريبي غير العسكري يعلن عنه في الانترنت برمز قنبلة يدوية, وهدفه هو تطبيق الشريعة في الدول الاسلامية قاطبة؟ الخمسة المقبوض عليهم في اليمن جميعهم تربوا في بريطانيا ويحملون جوازات سفر بريطانية. قضية المسلمين البريطانيين المتهمين بالارهاب في اليمن هي قضية تضع مفهوم العولمة الذي كثر الجدال حوله موضع التنفيذ, فبريطانيا التي تطبق قانونا حديثا لابد لها أن تحمي مواطنيها بصرف النظر عن ديانتهم, واليمن التي تعتقد ان هؤلاء ارهابيون متعاونون مع ارهابيين آخرين داخل اليمن لابد أن يأخذوا عقابهم حسب القانون اليمني, لذلك فان احدى طرق انتزاع المعلومات من المتهمين كما تقول الصحافة البريطانية هي (الفلقة) اي ضرب المتهم على بطني رجليه, وهؤلاء البريطانيون المسلمون رغم حماسهم لم يتوقعوا مثل هذه الطرق في التحقيق, وأبو حمزة المصري يستدعي ممثلي الصحافة والتلفزيون في لندن ويظهر بملابسه الافغانية ليردد اطروحته عن دار الحرب التي هي بلاد الغرب. المشهد يبدو كأنه مشهد هزلي, ولكن بالنسبة لانعكاسه علينا نحن المسلمين, بل على الأغلبية الساحقة من المسلمين الذين يشكلون اليوم سبع سكان العالم, فان هذا المشهد يشكل منتهى الخطورة دعائيا على الاقل. بعض الحكومات العربية كانت دائما تقول ان بريطانيا تؤوي بعض الارهابيين, وما حدث في اليمن سوف يقدم الدليل المادي على ذلك, وبريطانيا مطالبة بالدفاع عن مواطنيها, لكنها مطالبة أيضا, بالنظر الى التجمعات شبه العسكرية على أراضيها نظرة جدية خاصة التجمعات ذات الاهداف التخريبية في بلدان اخرى, وابو حمزةوغيره قد عرفوا جيدا لعبة القانون البريطاني فهم حريصون على ألا يخرقوه مباشرة, أو لا يضبطون وهم يخرقونه انما يستفيدون من (حرية) التعبير المتاحة في بلد أوروبي, ويستغلونها لاغراضهم الى آخر مدى, وكما قال ابو حمزة للصحفيين الاسبوع الماضي (ان ارادت أية مجموعة متطرفة من أي مكان في المعمورة ان توصل رسالة, يعطوها لنا ونحن ننشرها في العالم) . حرية القول التي يحميها القانون البريطاني يستثمرها ابو حمزة اقصى الاستثمار, ويستخدمها الاستخدام السلبي, فقد صرح في الاسبوع الماضي انه في حالة اعدام زعيم حزب عدن (الاسلامي) الذي اختطف بعض الغربيين فان المتشددين يمكن ان يقتلوا السواح الغربيين في اليمن, والسياحة في اليمن كمصدر دخل للدولة والمجتمع اخذت تنتعش وماحاجة مواطني اليمن لهذا الدخل بخافية, وهو بذلك يحاول ان يفرض شيئا مضادا لاصول الاسلام واخلاقياته القائمة على الرحمة والتكافل. ابو حمزة المصري مواطن بريطاني من اصل مصري قدم في السبعينات, الى بريطانيا لدراسة الهندسة وعمل في البداية ـ وياللمفارقة ـ حارسا في ملهى ليلي ــ ثم التحق بافغانستان التي فقد فيها كفيه وزار بعض مناطق الشرق الأوسط, ثم عاد إلى بريطانيا على أساس انه سياسي مطارد, ليتزعم من هناك المجموعة التي سماها أنصار الشريعة, ثم قدمت له بعض المحطات الفضائية العربية - في بحثها عن الاثارة - فرصة الظهور على العالم كمدافع عن وجهة نظره المتطرفة في العداء غير المنطقي للغرب, إلى درجة انه وصف البلدان الغربية مرة انها (كنيف) لا غير, بينما هو يتمتع بالحريات المتاحة له فيها, وتقول الصحافة البريطانية انه ينشر أيضا منشورا دوريا نيابة عن إحدى المجموعات المتطرفة الجزائرية, وذلك يفسر وجود (جزائري) ضمن المجموعة المقبوض عليها في اليمن. بعد وصول حزب العمال إلى الحكم في السنة الماضية عدل أخيرا قانون متابعة الارهاب, وبالتالي فإن (أبو حمزة) الآن تحت متابعة وتحقيقات الشرطة البريطانية, كما ان الشرطة الأمريكية تتابع علاقاته ببن لادن المتطرف المعروف, والمتهم بتفجير السفارة الأمريكية في كل من كينيا وتنزانيا في العام الماضي. بريطانيا أصبحت مقرا للكثير من المتطرفين الذين يناصبون العداء عديدا من الدول, العربية بالذات, وعندما كانت هذه الدول تحتج في السابق بسبب تعرض أمنها الوطني للخطر يتحجج المسؤولون البريطانيون بالقانون السائد, وكانت الشكوى في السابق من معلومات عن أشخاص قد تكون صحيحة أو خاطئة, كما كان قادة التطرف يتجنبون من جهة أخرى الدخول في مواجهة حقيقية وعلنية تسبب لهم الادانة, أما بعد أحداث اليمن الأخيرة فقد واجهت بريطانيا وقوانينها حقيقة ان الكلام و(حرية الرأي) والتعبئة, قد تتحول إلى فعل حقيقي وخطير, وهو فعل لا يتوقف عند بعض الأجانب القاطنين في بريطانيا مؤقتا, بل أصبح يقوم به مواطنون بريطانيون بعضهم ولد وترعرع هناك, مؤمنين نتيجة هذه التعبئة المضادة بأن ما يقومون به هو الحق كل الحق. الكرة ليست في ملعب الحكومة البريطانية أو الصحافة هناك ولكنها أيضا أمامنا تتدحرج, فالخطر أن يعتقد أو يقتنع الرأي العام الغربي بأن (الإسلام) هو ما يقوم به المتطرفون, فيظل العداء بابا مفتوحا بين غالبية المسلمين الذين استوطنوا بلدانا غربية, وبين مضيفيهم, كما ان هناك ملايين من المسلمين الشباب أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين, والذين يحتاجون إلى تبصيرهم بأمور دينهم, ودنياهم, بعيدا عن التطرف, فهم طاقة كبرى واحتياطي استراتيجي لقضايانا العادلة ويجب ألا يتركوا نهبا لمن يبحث عن زعامة أو قيادة أيا كانت. أمر آخر, هو هذه المقارنة الماثلة في سلوك أمثال أبو حمزة, البريطاني جنسية ومعاشا, فهو مثال لعدوان الأقلية على الأغلبية, وهو العكس تماما من احترام الأغلبية للأقلية في الأداء الديمقراطي وأمثلته الأخيرة عديدة سواء في اعتماد مجلس العموم البريطاني لأعياد المسلمين كأعياد رسمية, واحتفاء هيلاري كلينتون ــ ممثلة للبيت الأبيض ــ بالمسلمين وأعيادهم, كما وضح في استقبالها لمجموعة من المسلمين الأمريكيين في عيد الفطر الأخير. إن واقع وصورة وممارسات شخص مثل (أبو حمزة) هذا, هي دعاية بالغة السوء ضد ديننا الحنيف, لكنها أيضا وثيقة حية تفضح السفور الاجرامي في نوازع, وفتاوى وممارسات التطرف, وينبغي توظيف مثل هذه الوثيقة بكل أبعادها الظاهرة والخفية في كشف تهافت هذا التطرف المجرم في حق ديننا وفي حق دنيانا ــ نحن المسلمين ــ على السواء.