قد يبدو من الغريب أن نطرح السؤال حول وضع العالم المعاصر انطلاقاً من صيغة اخلاقية, فنتساءل حول امكانية بناء هذا العالم على مبادىء اخلاقية. فغالبا ما يفكر في الاخلاق بوصفها تهم السلوك الفردي او تهم السلوك بين الفرد والجماعة التي يعيش فيها , وغالباً ايضاً ما يتم التفكير في الاخلاق على أنها مجال بعيد عن السياسة. وهذا ما يبعد التفكير في هذا المستوى عن مثل السؤال الذي نطرحه اليوم. لا غنى مع ذلك عن القول بأن في السياسة جانباً اخلاقياً, لأنها سلوك بشري يتضمن علاقات بين بشر يصدر عنهم الفعل السياسي وآخرين يتوجه اليهم ذلك الفعل مادياً او رمزياً. لا بد من التأكيد ايضاً ان هذا المجال العام الذي يتمثل في العالم المعاصر في علاقات الأمم بعضها ببعض يحسن بدوره جانباً اخلاقياً حقيقة الواقعية الساذجة القائمة على تبرير ما هو قائم, او الاكتفاء بوصف ما هو موجود متوهمة انها تصف حقيقة الواقع, فكما ان السياسة تقوم على مراعاة ما في الواقع من تقلبات وتوجهات ومصالح, فإنها تعبر ايضاً عن ارادة الانسان في التعالي على الواقع القائم, والاتجاه نحو ما يعتقد الانسان نفسه انه يمثل الصورة الحق الانسانية. ان اتجاه الانسانية نحو السلام والعدل والنظام رمز الى هذا التعالي الذي تحدثنا عنه, فهناك انسانية واقعية قد تعيش الحروب او الدمار او التسابق نحو اكتساب ما يدمر حياة الانسان فرداً وجماعة وربما لم تكتسب الانسانية طوال تاريخها من وسائل التدمير الذاتي مثل ما هو متوفر لها في هذا الزمن, ولكن, هناك ايضاً الانسانية التي تتعالى على ذاتها, والتي تحاول ان تجد الشروط لتجاوز الحروب المدمرة والوصول الى حالة سلام دائم وعادل بين الأمم. وهذا التناقض في نظرنا ليس مجرد ازمة اقتصادية او تقنية او مادية تتعلق بالحاجات, بل هو ازمة اخلاقية عميقة في عالم اليوم, على الانسان في هذه الازمة ان يتعرف ذاته: هل تكمن انسانيته الحق في الاتجاه نحو التدمير الذاتي ام في الاتجاه نحو الحفاظ على النوع وقيمته وكرماته عبر طلب الأمن والسلام للجميع؟ عندما طرح علينا الامر بهذه الصيغة وجدنا انفسنا نفكر عبر تناقض الوضع في نوعين من الاخلاق لهما خلفيتان فلسفيتان مختلفتان, بل هما متعارضتان. الخلفية الفلسفية الاولى هي التي يمكن ان نعبر عنها بصيغة ارادة العدل, واما الخلفية الفلسفية الثانية فهي التي ندعوها ارادة القوة. يخطر في بالنا ونحن نستخدم هذين التعبيرين فيلسوفان يعود احدهما الى القرن الثامن عشر, ويعود ثانيهما الى القرن التاسع عشر, وهما الألمانيان كانط ونيتشه, فالتعبير بارادة العدل يذكرنا بمفهوم كانط عن الارادة الطيبة في المجال الاخلاقي الفردي تلك الارادة التي وصفها هذا الفيلسوف بأنها اغلى شيء في هذا العالم, وكذلك نصف نحن ارادة العدل في هذا العالم فهي اثمن شيء يمكن ان يوجد فيه بالنسبة للانسان حين تسوده وتوجه سياساته, اما التعبير بارادة القوة فإنه يذكرنا بالفيلسوف الالماني نيتشه ومفهومه عن الانسان الاعلى, وارادة القوة في نظر نيتشه هي ما يمثل الانسان الحق, اما ما دونها من قيم أخلاقية فإنها لا تمثل الا الانسان الذي يكون في مرتبة اخرى. ليس غرضنا الدخول في هذين المفهومين ولكننا نقول ان الصراع في هذا العالم يماثل التناقض الموجود بينهما. فما الذي يتمثل فيه الانسان الاسمى في عالم اليوم؟ هل هو الإنسان الذي يعتمد القوة ويجد ذاته فيها أم هو الانسان الذي يمثل الرغبة في العدل والسلام ويجد ذاته فيها؟ لا نؤمن مثل نيتشه بأن الاخلاق سلاح الضعفاء وان القوة موقف الاقويا, وذلك لان ارادة القوة تتضمن تناقضا يكمن في امكانية استخدام الجميع لها, القوة ليس لها معنى إلا أن تكون بالنسبة للبعض دون البعض الآخر, وهي لذلك تشطر إنسانية الانسان الى شطرين: الانسان الذي يمارس القوة لأنه يجدها التعبير الأسمى عن إنسايته, والانسان الذي يخضع للقوة ويفقد خلال خضوه لها انسانيته. ففي الصراع بين القوة والعدل تتحقق انسانية الانسان بمعنى, وتضيع بمعنى آخر, وفي هذه المفارقة المأساة الاخلاقية لعالمنا المعاصر. يدفعنا التناقض السابق الى ان نبتعد عن تأييد ارادة القوة والاتجاه نحو التفكير انطلاقا من ارادة العدل. ونرى ان التناقض بين هاتين الارادتين تعبر عنه في عالمنا المعاصر مسألتان: التقدم العملي والتقني في مجال السلاح, من جهة, ثم التقدم في بناء منظمات دولية تهتم بتحقيق السلام والامن في العالم من جهة أخرى. ومصير الانسان القريب والبعيد في الوقت ذاته متعلق بحيثيات هذا الصراع وبصيرورته. ومايزيد من حدة الصراع هو التقدم العلمي والتقني الذي اصبح بدوره يلعب دورا ايجابيا واخر سلبيا في حياة المجتمعات الانسانية, اذ بقدر ما طور الحياة الانسانية كيفيا وكميا وكان له كذلك آثار سلبية عند استغلاله لتطوير اسلحة الدمار. فالتقدم العلمي والتقني بدوره يخضع اما لارادة العدل أو لارادة القوة, وهو يكون في خدمة الانسانية في الحالة الاولى وفي خدمة دمارها في الحالة الثانية. تنبهت الانسانية المعاصرة بعد قيام الحربين العالميتين في القرن العشرين, وبعد ما تلاها من حروب مختلفة في انحاء العالم, الى خطر الدمار الذي تمثله هذه الحروب, والى التهديد بالفناء الذي يمثله هذا التسابق الذي نشاهده اليوم نحو اكتساب وسائل الفتك المختلفة بحياة الانسان. تنبهت الانسانية الى ان ارادة القوة المغرية بانسان اعلى تتجه بالانسانية الى تهديد وجودها, وتجعل المفارقة قائمة في الصيغة التالية: ان الانسانية التي تتبع ارادة القوة لتحقيق صورة أعلى لوجودها ولتقدمها, تجد نفسها بفضل الطريق تقودها نحو تلك الارادة تهدد وجودها ذاته بالخراب والعدم. ولم تؤد القوة الى الدمار عن طريق الحروب فحسب, بل أدت الى كوارث اخرى منها القضاء على الانسانية بالفقر والمجاعة والاوبئة والجهل. ان ماتنبهت اليه الانسانية منذ قيام الحربين العالميتين المدمرتين هو مادفعها الى البحث عن سبل ايقاف هذا الخطر, فتم عندئذ التفكير في منظمات دولية استشارية وتحكيمية في قضايا العالم. وقد تم ذلك عبر عصبة الامم, ثم عبر الامم المتحدة ومايرتبط بها من منظمات فرعية وجدت لتدعيم العدل وتسهيل التواصل والتعاون بين الامم المختلفة الاصول والثقافات والمنتمية الى جهات متعددة من العالم. ليست هذه المنظمات في نظرنا تجسيدا لارادة القوة التي هيأت العالم لحروب كانت لها آثار وخيمة, بل هي تجسيد لإرادة العدل والسلام التي تريد أن توجه العالم نحو شروط الأمن والتقدم. لم تستطع المنظمات الدولية رغم قيامها ان تمنع مضاداتها اي ما يجسد إرادة القوة, فقد ظلت هذه الإرادة كما لو كانت هي العنصر المكبوت الذي يؤثر في فعل الإنسانية بكيفية لا شعورية. ومن الواضح, حسب التعبير الذي استخدمناه, أن المكبوت يظل دينامياً ويسعى دائماً إلى الظهور على ساحة الوعي, ولذلك نقول رغم ان إرادة القوة عنصراً مكبوتاً لعدم تلاؤمها مع واقع وجود منظمات دولية غايتها العدل والسلام, فإن تلك الإرادة تتحايل, كما هو شأن كل مكبوت, على ما يضادها وتحاول الظهور من خلاله. لذلك نلاحظ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبشكل متزايد الوضوح لا يخفى على ملاحظة الخبير أن إرادة القوة التي تسكن جزءاً من الإنسانية على الأقل أصبحت تتحايل على المنظمات الدولية ذاتها من أجل استخدام توجهاتها ونظمها. ولابد بطبيعة الأمر من أن تصبح المنظمات الدولية في هذه الحالة في حالة حرج بينها وبين ما أصبحت عليه عبر استخدامها لغير غاياتها. ذلك لأن توجيه المنظمات الدولية يجعلها مجسدة لإرادة القوة في الواقع بادعاء خدمة إرادة العدل من حيث المبدأ, وهو الأمر الذي يقود إلى إضعافها وإضعاف الشعور بفائدتها. هناك إذن, صراع بين إرادة العدل والسلام, وإرادة القوة, هناك صراع بين الأخلاق التي يوجهها التقدم في القوة العسكرية كمياً وتقنياً, وبين الأخلاق التي توجهها إرادة السلام. إن وعي الإنسانية بهذا التناقض من شأنه أن يجعلها مهيأة اليوم للبحث عن سبل تجاوزه. فمن الممكن أن تسير الإنسانية في تغليب مكبوتها على وعيها, ولن تكون العواقب إلا وخيمة. غير أنه من الممكن, في جهات العالم المختلفة, أن تغلب الإنسانية إرادة العدل فيها على إرادة القوة, وهذا ما سيقودها نحو استعادة توازن مفقود. إن هذه النظرة التي نغلبها هنا تهم العالم بأكمله, وينبغي أن تهم كل العالم, إن كنا نرى أن البلدان الأقل قوة هي التي عليها أن تدافع عنها. ففي ظل هذا التوازن ستلعب المنظمات الدولية دورها, وستتجه الإنسانية إلى تجسيد الإنسان الأعلى الذي يحقق العدالة ولا يخضع لإغراء القوة. كاتب ومفكر مغربي*