بات واضحاً حرص واشنطن على إدارة الأزمة العراقية بصورة تضمن استمرار مصالحها فقط بعيداً عن أي اعتبار آخر, ولو كان ذلك الأمم المتحدة أو الشرعية الدولية وحتى أبسط قواعد القانون الدولي أو القيم الانسانية . والواقع ان طريقة التعامل الامريكي تزيد الأزمة العراقية تعقيدا وتجعل معاناة الشعب العراقي أكثر مأساوية يوماً بعد آخر. فالعراق والمفترض انه دولة مستقلة ذات سيادة, وعضو في الامم المتحدة قد اصبح كلأً مستباحا امام الطيران الامريكي والبريطاني الذي لايفتأ يضرب مواقع ليست بالضرورة عسكرية وبحجج مكرورة ومستهلكة. ومن الضربات الجوية التي جعلتها واشنطن ولندن حقا لهما, الى الامم المتحدة التي استغرق فيها ملف الاسلحة العراقية وقتا أكثر مما يستحق, ورغم اجماع العقلاء جميعا على الطريقة الشاذة والغريبة التي تشوب عمل اللجنة الدولية المكلفة اسلحة الدمار الشامل العراقية (يونسكوم) , والمطلب المنطقي بضرورة اعادة تشكيلها ووضع عناصر محايدة بعد ان بدا واضحاً جاسوسية وعمالة رئيسها ريتشارد باتلر, فضلا عن طريقة عمل اللجنة ــ كشفت مناقشات مجلس الامن الاخيرة بشأن اللجنة مدى تمسك الولايات المتحدة وبريطانيا بضرورة استمرار عملها دونما تعديل رغم حرص فرنسا والصين على اعادة النظر في امر تشكيلها وتغيير باتلر, واذا كان حسم ملف الاسلحة العراقية الذي تحدده اللجنة يعد بارقة امل في امكانية رفع الحظر والحصار الذي طال أمده إلا أن واشنطن لاترى ان استمرار اللجنة بالصورة التي عليها ضمانا لاستمرار الحظر مطمئنة الى التجربة السابقة للجنة ورئىسها باتلر, الذي لم يعدم الحيلة في اطلاق الحجج والاستفزازات لاطالة امد ملف الأسلحة لاطول فترة ممكنة. ولم تعد المرحلة الحالية تتطلب المزيد من التسويف بشأن الملف ويتعين الاستجابة للمطلب العادل باعادة التشكيل لسد الذرائع على كل من واشنطن وبغداد, فقد آن لهذا الملف ان يغلق.