لصديقي الشاعر الصعلوك (احمد فؤاد نجم) قصيدة شهيرة, يشخص فيها حالة الذين يحوزون السلطة أو يعيشون في كواليسها, فيرضون عنها طالما ترضى عنهم, ويصوغون فيها قصائد المدح واغاني الغزل , فاذا غضبت عليهم, طالها سخطهم, وصاغوا فيها قصائد الهجاء واغاني الفضح والتشهير, وفيها يخاطب (نجم) احد هؤلاء قائلا: (حسب الوظيفة/ تظهر حلاوتك/ تظهر مرارتك/ وانت وشطارتك/ لو خفضوك/ ترتفع حرارتك/ لو صعدوك/ تنقلب جيلاتي) وبسبب هذا التناسب العكسي بين ارتفاع المكانة وانخفاض الحرارة, يستطيع امثالي من المعارضين, معرفة التيارات التحتية داخل دائرة السلطة المغلقة فإذا كنت معارضا والتقيت مصادفة بواحد سلطوي, فتجاهلك او نظر اليك بازدراء فمعنى ذلك ان وضعه متين, وقد يكون مرشحا للتصعيد الى منصب اعلى, اما اذا استقبلك بحفاوة وسلم عليك بحرارة, فلا معنى لذلك الا ان حالة الزبون السلطوية في الحضيض, وانه مرشح للتخفيض الشديد في اول اوكازيون سلطوي قادم. ومن التأثيرات الفسيولوجية والسياسية لقانون التناسب العكسي بين الوظيفة والحرارة, ان الزبون السلطوي, يكاد ينزل من فوق كرسي السلطة, حتى يتحول من كائن منتفخ الاوداج, مقطب الجبين, شامخ الرأس, صارم النظرات, يعلق على رأسه لافتة تقول: ممنوع الاقتراب أو اللمس, ويتهم كل معارض بانه حاقد ومبلبل ومشكك ويقبض من السفارات, الى كائن متهدل الاصداغ والاكتاف, وضاء الجبين, حنون النظرات, يعامل الآخرين باحترام وتواضع, وينقلب فجأة من زبون شديد التأييد الى زبون شديد المعارضة, يزايد على اكثر المعارضين تشددا, ولا يقبل اقل من وصف شركائه السابقين في السلطة بأنهم خونة وعملاء. ولو اقتصر الامر على ذلك, لما كان هناك ضرر, بل ولاستفاد كتاب المسلسلات التلفزيونية الميلودرامية من انتقال الزبون الى الحالة سابقا, لكي يكرروا مواعظهم المملة, بأن الدنيا لا امان لها, وبأنها ــ اي السلطة ــ لو دامت لغيرك, لما وصلت اليك, ولألف كتاب الكوميديا منهم, افضل اعمالهم, عنه باعتباره نمطا انسانيا شائعا وآخر مسخرة! لكن المشكلات تكمن في ان اول ما يفكر فيه الزبون اياه, بمجرد انتقاله الى الحالة سابقا, هو ان يكتب, ولانه يكتبها وهو في هذه الحالة الفسيولوجية غير المتزنة, نتيجة للانتقال فجأة, من حالة البرودة الشديدة, الى حالة السخونة الشديدة, فان الاحداث تختلط عادة في ذهنه, فيتذكر اخطاء الآخرين, وينسى اخطاءه, وينسب اليهم جرائم لم يرتكبوها, وينسب لنفسه انجازات لم يرتكبها, ويتخذ منها وسيلة لتصفية الحسابات, وللثأر من خصومه الذين حرموه من الاختصاصات والمخصصات, وطردوه من فردوس السلطة ليجلس على الرصيف مع امثالنا من المعارضين, الذين يجيؤون الى الدنيا ويغادرونها من دون ان يحوزوا اي سلطة, او يذوقوا طعم الجيلاتي, لاصابتهم بارتفاع دائم في درجة الحرارة! ولأن كثيرين ممن يقرؤون هذا النوع من المذكرات السياسية, التي يكتبها اصحابها وهم في الحالة سابقا, ينسون ان الانسان بطبعه ميال لاخفاء اخطائه, او تبريرها, حريص على ان يأكل سرا ما يعجبه , وعلى ان يلبس علنا مايعجب الناس, فانهم يصدقون كل مايرد فيها من وقائع, ويعتبرونه حقائق تاريخية, مع انها مجرد شهادة ينبغي ان يضع كل من يقرؤها في اعتباره الظروف النفسية التي كتبها صاحبها, وان تخضع كل واقعة ترد فيها للمقارنة بما روته عنها الاطراف الأخرى فيها, وللمضاهاة بما ورد في الوثائق الرسمية او غير الرسمية التي دونت عنها وقت وقوعها قبل ان تتغير الظروف, وتتغير النفوس, ويسعى كل واحد للتنصل من المسؤولية والقائها على عاتق غيره, فيغير الحقائق متعمدا, او بفعل ضعف الذاكرة, وان يعمل كل مايوافق عقله ليكتشف مدى انسجامها مع السياق العام للاحداث, ومع السلوك العام للاشخاص, وهذه هي المهمة التي يقوم بها المؤرخون عادة, فاذا لم يقوموا بها, يصبح من السابق لاوانه, التعامل مع مايرد في المذكرات السياسية, باعتباره حقائق تاريخية, وتظل مجرد وجهة نظر قابلة للتصديق, او للتكذيب! أما مناسبة هذا الكلام, فهو الضجة التي اثارها اعادة نشر كتاب (صفحات من مذكرات صلاح نصر) الذي روى فيه اشهر رجال المخابرات العرب, للاستاذ (عبد الله امام) - رئيس تحرير جريدة (العربي) لسان حال الحزب العربي الناصري في مصر - جانبا من مذكراته عبر لقاءات استمرت 60 ساعة, وتضمنت الطبعة الجديدة - وهي العاشرة - فصلا كان صلاح نصر قد كتبه بنفسه اثناء فترة سجنه, وردت فيه وقائع تتعلق بصلة عبد الناصر باثنين من اهم معاونيه, ومن اقطاب الحزب الناصري, هما (سامي شرف) - سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات والفريق (محمد فوزي) القائد العام للقوات المسلحة المصرية, في اعقاب هزيمة يونيو ,1967 اثار نشرها القطبين الناصريين, فقدما استقالتهما من الحزب! وفضلا عن انني لا أجد - من حيث المبدأ - أي مبرر لاستقالة القطبين الناصريين من الحزب لمجرد ان رئيس الجريدة الناطقة باسمه, قد نشر - على لسان آخرين - وقائع تاريخية يعتبر انها غير صحيحة, إذ الرد المنطقي على ذلك هو تصحيح الوقائع من وجهة نظرها, لا الاستقالة, فانني لم أجد في الكتاب ما يدعو لا للغضب, ولا للدهشة, ليس فقط لأن هذه هي الطبعة العاشرة منه, مما يجعله غضبا متأخرا جدا, ودهشة لا محل لها من الاعراب, ولكن كذلك, لأن ما ورد فيه بشأنهما, وبشأن غيرهما, هو نفس ما قاله, وما كتبه صلاح نصر, خلال سلسلة المحاكمات التي تعرض لها بعد أن أعلن (عبدالناصر) - في أعقاب هزيمة - 1967 - سقوط دولة المخابرات, ومنها محاكمته - عام 1968 - أمام محكمة الثورة, بتهمة الضلوع في مؤامرة المشير عبدالحكيم عامر للاستيلاء على قيادة القوات المسلحة, ومحاكمته أمام المحكمة ذاتها في قضية انحراف جهاز المخابرات العامة, ثم محاكمته بتهمة تعذيب مصطفى أمين, وقد انتهت جميعها بالحكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة خمسين سنة, أمضى منها حوالي عشر سنوات على فترتين, ثم غادر السجن, ولم يعش بعدها سوى سنوات قليلة, غادر بعدها الدنيا. وطوال تلك السنوات خاض صلاح نصر معركة شرسة للدفاع عن نفسه ضد التهم الحقيقية والباطلة التي وجهت إليه, بالمقالات والكتب والأحاديث الصحفية, وخاصة بعد الحملة الاعلامية الواسعة التي شنتها ضده صحف دار أخبار اليوم, في أعقاب الافراج عن مؤسسها مصطفى أمين, الذي اتهمه بأنه لفق له قضية التجسس الشهيرة لأن عبدالناصر كان ينوي أن يعزله عن منصبه, وأن يعين مصطفى أمين رئيسا لجهاز المخابرات العامة بدلا منه! وخلال تلك المعركة روج صلاح نصر لمجموعة من المرويات التاريخية, من النوع الذي يشيعه الجالسون على مقاعد السلطة حين ينتقلون من الحالة حاليا, إلى الحالة سابقا, ومن حالة الجيلاتي, إلى حالة الحرارة الشديدة, فهو أحد ثوار يوليو الذين لعبوا دورا هاما في نجاحها ليلة 23 يوليو, وهو الذي أنشأ جهاز المخابرات المصري على الأسس العلمية الحديثة, وهو الذي حمى أمن مصر وفضح كثيراً من المؤامرات الامبريالية والصهيونية, التي استهدفت القضاء على الثورة, بل واغتيال عبدالناصر نفسه, وهذا كله صحيح إلى حد بعيد, أما الذي هو محل شك كبير, والذي كان طبيعيا أن يقوله صلاح نصر, لأن أحدا غيره ممن يحوزون السلطة, لا يقوله سواء كان في حالة آيس كريم, أو في حالة ارتفاع شديد في الحرارة, فهو اصراره على انه لم يخطىء في شيء ولم يظلم أحدا, ولم يقصر في عمله, ولم يسيء استغلال سلطات وظيفته, وليس مسؤولاً ادنى مسؤولية عن هزيمة ,1967 بل انه على العكس من ذلك نبه اولي الشأن يوم 2 يونيو 1967 الى ان اسرائيل ستقوم بعدوانها خلال 72 ساعة, بضربة توجهها الى سلاح الطيران المصري, وهو ما حدث بالفعل, لكن الذين تلقوا تنبيهه لم يستبينوا النصح الا ضحى يوم 5 يونيو ,1967 بعد ان جرى الذي ما زلنا جميعا ندفع ثمنه حتى الآن! اما وقد اكتشف (عبدالناصر) ان (صلاح نصر) كان يلعب على الحبلين, في الصراع بينه وبين (عبدالحكيم عامر) وانه في الوقت الذي كان يتظاهر فيه بالوساطة بينهما, كان ضالعاً في المؤامرة, او بمعنى ادق المناورة, التي قام بها عامر للضغط على عبدالناصر لكي يعيده الى منصبه على رأس القوات المسلحة, على الرغم من كل ما جرى, وما كان.. فلا بد ان عبدالناصر هو المسؤول وحده عن النكسة, ولان الله خلق الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة خصيصاً لكي يستخدمهما صلاح نصر وامثاله, احدهما او كلاهما, شماعة لاخطائهم, فإن هذا الذي كان يعرف بالاتحاد السوفييتي مسؤول مع عبدالناصر او قبله, عن الهزيمة, اذ كان هو يخطط منذ البداية لكي يحول مصر الى دولة شيوعية تابعة له, لذلك تعمد ان يدفعها الى حرب تهزم فيها, حتى تضطر للاعتماد عليه!! ولان عبدالناصر قد استعان بعدد من معاونيه, منهم (سامي شرف) (الفريق فوزي) و(شعراوي جمعة) و(امين هويدي) في تصفية (المشير عامر) ومجموعته ومنهم (صلاح نصر) حتى يستطيع السيطرة على الاوضاع, واعادة بناء القوات المسلحة لتقوم بدورها كمؤسسة عسكرية محترفة, لا شأن لها بالصراع على السلطة, ولان هؤلاء قد ساهموا في نقل صلاح نصر من الحالة حالياً, الى الحالة سابقاً, فلا بد انهم مجموعة من المتآمرين على مصلحة الوطن الذي هو صلاح نصر شخصياً. اما وقد اضطر عبدالناصر نتيجة لما فعله المشير عامر, والمؤرخ صلاح نصر, الى توثيق العلاقات مع الاتحاد السوفييتي لكي يزيل آثار العدوان, مستغلاً شعور السوفييت بالمهانة نتيجة للهزيمة التي لقيها سلاحهم في حرب ,1967 فإن صلاح نصر, الذي كان ــ في الحالة حالياً ــ يخوض المعركة ضد الامبريالية الامريكية, يكشف فجأة, في مروياته التي كتبها في الحالة سابقاً, انه كان دائماً من انصار تحسين العلاقات مع امريكا, انه طالما حذر عبدالناصر من السوفييت, وانه كان على وشك ان يصل الى نتيجة في هذا الصدد عندما قام بمهمة لتحسين العلاقات بين الطرفين عام 1962. وليس مهماً, ما يحفل به هذا التاريخ من تناقضات, لانه ليس تاريخا, ولكنه مرافعة عن النفس امام محكمة التاريخ, ولان الذين يكتبون التاريخ, وهم في الحالة سابقاً, يغيرون عادة كثيراً من الحقائق التي وقعت وهم في الحالة حالياً, تطبيقاً لمنهج شائع في الدراسات التاريخية العربية, هو منهج (يخفضوك ترتفع حرارتك.. يصعدوك تنقلب جيلاتي) .