قالوا قديما اذا اجتمعت النساء في اي مكان, كان حديثهن عن الرجال! واذا اجتمع الرجال تحدثوا عن المال واحوال المعيشة. فهل مازال الوضع اليوم في احاديث الناس كما كان سابقا ؟ تستطيع اليوم اذا جلست في واحد من المقاهي المفتوحة التي تضج بها المدينة, والتي تضج هي بانواع من البشر مختلفي الوجوه واللغات والثقافات والاعمار, ان تتبع نبض المدينة, وتتابع احداثها وتغير معالمها. في عالم المقهى المفتوح على هواء الخارج, وضوضاء البشر ووقع اقدامهم, واصواتهم, في هذا المكان يمكنك ان تقرأ خريطة المدينة بشكل آخر, وان تدخل طقوسها من فضاءات مختلفة, هي - المقاهي - ليست لونا للوطن بالتأكيد, وليست نبض اناسه الطيبين البسطاء الذين لم يسمع - بعضهم - بعد بعالم المقاهي المفتوحة على الطريقة الفرنسية. مع ذلك, وباعتبار ان المدينة كلها من الاساس لم تعد وطنا صارت منفى اختياريا للجميع, وعربة القطار المشتركة لكل الراكبين والغرباء, من هنا يصبح المقهى جزءا من التركيبة الاجتماعية التي يعاد صياغتها في كل مكان من الكرة الارضية لصالح تيار العولمة الجديد, وتحديدا مدن العالم الثالث ذي الحضارات المفعمة بالطقوس الحميمة, والعادات الدافئة التي لايراد لها الاستمرار. في المقاهي المفتوحة تثرثر النساء بصوت عال لا يتناسب مع طقوس الجلوس في هذا النوع من المقاهي, ودون ان يغضب منا احد فالمقصود بالنساء هنا - نساؤنا العربيات, وان كانت الغربيات لاينقصهن الصوت العالي ايضا, وغالبا مايدور الحديث النسائي - هذه الايام تحديدا - عن آخر اسعار الاسهم من حيث العرض والطلب, اضافة لما يدور في دهاليز المكاتب واماكن العمل, ثم لآخر مستجدات الوضع على الساحة الاجتماعية كاجازة الخميس والجمعة, ودوام الاولاد في المدارس الخاصة, ومشاكل الشغالة, والامور الشخصية والعلاقات الخاصة. يمكنك في مقهى مفتوح ذي مكانة مرموقة, ومزاج (ليبرالي) حر, ان تلمح بشكل واضح تفوق حضور الرجال, وانسحاب النساء تدريجيا من المكان لصالح الجنس الآخر, وكأن هذا الجنس قد صادر حرية التمتع بجلسة هادئة حرة من المرأة من خلال نظرته السلبية لهذه الممارسة التي يعتبرها حقا موروثا شرعته السماء له, وجريمة نكراء تستحق المرأة العقاب عليها اذا مارستها. في سماء المقهى واجوائه, يمكن للمدينة الجديدة ان تؤسس تقاليدها وطقوسها الجديدة بعيدا عن تعقيدات كثيرة, وخصومات ابدية مع الذات الحياة, حيث لامانع من اجتماع اشخاص لمناقشة قضية اجتماعية او سياسية او رياضية, وتداول جماعة اخرى لكتاب صدر حديثا, وفي الجوار يمكن ان تجلس سيدة وقورة تتداول مع صديقتها آخر ما كتبه (جهاد الخازن) في صحيفة الحياة ضمن زاويته اليومية (عيون وآذان) وبالقرب منهما تتناقش مجموعة من الشباب بحيوية جميلة في امر الشارع الرياضي الاماراتي او الاسباب التي تدفع الكونجرس الامريكي لتطويل محاكمة الرئيس كلينتون مع غمز لايخفى لقضيته مع مونيكا لوينسكي. عالم المقهى جدير بالتأمل, ومنه يمكنك الخروج بشيء جيد, ولاننسى ان كتابا وشعراء انهوا اعمالا جليلة على مقاعد هذه المقاهي, حيث يرفدك هذا العالم بابداعات لاتحصى.