من يريد حرق اصابعه؟ سؤال تطرحه القوى الدولية الغربية على نفسها, وهي تنظر من فتحة الباب بعين على الثروات المكنونة في باطن الارض الافريقية, وبالعين الاخرى على الصراعات الدامية الدائرة هناك بلا هوادة دون رغبة حقيقية منها لبذل اية مساع لايقاف نزيف الدم, فحدة قسوة العنف في سيراليون تشتد يوما بعد آخر.. دماء شباب القبائل تسيل في الكونغو في حرب مسلحة مجهولة الاهداف وغير واضحة المعالم وتحيط بها الشكوك, وهناك صراع الحدود الدائر بين اريتريا واثيوبيا والى وقت ليس بالبعيد كانت الولايات المتحدة الامريكية او الاتحاد السوفييتي السابق ــ قبل انهياره ــ على استعداد للاعلان عن ازمة دولية بسبب واحدة من تلك الصراعات في المنطقة الافريقية لان الصراع بين القوتين العظميين في حينه كان في المقدمة على اثبات الوجود والنفوذ والهيمنة, اما اليوم وباختلاف موازين القوة واختفاء الاتحاد السوفييتي وهيمنة امريكا على مقاليد القوى كأمر واقع حتى دون ان تبذل جهدها في تأكيد ذلك قد غير الامر تماما, واصبحت امريكا ومعظم القوى الدولية التي تليها تدير ظهرها للصراع الدائر في المناطق الافريقية, حتى (الافريقي ــ كوفى عنان) السكرتير العام للامم المتحدة اغمض عينه عن الارض السوداء التي اوحلتها دماء ابنائها, فقد اعلن عنان مؤخرا وقف عمليات الامم المتحدة في انجولا وذلك بعد عقد من الزمان نتيجة جهود فاشلة اثبتت عدم قدرتها على جعل هذا البلد آمنا, وربما لم ترد لها هذه الجهود الامن والاستقرار!, فالحرب هناك دائرة والحديث عن السلام امر اصبح مثيرا للسخرية المريرة, ولم يؤد اعلان مجلس الامن مؤخرا الى اي نتيجة ملموسة, والذي اكد فيه على اهمية استمرار عمليات السلام من طرف الامم المتحدة وان ترك انجولا فيه ظلم للشعب, فلم توقف بيانات هذا المجلس حمامات الدم هناك, ولم يضف باعلانه شيئا جديدا, ولم يساهم الا في تأكيد حقيقة مريرة, تتمثل في مساهمته بصورة غير مباشرة في اخفاء اهداف اصحاب المصالح, والذين يعمدون الى ترك كثير من المناطق الافريقية تحترق, فلم يجرؤ مجلس الامن الدولي على اعلان مبادرة سلام عادلة لانقاذ انجولا او غيرها. في الماضي كانت توجد عناصر لمصالح ونفوذ مباشرة, اما اليوم فبلد مثل (فرنسا) المستعمر القديم يقف مراقبا ومشاهدا لسيناريو العنف, فقط من وقت لآخر تخرج بعض التصريحات العنترية التي لاتهدف الا لاثبات الوجاهة الفرنسية على الساحة الدولية فقط, اما الرئيس الامريكي (بيل كلينتون) الذي اعلن في العام الماضي تصريحات اعطت بعض الامل في ملء الفراغ في افريقيا من اجل احلال السلام, خاصة تأكيداته الصريحة بأن عصر الامبرياليةوالصراع من اجل القضاء على الشيوعية قد انتهى, وانه لابد من التوجه لتأسيس ارضية للشراكة مع افريقيا! لكن يبدو ان الوعود والآمال ضاعت في زحام انشغال كلينتون بقضية (لوينسكي ــ جيت) , كما ان وجه ماكينة الاعلام الغربي والمحللين المأجورين في اوروبا قد انكشف, واصبحت اللعبة السياسية واضحة جلية لا تحتاج لخبراء ومتخصصين لفهم قواعدها, اما الصمت الامريكي المطبق حيال افريقيا فهو جدير ببحث اسبابه, خاصة وان ضحايا الحرب الانجولية يتزايدون كل يوم, بل لم يحدث في تاريخ افريقيا ان شهدت هذه الاعداد الكبيرة من قتلى الصراعات, والامر الذي يزيد شدة الدهشة هو ان السيدة السوداء (سوزان ريس) مستشارة كلينتون للشؤون الافريقية والتي تقوم بتنظيم رحلاته لافريقيا السوداء, صرحت مؤخرا بأنه (لاداعي للقلق بشأن افريقيا وانه لا توجد كارثة) , فإذا كانت الحروب والصراعات الدامية في افريقيا لم تكن كارثة فماذا تكون اذا الكارثة؟! ولقد دافعت (سوزان ريس) بشدة عن مبادرة الرئيس كلينتون قائلة بأن عملية الشراكة الامريكية الافريقية هي مشروع طويل الامد, لان امريكا ليس لديها حتى الآن رؤية واضحة عن المشروع, الواضح هو ان امريكا ليس لديها مشروع شراكة مع افريقيا, ومن يعتقد غير ذلك يتعلق في احبال الوهم, فأفريقيا سوف لا ينقذها الا ابناؤها بالدرجة الاولى, وثانيا دول الجوار اصحاب المصالح الحقيقية في الامن والاستقرار, اضافة الى ان امريكا ليس لديها استعداد خاصة في (الوقت الحالي) للقيام بمغامرة ارسال اسلحة وأموال لاي من الفرق المتحاربة في افريقيا, ومكاتب الاستخبارات الامريكية ــ سي آي إيه ــ مشغولة في الاراضي المحتلة تقوم بأعمال تطويع النظام الفلسطيني, والتمهيد لعملية السلام الاسرائيلية المنتظرة مع سوريا, ولا نتوقع ان تتخذ امريكا خطوات عملية تجاه افريقيا قبل الانتهاء من الانتخابات الامريكية التي لم تبدأ بعد. وقبل تفجر الازمة في دول جنوب شرق آسيا كانت توجد خطط آسيوية فعلية لانقاذ افريقيا من الصراعات, وهي مشروعات قائمة على قواعد استثمارية تعمد لتحسين الاحوال الاقتصادية التي هي احد اسباب الصراعات الافريقية, لكن للاسف تجمدت هذه الخطط بسبب الازمة الاقتصادية في اسيا, الآن ماذا تبقى من مشروعات السلام لاعادة الاستقرار ومنح فرص التنمية لافريقيا؟ الغرب الاوروبي غارق في مشكلة الحرب الدائرة في كوسوفو, وروسيا تعاني من ازمة اقتصادية حادة, اضافة لمشاكل اعادة تنظيم الهياكل السياسية في الداخل, والدول العربية بدون استثناء تواجه امتحانات عسيرة لانها لم تتمكن من مواجهة الازمة العراقية, فمنطقة الخليج العربي لم ترتح طويلا من الحرب العراقية الايرانية حتى واجهت اطماع العراق في جارته وشقيقته الكويت والذي تسبب في حرب وخسارة اقتصادية كبيرة لدول الخليج وليس لدى العرب مشروعات سلام لحل مشكلة الجنوب اللبناني, واسرائيل قابعة على صدر الجولان السورية اما ليبيا التي تعاني من الحصار الاقتصادي فوضعها ليس افضل حالا من السودان, والجزائر التي تشهد حالة من الارهاب الذي تدور حوله الشكوك, ليس لديها اهتمام الا بمشاكلها الداخلية, وليس اخيرا المغرب الذي لم ينجح في التوصل بعد لمشكلة الصحراء الغربية وقوات البوليساريو التي تهدد امنه واستقراره, فمن الذي سينقذ افريقيا مما هي فيه الآن؟ انه سؤال من الصعب تحديد اجابته, ولكن يجب التأكيد على ان دول الجوار لافريقيا, خاصة الدول العربية هي التي ستكون اكثر تضررا وخسارة ان لم تبادر هذه الدول لمد يد العون الى افريقيا لتهدئة اوضاعها السياسية ولمد يد العون الاقتصادي, ولا يفوت هذه الدول ان افريقا لاتزال حتى الآن بكرا في العديد من ثرواتها والتي لايجب ان تعصف بها الصراعات وتتقاسمها الاطماع والمصالح الغربية التي يهددها استقرار الاوضاع الافريقية اكثر مما يخدمها. كاتب مصري مقيم في هولندا