الصراع الدائر في الخليج بالوقت الراهن تقوده الادارة الامريكية بمشاركة بريطانية تحت يافطة مجلس الامن وقراراته وبدون دور لاعضائه الدائمين او المراقبين , انها سياسة انقلابية في العلاقات الدولية وعودة الى فترة 1991 ــ 1996 حيث مرحلة هيمنة القطب الدولي الواحد الى درجة بدأ الجميع يدرك بشكل واضح بأن المعركة بجوهرها معركة خاصة بالولايات المتحدة الامريكية ومعها بريطانيا لادامة وضع يدها فوق منطقة النفط والامساك الكامل بخيوط اللعبة السياسية ولعبة المصالح ولو اقتضى الامر تجاهل كل مجلس الامن والدول صاحبة حق الفيتو, وانتج الانقلاب الامريكي ردات فعل عالية الوتيرة من روسيا اولا والصين وفرنسا ثانيا لم تكن تتوقعها واشنطن, انها عودة ساخنة الى اعادة صياغة معادلات العلاقات الدولية لمحاصرة سياسة القطب الواحد, هذا ما وقع في العدوان الاخير حيث تم البدء بالعمليات العسكرية بالثعلب الامريكي وذنبه البريطاني دون علم او تفويض او اقرار من مجلس الامن. والمفاجأة الثانية للانقلاب الامريكي الحضور المباشر العريض للشارع العربي بدءا من فلسطين المحتلة ومصر الى الاردن وسوريا ولبنان امتدادا الى الرباط, وخوف واشنطن من تعاظم ثقل الشعوب والتداعيات في العواصم العربية. الآن يمكن القول بان الادارة الامريكية لن تترك الامور تستقر في الخليج ولن تفسح المجال لرفع الحصار الظالم عن العراق وستواصل بين حين وآخر افتعال كل المبادرات الواهية لتوجيه صواريخ العدوان على العراق وشعبه, ولكن سياسة احتواء العراق لحشره في مربع المصالح الامريكية مرشحة الى الانحسار قريبا تحت ضغط التداعيات الدولية والاقليمية كما انتهت الى الفشل سياسة احتواء ايران تحت ضغط صمود ايران ورفض روسيا والصين واوروبا سياسة واشنطن الانقلابية تجاه المصالح الدولية الاخرى في ايران. استمرار الموقف العربي المتردي من زاوية المماطلة بعقد قمة عربية تستند الى المراجعة النقدية الشجاعة بدءا من مراجعة العراق لسياساته وتحقيق المصارحة والمصالحة, واخذ مبادرات اعادة صياغة العلاقات العربية ــ العربية واللحاق بما يجري في مراجعات صياغة العلاقات الدولية ــ الدولية.. ان هذا الموقف يساعد الادارة الامريكية على استمرار سياستها الانقلابية العدوانية تجاه ليس فقط العراق بل كل شعوب وعواصم المنطقة, ومقارنة ملموسة مرئية بين ما يجرى بين امريكا واسرائيل ومقابلها ما يجرى بين امريكا وعديد من القضايا والدول العربية كافة لانتهاج سياسة التضامن العربي وبدء مرحلة تصويب مسار العلاقات العربية الامريكية في الخليج والشرق الاوسط. ان الاستثمار الفعلي للجو الشعبي العربي الرافض والمندد للعدوان على العراق, كما في استثمار الاجواء الدولية التي بدأت تتعاطى بايجابية مع المطالب برفع الحصار عن العراق. ان هذا الاستثمار يمكن له ان يصنع تأثيراته ويحقق نتائج فعلية فيما لو امسكنا كعرب بمسار المؤثرات الدولية الجديدة, وتوجنا كل ذلك بقمة عربية تحت قبة علم الجامعة العربية تبدأ بالمصارحة والنقد الذاتي الشجاع وتتوج في المصالحة وبقرارات واضحة ملزمة للدول العربية والتوجه الى مجلس الامن والامم المتحدة لاقرار ذلك. نعم يمكن للجهود العربية المخلصة ان تحدث تأثيراتها على الارض وتفعل فعلها في ميزان القوى الراهن لصالح فك ورفع الحصار بشكل نهائي عن العراق وهذا ما يدفع بدوره لرفع الحصار الجائر عن كل من ليبيا والسودان والانتقال لرفع الحصار عن ارض وشعب فلسطين المحتلة وفي الشتات. والشيء الملفت للانتباه بان الخطاب السياسي الرسمي العربي لم يتعامل بوتيرة دافئة مع الموقف الشعبي الرافض والمندد بالعدوان الامريكي ولم يصل الى مستوى ما احدثته المظاهرات والمسيرات وتحطيم السفارات الامريكية بعدد من العواصم, ويمكن ان نسمى هدا الامر في الخطاب الرسمي العربي بمحاولة تجنب مراجعة المواقف مع واشنطن في افضل الحالات ان لم نقل رضوخا من قبل بعض الدول للعمليات الانقلابية الامريكية التي اشاعت في قلوب عواصم عربية ان العدوان الاخير عملية متكاملة الحلقات يتم استئنافها مرحلة مرحلة حتى الختام (بصوملة العراق) واسقاط النظام. سابقا كانت المنطقة العربية تهتز من الماء الى الماء عند اي محاولة لعدوان محتمل على اي قطر عربي, هذا ما حدث في معركة السويس وفي معركة مواجهة الاحلاف الاستعمارية, وفي معركة التصدي لمحاولات العدوان التركية على سوريا في الخمسينات من هذا القرن, وفي مواجهة احتلال 1967 واحتضان المقاومة الفلسطينية العاصف ردا على العدوان واحتلال 67. بكل الحالات تبدو الاهمية القومية بان يتم عقد القمة العربية بحضور الجميع على قاعدة (المصارحة والمصالحة) للتوصل الى قرارات عربية مسؤولة, ناضجة, لا تستوعب وتمتص النقمة الجماهيرية المنددة بالعدوان على العراق, بل تستثمر الاجواء والمناخات الشعبية العربية والمناخات الدولية باتجاه اتخاذ خطوة نوعية عنوانها رفع الحصار العربي من طرف واحد عن العراق ودعوة مجلس الامن والامم المتحدة للنحو بهذا الاتجاه بمساعدة روسيا, الصين, فرنسا التي تضررت مصالحها جراء سياسة العدوان الامريكي في منطقة الخليج, وعلينا جميعا ان نلحظ ان المواقف الرسمية العربية متخلفة عن المواقف والتفاعلات الدولية الجارية. فالدول الكبرى (روسيا, الصين, فرنسا) لها مصالح كبرى في الخليج والشرق الاوسط وتجربة كل منهما المرة مع واشنطن/ بريطانيا, تدفع بالدول الثلاث الآن الى خطوات عملية ملموسة لحماية مصالحها, وهذا لن يكون الا باعادة صياغة العلاقات الدولية على قاعدة جديدة في اطار مجلس الأمن الدولي وليس الصفقات الثنائية والثلاثية كما حصل بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ودوران سياسة موسكو بين 1991 ـ 1996 في فلك السياسة الامريكية. الآن على العواصم العربية ان تلحق بنفسها قبل ان يفوتها قطار اعادة صياغة العلاقات الدولية بدءا من اعادة صياغة الاوضاع في منطقة الخليج على يد الدول الخمس الكبرى, بدلا من الانحناء للصياغة الامريكية وفق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الامريكية. وكما كان مؤتمر مدريد ومسلسل تداعيات (تسوية اوسلو/ واي ريفر) الراهنة كنتاج لتداعيات الانقلابات السياسية في منظمة التحرير (راجع كتاب نايف حواتمة, اوسلو والسلام الآخر المتوازن) وقبل تداعيات الوضع الدولي وكارثة حرب الخليج الثانية بزمن طويل, فان ما يجري راهنا في الخليج لن يكون بعيدا عن كل ما ترسم له واشنطن وتعد من اجل تحقيقه, وبصراحة فك واعادة تركيب الخارطة الجغرافية والديمغرافية والسياسية لبلدان ايران, العراق, الخليج, سوريا, فلسطين, الاردن, لبنان, نلحظ ذلك من خلال الدور الامريكي الراهن في تسوية اوسلو وواي ريفر على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي من مشاريع الحلف التركي الاسرائيلي الى مشاريع الاتحادية الثلاثية (اسرائيل, الكيان الفلسطيني, الاردن) . وبعد زيارة كلينتون الى قطاع غزة يوم 14/12/1998 بدأت المرحلة الثانية من نتائج الزيارة بانطلاق آلة العدوان الامريكية نحو العراق. فالترتيبات الامريكية تجري لبلورة اوضاع مريحة لواشنطن واسرائيل التوسعية في منطقة الشرق الاوسط تحفظ لها ادامة السيطرة وتحقق لها درجة من الاستقرار لتدفق بحر النفط الرخيص وتحجيم ثروة دول الخليج, ولصالح دولة الاحتلال على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية. ان اعمدة العمل العربي لمنع وقوع الكوارث الكبرى تكون بالسير على: * بناء التضامن العربي وفق (المصالح الخاصة والقومية) بين البلدان العربية. * مراجعة سياسة العلاقات والتحالفات الخاصة (القطرية) والعامة (العربية) مع الخارطة الدولية) وفق المصالح بعد ان اصبحت المبادئ القومية (معلقة في الهواء) , فقد هلكت طاقات البلدان العربية بالحروب الداخلية, والعربية ـ العربية والاقليمية على مساحة الثلاثين عاما الاخيرة اذا استثنينا حرب اكتوبر 73 دفاعا عن الارض العربية المحتلة بعدوان 1967. * الالتزام المتبادل بين الاطراف والعواصم العربية على المساندة المتبادلة لتطبيق الشرعية الدولية بانسحاب المحتلين الى وراء خطوط 4 يونيو 67 من الارض الفلسطينية والجولان وجنوب لبنان والجيوب الاردنية, فهذا مسار السلام الشامل المتوازن بديلا عن (سلام اوسلو/ الواي اللامتوازن) , سلام الصفقات الصغيرة الثنائية مقابل اللوائح الكبيرة الواسعة من التنازلات عن الارض ونهبها وتهويد القدس وتدمير وحدة الشعب وقواه ومؤسساته الائتلافية الوحدوية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية وتفكيك العلاقات الفلسطينية ـ العربية وتشرذمها بين محاور العواصم العربية المنقسمة على نفسها وعلى قضايا الصراع الفلسطيني والعربي الاسرائيلي. * الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين