تشهد العلاقات الاقتصادية الامريكية ــ الاوروبية بوادر مواجهة قد يكون لها انعكاسات سلبية واسعة على حركة التبادل التجاري بين الطرفين , وعلى الرغم من ان الازمة ناشئة عن قضية عادية تتعلق بنظام الواردات الاوروبي من الموز الذي يشكل, في نظر الولايات المتحدة, خرقاً لقواعد التجارة الدولية الحرة, فإن رد الفعل الامريكي الاولي كان عنيفاً حيث هددت واشنطن بفرض ضرائب جمركية عالية (100%) على سلسلة من سلع الاتحاد الاوروبي تزيد قيمتها الاجمالية عن 500 مليون دولار, وذلك للتعويض عن الخسائر المترتبة على تجارة الموز. وتتهم الولايات المتحدة الاتحاد الاوروبي بعرقلة اجتماع منظمة التجارة العالمية لبحث المشكلة, وتقول ان الاضرار الناتجة عن عدم الالتزام بقواعد الانفتاح التجاري الحر التي تؤمن انسياباً طبيعياً للسلع عبر حدود الدول, من دون اية عوائق, تتعدى الجانب المادي في تجارة الموز, أو اية تجارة اخرى مشابهة, والمقصود بذلك اظهار ان هذا الجانب من الموضوع, وهو ما يهم واشنطن في حقيقة الامر, بغض النظر عن فوائده او اضراره المادية ولكن عندما يتبين ان الشركات الامريكية هي التي تتولى عمليات تصدير الموز من دول امريكا اللاتينية, حيث يواجه منافسة شديدة من الموز الذي يستورده الاتحاد الاوروبي من بعض المستعمرات الفرنسية والبريطانية السابقة في افريقيا ودول الكاريبي ودول المحيط الهادي, لتصبح المشكلة في غاية الوضوح, فتضارب المصالح وليس الحفاظ على سلامة قواعد العولمة الاقتصادية, هو السبب في كل ما يحدث الآن, خصوصاً وان بريطانيا دخلت طرفاً رئيسياً في المشكلة, انما لصالح التضامن الاوروبي هذه المرة, وعندما تتخلى بريطانيا عن تأييد الولايات المتحدة, في قضية من القضايا, فلا بد من ان يكون لها مصلحة خاصة في ذلك, وعلى قدر كبير من الأهمية! من المؤكد ان (قضية الموز) الراهنة لا تصل في أهميتها الى مستوى الحصار الامريكي لكوبا, او حصار ليبيا, او احتواء ايران, التي بررت بها الادارة الامريكية (قانون هلمز ــ بيرتون) بالنسبة للاولى, و(قانو داماتو) بالنسبة للدولتين الاخيرتين, حيث ينص القانونان فرض عقوبات شديدة على كل شركة تخرقهما في حال تعاملها مع الدول المذكورة, بيد ان معالجة الازمة الراهنة تتم بالعقلية نفسها, وبالاسلوب ذاته, ما يؤكد كل ما ذهب اليه المحللون في وقت سابق من ان العالم يعيش ازمة حقيقية, ليس فقط بسبب العولمة التي يجري فرضها بالقوة على الدول كافة, وانما لان هذه العولمة لا بد ان تكون امريكية بالكامل وان تكون الولايات المتحدة الطرف الاول, وربما الوحيد, المستفيد منها, فقد سبق لواشنطن ان هددت اليابان بعقوبات مماثلة اذا لم تخضع لشروطها التجارية, كما وجهت تهديدات اخرى الى روسيا في شأن موضوع تعاونها مع ايران في المجال النووي, كذلك فهي تمارس ضغوطاً من النوع ذاته على دول عديدة اخرى, لهذا السبب او ذاك, ما يجعلها ذات مرجعية مطلقة في كل ما يتعلق بشؤون العالم.. الاقتصادية وغير الاقتصادية! وفضلاً عن أن هذه المظاهر الفجة ناشئة في الاساس عن سياسة الهيمنة العالمية التي تطبقها الولايات المتحدة منذ اصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم كله, فهي ترتبط ايضاً بتطورات وظروف امريكية راهنة, وفقاً لتقديرات بعض المحللين, ويعتقد هؤلاء ان الازمة الشخصية التي يواجهها الرئيس بيل كلينتون منذ بعض الوقت تأتي في مقدمة هذه الاعتبارات, وذلك كنوع من التعويض الخارجي, وهو ما ظهرت نتائجه في استطلاعات الرأي التي جاءت كلها لصالح الرئيس الامريكي. لذلك بذل الرئيس كلينتون جهداً واضحاً في خطابه الاخير عن حال الاتحاد, لتقديم صورة مشرفة عن مستقبل الاقتصاد الامريكي, حيث اكد ان فائض الموازنة الامريكية سيبلغ هذا العام 76 مليار دولار, بعد عجز مزمن استمر لسنوات طويلة, كما وعد بتأمين الضمان الاجتماعي للامريكيين في القرن الحادي والعشرين, مما يشكل تطوراً اجتماعياً بالغ الاهمية في الولايات المتحدة. على ان الرئيس كلينتون كان يحاول, في الوقت نفسه, التغطية على امرين: الاول هو ارتفاع العجز التجاري الامريكي في عام 1998 الى حوالي 164 مليار دولار, وبزيادة نحو 60 مليار دولار عن عام 1997 والثاني هو ازدياد المخاوف من امتداد الازمة الاقتصادية التي ضربت البرازيل الى مختلف دول امريكا اللاتينية, مما سينعكس مباشرة على الاقتصاد الامريكي. لهذا فإن تصدي واشنطن لاية محاولة تستهدف الانتقاص من حصة شركاتها في التجارة العالمية يصبح نوعاً من حماية الذات وفقاً لقوانين العولمة ولو على حساب الدول الاخرى, ايا كان موقعها في سلم العلاقات مع الولايات المتحدة, فأمريكا تريد ان تحل مشكلتها اولاً, ولا بأس ان تكون العولمة الاقتصادية وسيلتها الى بلوغ هذا الهدف. فإذا عرف السبب الامريكي.. بطل العجب! كاتب لبناني مقيم في باريس*