بعد أشهر قليلة من تحرير الكويت من الاحتلال العراقي كتبت في هذا المكان مقالا افتتاحيا تحت عنوان (نتسامح ولا ننسى) وكان العنوان يحمل مضمونا أوسع واعمق من الحدث نفسه إلى اسبابه وتداعياته العربية والعالمية, وكانت فيه دعوة مبكرة اطلقتها من خلال تلك السطور ومازالت الجروح مفتوحة ورائحة البارود جاثمة فوق صدورنا جميعا, أردت من خلال الدعوة ألا ندخل إلى ذلك النفق المظلم الذي أصبحنا جميعا ــ وبعد ثماني سنوات طوال ــ ننزلق إليه الان. كان فعل التسامح ــ لا النسيان ــ هو الامر الذي في استطاعتنا في ذلك الحين, فهو فعل ينتمي إلى صميم الارادة البشرية عندما تريد أن تحرر نفسها من أضغان الحقد والتشفي والرغبة في الانتقام, اما النسيان فهو فعل لا إرادي متروك لعمل الذاكرة البشرية التي تنسى ما تنساه, لانه يسبب لها ألما زائدا, وتبقي ما تبقيه على سبيل الدرس والخبرة. كانت المأساة التي نسجت خيوطها الاولى في الثاني من اغسطس عام 1990 حدثا مريرا يستحق ان نواجهه في حينه حتى لا يتحول إلى عقدة تنفرط امامها كل محاولات لم الشمل العربي, فكرة التسامح لا النسيان في ذلك الوقت ربما كانت تمثل شريحة كبيرة من الشعب الكويتي التي لا تريد ان تلون هذه المأساة نظرتها إلى العالم بشكل عام وإلى وطنها العربي, والتي هي جزء منه بشكل خاص. وقد اعتمدت دعوتي في ذلك الحين على قراءتي الخاصة لتاريخنا العربي المشترك الذي كان مليئا بنزاعات مريرة من هذا النوع, وبظهور طائفة من الحكام امثال صدام حسين الذين لا يعرفون ما يريدون على وجه الدقة غير التشبث بكرسي الحكم والسلطة, ومع ذلك استمرت حركة التاريخ في صيرورتها الايجابية وفي حفاظها على الحد الادنى من الروابط بين الشعوب العربية المختلفة, وكان أملي أنه سوف يتم التفريق بين العراق كجار وكتاريخ وبين العراق كنظام, بين العراق (كسلطة) وبين العراق كدولة وشعب, فالعراق بتاريخه وموقعه باقيا, أما النظام, مهما بلغت سطوته وجبروته, فهو عابر. ومن الافضل لنا, في مثل هذه الظروف ان ننظر الى ماهو ابقى وان نبتعد عما هو زائل. هل كنت متفائلا اكثر مما ينبغي؟ ام انني كنت متسرعا في محاولة تضميد جرح ما زال مفتوحا حتى الآن ومازالت الآلام التي يسببها تشقينا جميعا! فهذا النظام الذي خرج من حرب تحرير الكويت مهزوما ومحطما لم يذهب ولكنه بقي واستشرى. والذين خرجوا لتصحيح وضعه من العراقيين في الشمال والجنوب ذاقوا مرارة العلقم حين حلقت حوامات النظام فوق رؤوسهم تلقي عليهم القنابل الحارقة. كما ان آلته الاعلامية ظلت تزايد, وتقلب كل الاندحارات الى انتصارات. وبقي المئات من ابناء الكويت اسرى في سجونه العام تلو الآخر تلو الآخر. وليس هذا فقط, بل تحول الشعب العراقي كله الى اسرى في يد النظام يلعب بأرواحهم واقواتهم ويقدمهم في كل حين من الزمن فداء له ودرعا بشرية يضمن من خلال اجسادهم بقاءه واستمراره. هل كانت قراءاتي للتاريخ خاطئة حين راهنت على الابقى واهملت الزائل من حساباتي؟ اننا شعب تاريخ كما يصر استاذنا عبدالله العروي في كتابه (العرب والفكر التاريخي) على ان يطلق على شعوبنا العربية. فتأليف التاريخ هو ابداع عربي خالص لا نجد فيه اثرا من المؤثرات الخارجية سواء كانت يونانية ام فارسية مثلما نجد في الفلسفة او في علم الكلام. اي ان التاريخ الاسلامي والعربي ليس نقلا او اقتباسا او استعارة من الغير. كملة تاريخ هي كلمة عربية يملكها العرب. اما الآخرون فلا يملكون الا بضعا من الاساطير والحكايات التي لا يعرف اليقين اليها سبيلا. فهل اخطأنا في فهم هذا التاريخ الذي لا نملك غيره؟ وهل نملك قراءة اخرى لتاريخنا تعطينا الاجابة على كل هذه الاسئلة الحائرة؟ هل يمكن ان نعرف لماذا يمكن ان تقابل دعوة التسامح بمثل هذه الشراسة والاصرار على تراكم الاخطاء وجعل الجرح المفتوح اكثر ايلاما؟ الحاجة الى المعرفة التاريخية لكي نفهم اي علم سياسي فإن علينا ان نستعين في سبيل ذلك بنوع من المعرفة التاريخية ــ كما يؤكد الدكتور قسطنطين زريق في كتابه (نحن والتاريخ) ــ فالكوارث القومية تزيد من درجة الوعي بالتاريخ. ولفهم هذه الكوارث في حجمها الحقيقي لابد من دراسة الاسباب ومعرفة من المسؤول. اننا لا نستطيع ان نغير وقائع الماضي, ولا نستطيع ايضا ان نجعلها تشهد لصالحنا, ولكننا بالتأكيد لا نستطيع ان نرى الحاضر بصورته الصحيحة الا عندما نستوعب التاريخ الممتد خلف كل الوقائع. فهل يمكن ان نعيد قراءة تاريخ هذه المنطقة التي نقف فيها على حافة التناقض لعلنا نصل إلى اجابات معاصرة؟ هل يمكن أن يعطينا الماضي بكل ما فيه من أحداث غامضة الدوافع وغير مؤكدة النتائج اجابات واضحة لوقائع الحاضر التي تبدو مبتذلة من فرط وضوحها ومع ذلك لا نستطيع أن نجد لها تفسيرا منطقيا؟ لا نريد أن نغرق أنفسنا في تفاصيل التاريخ القديم. ولكننا عندما نتحدث عن حضارة ما بين النهرين فإننا نتحدث عن إحدى الحضارات الكلاسيكية الكبرى التي شكلت وجه البشرية في منطقة الشرق القديم. ولعلي أستعين في تتبع الأثر العام الذي تركته هذه الحضارة بالموسوعة التاريخية الضخمة (تاريخ الحضارات العام) , وبالفصول التي كتبها أستاذ التاريخ بالسوربون (أندريه إيمار) . لقد تحدث عن الحضارات البابلية والاشورية والسومرية التي توالى ظهورها في هذه المنطقة باعتبارها حضارات زاهية من حيث ما حققته من انجازات ومن حيث المدة الزمنية التي تواصلت فيها. وهي زاهية أيضا باسهاماتها في الحضارة الإنسانية العامة, وبالتوجهات التي وهبتها لمعتقدات وأعمال بعض الحضارات القديمة. ولكنها حضارة ــ والكلمات التالية ليست لي ولكنها النص الدقيق لكتابة المؤلف حول تقييمه لهذه الحضارة ــ (تفتقر إلى عوامل الاغراء والجمال والطلاوة. ولا نجد فيها إلا مكانا ضيقا للسخرية والفرح. لا بل إن القساوة والكربة المتأصلتين فيها منذ القدم لا تستميلان النفس, كما لا تؤثر فيها الشراسة المقصودة التي يظهرها الأشوريون. وكثيرا ما تلامس فظاظة غير إنسانية حتى غدت هذه الصفة من مقوماتها المستديمة) . حضارة ما بين النهرين هي واحدة ــ كما تعلمنا دروس التاريخ ــ من الحضارات النهرية أي تلك الحضارة التي يستلزم وجود السلطة المركزية والسلطة المهيمنة فيها منذ بدء التاريخ. فالمطر ينزل مقسما على عباد الله من السماء. أما النهر الذي يمر على غيرك قبل أن يمر عليك فهو في حاجة دائمة إلى نظام يفرض تقسيم مياهه وبالتالي ينظم العلاقات بين الجميع. ولذلك فقد نشأت الدولة المركزية في مصر والصين وبلاد ما بين النهرين قبل غيرها كضرورة لابد منها. ورغم تشابه حضارة ما بين النهرين والحضارة المصرية القديمة إلا ان خصائص الحضارة الأولى كانت مختلفة. فقد كانت لها قدرة على التنظيم الجماعي وقد وضعت لذلك عدة مبادئ بمقتضاها يذوب الفرد في المجموعة التي تذيقه العذاب والهوان. ولعل هذا يفسر لنا كيف ان الفرد في بلاد ما بين النهرين احتفظ بقسط قليل من مبدأ حرية العمل مع خضوعه لمقتضيات الجماعة وللأوامر الإلهية ومع خوفه الدائم من التهديدات والأشراك السرية التي تحيط بحياة الإنسان وسعادته. شاهد على حضارة لقد تحولت الدولة المتسلطة في هذه البلاد ومنذ أقدم الأزمنة إلى سلطة مطلقة تفرض رقابتها الدائمة على الفرد. وهي تمتلك اعتقادا راسخا بحقارة الإنسان وبالتفوق الساحق الذي تملكه القوى التي تهيمن على مصير ابن آدم. ولعل هذا ما حدا بسكان بلاد الرافدين إلى المراقبة وتدوين ملاحظاتهم بكل حماس. وقد قادهم هذا إلى تخوم بعض العلوم ولكن بطريقة متواضعة مما جعلهم يقعون في الكثير من الاخطاء. هذه الصورة النقدية المباشرة لهذه الحضارة القديمة, ورغم ما فيها من صفات لاذعة فان هذه الخصائص الاساسية استمرت موجودة حتى بعد ان انتشر الدين الاسلامي, وحتى بعد ان ظهرت خصائص الدولة الحديثة. ان سطوة السلطة المطلقة ظلت مستشرية في هذه البقعة من الارض وقد ولدت الكثير من النزاع والشقاق في تاريخنا الاسلامي كله. ولست أعني هنا الواقعة الشهيرة التي مثلت حدا فاصلا في نظرة الجماعة الاسلامية الى نفسها وهي مقتل الحسين وطقوس الندم التي مازالت متواصلة حتى الآن. ولكني اعني تاريخا طويلا من الفتن والاضطرابات شهدتها واحدة من اكبر الدول في تاريخنا الاسلامي وهي الدولة العباسية. لقد مثلت هذه الدولة نوعا اخر من الحكم المطلق الذي ساد هذه البلاد وكان أهم معالمها هي اقصاء العرب من كل مناصبها الادارية المهمة, واعادتهم الى الصحراء اما بدافع اليأس او بسبب عدم الثقة فيهم, وقربت بدلا منهم الجماعات الفارسية والساسانية التي استولت على كل شيء في الدولة ثم انقلبت على الخلفاء أنفسهم بعد ذلك. لقد اتخذت الدولة العباسية ـ رغم كل ما فيها من ازدهار حضاري ــ طابعا دمويا رافق كل مراحل تطورها, فالخلفاء دائمو الانقلاب على رعاياهم, انقلب خليفتهم الاول على تابعه الامين ابي مسلم الخراساني وقتله رغم الجهود التي بذلها في سبيل الدعوة لبني العباس. وانقلب اشهر خلفائهم هارون الرشيد على وزرائه من البرامكة, وانقلب المأمون على أخيه الامين, وانقلب التابعون على الموالي, وانقلب الموالي على القرامطة. وامتلأت الدولة بخليط غريب من الاعراب والاغيار والثوار ومثيري الفتن والخلفاء من كل صنف ولون. هذه الخلطة ليست تاريخية ولا تنتمي الى زمن قديم. انها موجودة بكل تضاريسها على لوحة واقعنا المعاصر. والعراق اليوم لا يبتعد عن عراق الامس كثيرا ويكفي ان نزيل قليلا قشرة التحديث الهشة حتى تطل علينا كل هذه التناقضات التاريخية بكل ما فيها من حدة وشراسة, تناقضات عرقية وفئوية وجهوية, اراد (الحزب الحاكم) ان يقفز عليها عن طريق تجاهلها, فظلت جذوتها مشتعلة تحت رماد التسلط والعنف. بحثا عن الاتفاق التاريخ على أرض الكويت أكثر بساطة. لم يشهد تلك الموجات الحضارية المتعاقبة ولا الصروح الضخمة ولا الآلهة المتجبرين ولا الحكام المتسلطين. لقد كانت دوما ارضا تعاني الشظف والموارد المحدودة, والذين عاشوا فيها أو لجأوا اليها هربوا من واقع اشد شظفا. لقد كانت الطبيعة شحيحة دوما في هذا المكان, والذين عاشوا فيه صارعوا دائما سلطة اكثر جبروتا هي سلطة الطبيعة, ولكنهم تعلموا منها دراسا واحدا وأساسيا هو ان الانسان لا يستطيع ان ينجو بمفرده ولكن التكافل والتآزر بينه وبين الآخرين هو السبيل الوحيد لمواصلة الحياة, والتكافل يوصل الى التسامح وقبول الآخر. وفي الكتاب المهم الذي كتبه الدكتور محمد حسن العيدروس (تاريخ الكويت الحديث والمعاصر) يقدم لنا عرضا موجزا لهذا التاريخ الطويل فوق هذه الارض التي يعتقد البعض خطأ ان وجودها فقط مرتبط بتفجر ينابيع النفط, فالكويت قد اخذت هذا الاسم منذ نهاية القرن السابع عشر, وهي تصغير لكلمة (كوت) وتطلق على المنزل المربع المبنى كالحصن او القلعة وقيل ان الذي بنى هذا البيت هو محمد بن نفلة بن عريعر وقد ظل هذا الحصن مستودعا وحيدا في هذه المنطقة حتى جاءت قبيلة العتوب للاستقرار فيها وكانوا هم اول من بثوا البيوت الحجرية فيها وبدأوا حكم الاستقرار في هذه المنطقة. ان قرار استقرار قبائل البدو في هذه المنطقة والكف عن الرحيل خلف الماء والكلأ كان تحولا مهما في طبيعة هذه القبائل واسلوب حياتها الذي تعودوه منذ مئات السنين. لقد اداروا وجوهم بدلا من ذلك الى البحر الذي ادركوا انه الوسيلة الوحيدة التي يمكن ان تساعدهم على مواصلة البقاء في هذه البقعة فكان ان احترفوا صيد السمك والغوص بحثا عن اللؤلؤ والتجارة عن طريق السفر الطويل في البحر وهو لم يكن اختيارا سهلا فقد كان الغوص أشد الاعمال مشقة بعد العبودية والسفر الطويل في البحر وهو لم يكن اختيارا سهلا. فقد كان الغوص اشد الاعمال مشقة بعد العبودية والسفر الطويل اشق اعمال الانسان على حياته الاجتماعية والاسرية لقد فعلوا كل ذلك بشكل سلمي ولتأمين حياتهم واسرهم فقد بنوا حول مساكنهم سورا من الطين يحميهم من غزوات البدو الذين لم يعرفوا الاستقرار بعد ويحفظ عائلاتهم وهم بعيدون في مغاصات اللؤلؤ او السفر. وبتطور الحياة لم يعد الامر مقصورا على مجرد الخروج الى عرض البحر واقتناص الرزق ولكن موقع الكويت المتميز بين الشرقين الادنى والاوسط اهلها لكي تكون ممرا مميزا لطرق التجارة والقوافل. ولان هذا الامر يحتاج في المقام الاول الى ادارة حسنة وليس الى سلطة مطلقة فقد اجتمع رؤساء الاسر الثلاث من العتوب في الكويت وهم آل الصباح وآل خليفة والجلاهمة للتفاهم من اجل توزيع العمل بين الاسر الثلاث الكبرى وكان الهدف الرئيسي هو تقسيم العمل وتحديدا الاختصاصات وارساء اسس للتحالف الدائم وقد اسفر هذا الاتفاق عن ان يقوم آل الصباح بالحكم والتنظيم الاداري والاجتماعي للدولة ولكنه ليس حكما مطلقا وانما يقوم في الاساس على استشارة بقية الشركاء بينما تولى الجلاهمة شؤون البحر من صيد للاسماك وبحث عن اللؤلؤ وتسيير للسفن, أما آل خليفة فقد تولوا شؤون المال والتجارة في البر. لقد اقاموا نوعا من العقد الاجتماعي يبدو في اطاره الظاهري مثل نوع من التحالف القبلي ولكنه في جوهره وضع الاساس التنظيمي لنشوء تنظيم اجتماعي يقوم على التعاون والادارة المشتركة. وسوف تتكرر هذه الظاهرة ظاهر اتفاق الاطراف ذوي المصلحة اكثر من مرة في تاريخ الكويت وان اختلفت الصورة قليلا باختلاف الحقب التاريخية حدث هذا بعد خمسين عاما من الاتفاق الاول عندما عزم آل خليفة على الهجرة جنوبا بحثا عن مغاصات اكثر غني باللؤلؤ وكان الاتفاق ورحلوا جميعا الى منطقة (الزبارة) المعروفة في قطر الان ثم منها الى جزر البحرين. وحدث هذا ايضا في العصر الحديث مع مطلع القرن العشرين عام 1921. حين أدرك الكويتيون ان أسلوب المشاركة في الحكم قد أصبح في حاجة إلى نوع من الدعم ينقله من العرف المتبع إلى الواقع المؤسسي. لقد كان أسلوب الحكم قبل هذا التاريخ بسيطا وبدائيا إلى حد ما. فلم يحدث ما يدفع الحكام للانفراد بالسلطة فظلوا يستشيرون وجهاء وأعيان الكويت في مختلف الأمور. أدرك سكان الكويت وهم يستعدون لدخول بوابات العصر الحديث خطورة الاستمرار في أسلوب الحكم غير المؤسسي وجاءت الفرصة في أول عهد الشيخ أحمد الجابر وعقد وجهاء القوم اجتماعا في ديوان أحد وجهاء الكويت لمناقشة هذا الأمر, وبعد مشاورات ساخنة بين الجميع قرروا ضرورة انشاء مجلس للشورى ينظم العلاقة بين الأهالي والحاكم, ولم يتوقف الأمر عند المناقشة الشفهية ولكنهم أعدوا عريضة ــ أشبه بالمجانا كارتا الشهيرة في التاريخ الانجليزي ــ قدمت للحاكم ووقعوها جميعا تجارا وأعيانا وأصحاب رأي وقد وافق عليها الحاكم, وهكذا عقد أول مجلس للشورى في الكويت في ابريل من عام 1921 وتشكل من اثنى عشر عضوا, وكان وجوده خيرا وبركة لا على الأهالي فقط ولكن على أهل الحكم أيضا, فقد حسم عن طريق الاختيار المباشر طريقة وأصول الحكم. وكان اختيارهم الشيخ أحمد الجابر هو اضفاء نوع من الشرعية السياسية على نظام الحكم الذي كان قد اكتسب شرعيته من خلال العرف السائد, تكرر هذا الخيار في المشاركة بعد ذلك مرتين, فقد كانت محاولة 1936 للمشاركة في الرأي والشورى هي السابقة لارساء قواعد الحكم الديمقراطي الذي حدث الوفاق الشعبي حوله, ثم للمرة الثالثة في عام 1961 عندما بدأ العراق يهدد بابتلاع الكويت في عهد عبدالكريم قاسم الذي كان حاكما مطلقا ودمويا في الوقت ذاته الذي تفتح فيه الوعي بأهمية المشاركة بين الحكام والحاكمين. لقد دفع ذلك الأمر أمير الكويت المغفور له الشيخ عبدالله السالم إلى انشاء المجلس التأسيسي لوضع أول دستور للكويت وليضعها على بداية طريق التجربة الديمقراطية التي ما زالت متواصلة فيها حتى الآن برغم العقبات التي قد تعتريها أحيانا. لقد كانت أهم انجازات هذا المجلس هو رسم مسيرة الكويت السياسية والاجتماعية لفترة المد القومي الذي كان يسود العالم العربي بعد الاستقلال. واتخذ العديد من الخطوات التي تعزز الضمانات الدستورية, فقد سن العديد من مشروعات القوانين المهمة مثل قانون انتخابات أعضاء مجلس الأمة وقانون تنظيم البلدية وقانون المساعدات العامة والجمعيات التعاونية والأندية وجمعيات النفع العام. أي انه باختصار وضع كل القوانين المنظمة لنمو منظمات المجتمع المدني وجعلها تؤدي دورها في اطار القانون والشرعية. الطغيان ضد الدستور لقد مهدت الحياة الدستورية في الكويت الفرصة لظهور قوى اجتماعية جديدة, بعد ان تطورت مداخيل النفط دخلت الكويت منعطفا جديدا من التحديث والتطور جعلها في اتصال دائم مع العالم بشكل عام, ومع أمتها العربية وقضاياها المصيرية بشكل خاص. لقد ظهر فيها نخبة من دعاة الفكر القومي الذين دعوا إلى ربط الكويت بأمتها العربية وبقضاياها المصيرية, ولا أبالغ في القول ان الكويت لم تكن لها قضية قومية خاصة بها فوضعت كل طاقتها الوطنية خلف القضية الفلسطينية ولم تكن تعاني أزمات اقتصادية خانقة فوضعت كل فوائضها النقدية في خدمة التنمية العربية ولم تكن لديها مشاعر من الأثرة أو التعصب أو التفوق العنصري ففتحت كل مرافقها للعمالة العربية, في جميع التخصصات, ولقد حدث كل هذا بصورة طبيعية وكتصور تلقائي لمناخ التكافل والتفاهم الذي ساد هذا المجتمع منذ بداية نشأته. لماذا كانت هذه القراءة التاريخية التي استطالت بعض الشيء؟ لأن تلك الحدود الشمالية الهشة التي كانت حتى وقت قريب ضائعة في الرمال كانت تفصل دوما بين عالمين مختلفين ونظامين مختلفين أيضا. صحيح ان العراق والكويت كانا وسوف يظلان جارين وكلاهما عربي يدين بنفس الدين وينطق بنفس اللغة ولكن التطور الاجتماعي والاداري في كليهما كان يمضي دائما في مسارات مختلفة, ولعلني أؤكد ان وجود الكويت بهذا الشكل الديمقراطي التنموي المنفتح كان يسبب قلقا دائما لأجهزة الحكم والتسلط في العراق بسبب عرضه للمثال المتناقض لمسيرة الحكم هناك. ولعلنا نلاحظ ان نغمات الضم والعدوان والتهديد من الأنظمة العراقية كانت تتصاعد دائما تحت عاملين أساسيين, أولهما عندما يكون هناك حكم استبدادي في العراق. وثانيهما عندما يكون هناك تحول ديمقراطي في الكويت. فقد تصاعدت نغمة العدوان العراقي الأولى في عام 1938 مع أحداث المجلس التشريعي الأول وبداية وضع جذور المجتمع المدني في الكويت, تحركت العراق في ذلك الوقت تحت قيادة الملك غازي ـ الذي لم يكن لديه دور يلعبه أو شرعية يكتسبها ـ لينشئ (اذاعة الزهور) التي كانت هدفها الأساسي الادعاء بأهمية إلحاق الكويت بالعراق, بل ان الملك استدعى رئيس أركان جيشه وأمره بغزو الكويت ليلا لولا ان مستشاريه كانوا أعقل منه وأقنعوه بأن هذا سوف يسبب أزمة حادة مع بريطانيا التي كانت ولية نعمة الملك. وبعد ذلك حاول نوري السعيد ان ينصب فخا لعمل اتحاد صوري بين العراق والكويت تحت اسم الاتحاد العربي, ولكن أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم لم يبتلع هذا الطعم برغم الاغراءات التي قدمها له نوري السعيد. وتكرر الأمر مرة أخرى مع استقلال الكويت عام 1961 وظهور المجلس التأسيسي وبداية وضع الدستور الكويتي وكان يحكم العراق طاغيتها المشهور عبدالكريم قاسم. الأبوة المشوهة ان غزو العراق الكويت على يد صدام حسين يأتي في نفس هذا السياق التاريخي, وهو يأتي أيضا وسط سياق سيكولوجي يحدد آليات العلاقة بين النظامين, نظام كويتي ساطع وصريح يعمل تحت الشمس الساطعة مشاركا لشعبه محاولا ان يوفق بين امكانات وحاجات مواطنيه, ونظام آخر مشوه يسعى لقمع مواطنيه وحرمانهم برغم ما توافر عنده من امكانات وبدلا من ان يمارس عليهم دور الحاكم الراشد يحول كل ذلك إلى نوع من الأبوة المشوهة. ان النموذج السلبي الذي شكل ذروة الاشتباك العربي ــ العربي بغزو العراق الكويت, تعود جذور قراراته ليس فقط لملابسات اللحظة التي استبقت الغزو وتمثلت في اختلاف بيني عربي, بل تنبع من ممارسات داخلية مشوهة مارسها المعتدي ــ صدام ــ على شعبه ذاته, ولو كان هناك تصور عن ممارسة ديمقراطية مؤسسية داخل العراق, لكان الاقرب الى التحقق هو حالة لجم للنوازع العدوانية على الذات المجتمعية وعلى الغير في الجوار. من هنا فإن محاكمة النتائج المدمرة التي ترتبت على الحالة العدوانية المستمرة على مجتمع المعتدي وعلى حدود ومجتمعات جيرانه, ينبغي ان تبدأ من محاكمة جذور التكوين السلطوي الفردي, ومن ثم ينبغي ان تبدأ من محاكمة الحالة المشوهة للأبوية السلطوية غير القابلة للدفع او النقض او حتى التحاور من واقع هيبتها القامعة وطغيانها العدواني. وليس الهدف من عملية اخراج جذور الابوية المشوهة والتي يدعوها الدكتور هشام شرابي (الأبوة المستحدثة) في مؤلفه عن (النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي) , ليس الهدف هو معالجة شأن نظام سياسي عربي بعينه, بل الهدف هو تشريح حالة سلطوية عربية مسؤولة ليس فقط عن كوارث ماضية وحاضرة (ومن بينها كارثة غزو العراق الكويت), بل ــ وهذا هو الاخطر ــ ستكون سبباً مباشراً في إحكام مأزق المستقبل حول العنق العربي ان استمر تسلطها في القادم من أيامنا. ان الأب بالمفهوم السيكولوجي ــ في دائرة السوية النفسية ــ هو ممثل السلطة او القوة الحارسة للحدود الاجتماعية والقانون الأسري, وهو بهذا الدور الأبوي (البطريركي) مواجه او مكمل للدور الأمومي (الماطريركي) الحامي والواقي من التدمير ومانح الغطاء لبعض الخروج (الابداعي) عما هو (اتباعي) تحدده سلطة الأب. وعندما ينتقل هذا المفهوم الى السلطة السياسية بشكل مستحدث وشائع, خارج اطار السوية النفسية الفردية, فإنه يتحول الى كابوس يئد التوازن المحكم بين الاتباع والابداع, ومن ثم يهدد النمو الطبيعي والخلاق للمجتمع ولبناته البنائية بدءاً من الانسان الفرد وحتى التجمع الانساني في أشكاله المختلفة, الأسرة, الحي, القرية, المدينة, وحتى الأمة. وحتى ندرك سيكولوجية ما هو شاذ في تلك الابوية السياسية المستحدثة, لا بد ان نعرج على ما هو في اطار السوية السيكولوجية عند مقاربة موضوع الأب من زاوية علم النفس. موضوع الأب في علم النفس درسه كثيرون وركز عليه في دراساته المعمقة والمتأنية عالم النفس السويسري جان بياجيه الذي عرج على موضوع التبعية والاستقلال الذاتي كنظامين للقيم والتشكل الاجتماعي, وبالطبع كان (الأب) هو المحرك الأساسي للموضوعين على اعتبار ان التبعية ترتكز على الخضوع والطاعة وتنهض على أخلاقية السلطة, وهي هنا السلطة الأبوية, بينما الاستقلال الذاتي ينهض على الاحترام المتبادل والعدالة ويعتمد على أخلاقية الحرية, وهذا نقيض التسلط الأبوي. وجد بياجيه ان نظام الطاعة والخضوع لدى الاطفال دون سن السابعة او الثامنة ينكشف عبر ردات افعالهم للأحكام والمواقف الخلقية الصادرة عن أهاليهم والبالغين. وخضوع الأطفال يظل قائما مادام من يصدر الأوامر (السلطوية الأبوية) ماثلا أمامهم, وفي غياب ذلك الأمر يفقد القانون فعاليته. وفي مرحلة تالية ــ بعد الحادية عشرة أو الثانية عشرة ــ تصبح قوة الأمر دائمة حيث ينكفىء الطفل على نفسه ويتمثل صورة الاهل والسلطة. لكن الخضوع يظل غير مكتمل نتيجة تناقض الموقف من الأهل والسلطة. فالعاطفة والخوف يصيران قطبين تتأرجح بينهما الطاعة أو الانصياع. هذا في اطار النمو العادي وسلطة الأب العادي. وفي إطار (العادي) أيضا, تأتي العلاقة بين قاصر وولي أمره, لكن في نطاق الاحترام المتبادل, ويرصد بياجيه ان الاحترام المتبادل يولد في الطفل أخلاقية الحربة والمساواة والعدالة. ويرى بياجيه أن الاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل يولدان في الاطفال بعد الثامنة من عمرهم تغلب العدالة على الطاعة. ويشير بياجيه الى أن هناك ناحية أساسية في الاستقلال الذاتي تؤدي, بالتأكيد, الى احترام القوانين اكثر من احترام التبعية. وخلال هذه المرحلة المبكرة من التحول يبدأ الطفل بالتمييز بين النزوات العشوائية والابتكارات القانونية. كل ما سلف مما رصده بياجيه هو في إطار (الأبوية) العادية, وإن أخذت هذا الاتجاه مرة, أو ذاك أخرى. لكننا نريد بهذا التمهيد أن ننفذ الى جوهر اللاسوية الأبوية, المستحدثة أو المشوهة. خاصة على مستوى السلطة التي تقود مجتمعا لا كائنا صغيرا منفردا, الحدث الذي اقصد اليه يدور عن اغتصاب الدور الأبوي في قيادة مجتمع, وهو نمط سائد في العالم المسمى بالثالث, وهو متجسد في عالمنا العربي, ومثاله الصارخ هو صدام حسين. وبرغم ان هدفي ليس أبدا قصر الحديث عن (حالة) صدام حسين إلا انه نموذج فاقع الألوان للأداء السياسي المكرس للسلطة الأبوية المشوهة, سلطة فرض الطاعة بالقوة, قوة الأجهزة البوليسية والعسكرية وشبه العسكرية, ومن ثم ممارسة الأبوة الشائهة على مستوى المجتمع والأمة بأسلوب العصا والجزرة.. العصا لمن يعصى والجزرة لمن يطيع ويمعن في الطاعة. من هذه الأبوة الشائهة تتولد التشوهات في أداء الأمة, حيث يسود الاتباع ويتآكل الابداع, ويتكاتف النفاق طاردا قول الحقيقة, ومن ثم يتم تزيين كل الاخطاء وتحويل الهزائم الى انتصارات, والاعتداءات على الفرد داخل المجتمع, وعلى الآخرين عبر الحدود الى ضرورات إلهامية (تجلت) في أفق القائد (الملهم) . وتضيع دولة العدل والقانون, ويتحول مفهوم حسن الجوار واحترام القانون الدولي والمواثيق والأعراف بين الأمم الى مجرد أوراق للمناورة تعصف بها ريح (الأب المشوه) , الطاغية, اذا زينت له شياطينه ذلك. ويكون حطب الحريق دائما هو الشعب المستنزف بالحديد والنار وطاعة الرعب. هل بمثل هذا النوع من السلطات الأبوية المشوهة يمكن أن يواجه الإنسان ــ العراقي على سبيل المثال ــ تحديات المستقبل؟ إن الاجابة بالنفي واضحة وضوح الشمس. لكن هذا يفتح علينا باب شجون المستقبل, أو على الأقل همومه, فنلدخل.. فخاخ المستقبل بالطبع سيستدعي عنوان هذه الفقرة ايحاءات تشير ــ لدى العديدين ممن استمرأوا نظرية المؤامرة ــ الى الفخاخ القادمة من خارج الحدود العربية, من خارجنا, لكننا في منعطف الحديث عن تحديات المستقبل امام الانسان العربي, المحكوم بمثل سلطة الآباء المشوهين, مغتصبي الأبوة, التي أشرت إليها. ما أعنيه هو الفخاخ المنصوبة بأيدينا, من داخلنا نحن, فسواء كنا قاهرين أو مقهورين نظل في دائرة المسؤولية عن سيرورات ما يحدث نتيجة آلية القهر. ولننظر الى ما ينتظرنا ــ وراء الباب مباشرة ــ من تحديات مستقبلية حتى ندرك المأزق العربي الذي تقودنا اليه سلطة من مثل سلطة الأب المشوه, بالقهر والسطوة. ان المستقبل يطل علينا الآن, ورغم ان تسميته لم تتبلور بعد, فإن سماته تكمل ــ ولعلها قد أكملت ــ ملامحها, فالعالم يشهد الان تحولا من التحولات التي تحدث مرة كل بضعة عقود من الزمن ويكون لها تأثيرها في البنى السياسية والاقتصادية للدول, كما ان لها تأثيرها في الافراد والأمم وليس التأثير الثقافي ببعيد عما تنتجه هذه التحولات. ثمة نظام عالمي جديد على أرض الواقع المعيش, نظام تدشنه ثورة الاتصالات والمعلوماتية واقتصاد السوق والشركات ورؤوس الاموال العابرة للقارات. وهذه الملامح كلها يقف في حراستها منطق سياسي واجتماعي مختلف عن منطق ساد في فترة سابقة حتمها عدم الاتفاق على شكل سياسي سائد في العالم اما اليوم فانه حتى فلول الحرس القديم من المنظومة الاشتراكية السابقة ينخرطون بحماس تنظيري ــ وربما مشاركة اقتصادية ايضا ــ في تكريس اقتصاد السوق والنظام الديمقراطي واحترام التعددية واعتماد حقوق الانسان كنقاط متفق عليها. هذا النظام العالمي الجديد المؤسس على العلم والتقنية والحرية الاقتصادية والسياسية والمعرفية هو نظام سريع التفاعل وفي حاجة الى مبادرة فردية ومجتمعية, وبمعنى آخر هو نظام في حاجة الى ابداع لا اتباع والا سيكون وحشيا بمعنى آن آلته ستهرس القاعدين والمقعدين. من هنا فإن نظام التسلط الأبوي المشوه والمغتصب حتى لهذه الأبوة المشوهة كنظام صدام حسين, هو نظام ضد التاريخ, لان التاريخ الان يفتح ابوابه على المستقبل. فهل لنا أن نلج هذا الباب المفتوح, ام نظل خارج عتبته مقعدين مقهورين في انتظار تجليات خرف الشيخوخة المبكرة لدى صدام كنموذج لاب مشوه ينبغي ازاحته,وهي ازاحة واجبة, ليس بحكم اخطاء وكوارث الماضي التي ارتكبها ــ ككارثة الغزو ــ بل بحكم كوارث المستقبل التي لا ينبغي أن نتركه يلقي شعبه ــ ومعه العرب جميعا ــ في اتونها.