حينما تكتب فإنك تقوم بدورين متداخلين لا ينفصلان, تكتب للناس ليعرفوا ان هناك من يشعر بهمومهم وبأنهم لا يعانون وحدهم وطأة الظروف والسلبيات , وبذلك فانت تفكر بصوت عال وتحلم بشكل علني نيابة عن الجميع, ومن هنا تحب الجماهير هؤلاء الكتَّاب الذين يعبرون عن همومهم واحزانهم ويعيشون أفراحهم بصدق وبتلقائية, وغالبا ما يعتقدون بأن هؤلاء الكتاب يستطيعون الخوض في كافة الأمور, وطرح الحلول لأزمات البشرية وتخليصهم من كل مشاكلهم وظروفهم المعيقة! الأمر الثاني الذي يدفعك للكتابة دفعا هو الاحساس بالمسؤولية والتيقن بأنه ما من انسان على وجه الأرض إلا وله دور عليه أداءه, تختلف الأساليب والطرق, ويبقى جوهر الأمانة الذي تحمله في داخلك يدفعك دائما للبحث عن طريق آخر, إذا عز الطريق الذي تمضي فيه, المهم ان تستمر, وألا تتوقف وهذا هو معنى الخلافة التي اختص الله بها الانسان حينما خلقه وجعله خليفته على الأرض. حينما تكتب لا تقع تحت يقين بارد بأن ما تكتبه سيغير العالم ويحل مشاكل الانسانية , هذا غير وارد نهائيا, أنت تكتب فقط لأن هذا دورك, وأما التغيير فله أهله والقائمون به, وليس ذلك مما يدخل في مهامك أبداً. ولنبقى في دائرة الهدف الأول للكتابة, ألا وهو الكتابة للناس وعن الناس, تلك الكتابة التي قلنا بأنها تجعلك في حالة حلم دائم, وتفكير مستمر بصوت عال نيابة عن الآخرين, هذه الكتابة هي التي تضعك في مواجهة ظاهرة تستحق الالتفات والتنبه وتكشف بشكل محزن أحيانا عن حالة من الخوف والتردد, والرضا بالظلم, ورفض التعبير عن الرأي أو الشكوى من القهر لدى قطاعات كبيرة من الناس, لا لشيء إلا لأننا نكرس ظاهرة الدكتاتورية في تعاملاتنا بشكل مخيف ومرضٍ. يتصل بك شخص ليحدثك عن تجاوزات في دائرة عمله, أو مخالفات قانونية, أو سلوكيات خاطئة, أو ظلم تعرض له, وهو على استعداد ليدلك على الاثباتات ويضع بين يديك كافة المستندات, لكنه على غير استعداد لذكر اسمه, حتى وأنت تعده وتحلف له بأغلظ الأيمان بأنك لن تتفوه به أمام أحد, لكنه يتسمر عند حدود الرفض, وحينما تسأله لماذا؟ يجيب: اعذرني فأنا شخص أريد ان آكل عيش أو يقول لك: لا أريد مشاكل, أو... عن نفسي تلقيت عشرات المكالمات الهاتفية وكذلك الرسائل التي تأتي مغْفلة الاسم أو بأسماء مستعارة, كلها تؤكد ظاهرة الخوف, وعدم الثقة مع أنها تطرح مشاكل وأزمات وظواهر سلبية تستحق النظر والبحث والطرح بشفافية وموضوعية لأنها في النهاية شأن عام وليست قضايا شخصية أبدا. وبالرغم من ان للظاهرة وجها لا نتمناه, حتى وان كنا لا نستغربه ونعلم بواعثه ومسبباته, فإن هناك وجها آخر يتمثل في هذه الثقة الجميلة التي يبنيها الاعلامي أو الكاتب المنتمي لقضايا مواطنيه ووطنه, وهي ثقة نقدرها جميعا ونسعى إليها ونحافظ عليها, ومنها نكتسب كل القوة لمقاومة الأخطاء, وكل الشراسة لمواجهة السلبيات وكل المحبة للتواصل مع الخير وأهله.. وللحديث صلة.