عندما أقيمت اسرائيل في العام 1948 كان قد ترسخ في خريطتها السياسية ثلاثة اتجاهات اساسية, أولها وأهمها الاتحاد العمالي الصهيوني, والذي يعتبر حزب العمل الاسرائيلي وريثه الحاضر , والثاني الاتجاه اليميني والذي انقسم الى شقين احدهما (علماني) يمثله حزب حبروت الذي تطور لاحقاً الى الليكود, والشق الثاني (ديني) وقوته الاساسية (المفدال) و(حزب اغودات اسرائيل) والاهم حزب (المفدال) , أما الاتجاه الثالث فقد كان اتجاها يساريا مثله الحزب الشيوعي الاسرائيلي, والذي ورثته لاحقا الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والمعروفة اختصاراً (حداش) . والاسس العامة لبنية الخريطة الحزبية الاسرائيلية التي ظهرت في اعقاب قيام اسرائيل, انها تعبير عن صوت اليهود الغربيين (الاشكيناز) الذين كانوا العدد الأكبر في عداد الموجات الأولى من المهاجرين اليهود الى فلسطين, وجزء كبير من هؤلاء وفد من وسط وشرق أوروبا, فكان أكثر تأثراً بالأفكار العمالية وبتجاربها التنظيمية والسياسية, كما أنه وفي حمى التوجهات الصهيونية لاقامة كيان يهودي استيطاني ترسخت السمة اليهودية في الخريطة السياسية الاسرائيلية وهذه العوامل مجتمعة ومتفاعلة, اعطت ملامح عامة للحركة السياسية في اسرائىل يمكن تلخيصها انها حركة يهودية, اشكينازية متأثرة بأفكار وتجربة الحركة العمالية الأوربية. غير ان الحياة الحزبية والسياسية الاسرائيلية أخذت تشهد تبدلات نوعية في بنيتها وسياساتها, وكانت مرحلة السبعينات مفصلا في تحولاتها, وكان في تعبيرات ذلك التحول الاساسية وصول اليمين الصهيوني ممثلا بالليكود الى السلطة وابعاد الاتجاه العمالي عنها, وبدء تزايد حضور دور الجماعات الدينية الصغيرة في الحياة السياسية الاسرائيلية. وكان ذلك التحول ثمرة مهمة للدور المتزايد لليهود الشرقيين (السفارديم) في صناديق الانتخاب, حيث وقفت اكثريتهم الى جانب القادة الأكثر يمينية وتطرفاً وحملت مناحيم بيجن وانصاره الى سدة السلطة, والتي كان الاتجاه العمالي الصهيوني بزعامة حزب العمل, قد احتفظ بها نحو ثلاثين عاماً من عمر الدولة العبرية. ورغم هذا التحول فقد حافظت الحركة السياسية الاسرائيلية على ملامحها الاساسية فظلت يهودية رغم بروز الحضور العربي في تنظيماتها, واشكينازية رغم كثافة حضور (السفارديم) في صناديق الاقتراع, ووقفت على مسافة تكاد تكون متساوية ما بين الصهيونية العمالية التي يمثلها العمل والليبرالية الصهيونية التي يمثلها الليكود. ويبدو أن العشرين عاماً التي اعقبت صعود الليكود عام ,1977 قد أسست لتحول آخر في الخريطة السياسية الاسرائىلية, ذلك انه ومع انتخابات الكنيست الرابعة عشرة أواسط عام ,1996 حدثت تبدلات وتحولات أساسها ضعف متبادل في صف الحزبين الرئيسيين في الخريطة الاسرائيلية وهما العمل والليكود, بحيث وصلت قائمة كل منهما الى أكثر بقليل من ربع اعضاء الكنيست, وتوزعت الاحزاب الاخرى نحو نصف مقاعد الكنيست, وثمة تحولات أخرى لاتقل أهمية, ومنها بروز أحزاب تمثل جماعات من المهاجرين اليهود على نحو ما ظهر في (اسرائيل بعلياه) التي تمثل اليهود الذين هاجروا من الاتحاد السوفييتي السابق, ومن تلك التحولات الحضور العربي ليس في الكنيست فهذا أمر قد حصل في المرحلة السابقة, بل حضور التنظيمات العربية داخل الكنيست وهو الحدث الاهم, وقد تمثل في اتجاهين أحدهما كان التحالف في اطار قائمة حداش والتي ضمت الحركة الاسلامية والحزب الديمقراطي العربي, ولكل منهما عضوان في الكنيست. غير أن التحولات في الخريطة السياسية الاسرائيلية التي ظهرت في انتخابات 1996 لم تكن سوى مؤشرات لتحولات اكبر وأكثر تأثيراً سوف تشهدها الخريطة السياسية الاسرائيلية مع انتخابات الكنيست الخامسة عشرة المقرر اجراؤها في مايو ,1999 والتي أخذت ملامحها تتبدى في العديد من الظواهر وبينها: ــ اعادة صياغة التكوين العام للحركة السياسية الاسرائيلية, بإضافة تنظيمات جديدة لم تكن قائمة ولا واردة في التكوين العام السابق للحركة السياسية, ومن ذلك الاحزاب التي تمثل جماعات ضغط ومصالح من انصار الاستيطان اليهودي اضافة الى ممثلي الاقلية العربية, وجماعات المهاجرين. ــ الاتجاه نحو اعادة ترتيب الاتجاهات السياسية في اسرائيل, بحيث يتقدم حزب للوسط الى موقع الأهمية الأولى مقارنة بالكتلتين الاساسيتين في الخريطة السياسية الاسرائيلية: وهما (العمل) و (الليكود) والحزب الجديد هو خليط من الخارجين عن احزاب اسرائيلية متعددة ومتنوعة الاتجاه, يقف في الوسط بين سياسة الليكود والعمل, ويتزعمه مردخاي جور وزير الدفاع الاسرائيلي وأحد ابرز مرشحي رئاسة الوزارة في الانتخابات المقبلة. ــ زيادة حدة الصراعات داخل الاحزاب السياسية الاسرائيلية وبخاصة الرئيسية منها, وهو أمر قائم في حزب العمل, لكن تجلياته أكثر في الليكود الذي يمكن القول أن عقد قيادته قد انفرط بعد خروج عدد من أركانه على زعيم الحزب بنيامين نتانياهو ومنهم وزير الخارجية السابق دافيد ليفي, ووزير المالية مريدور, ثم وزير الدفاع اسحاق مردخاي, في حين يتوقع أن يشهد الليكود صراعات أخرى بين نتانياهو وكل من أرييل شارون وموشيه أرينز وآخرين. ــ بروز محاور الاستقطاب الشخصي بديلاً للاستقطاب السياسي والذي نظم الحياة السياسية في اسرائيل على نحو عام منذ تأسيسها, وفي ذلك يمكن رؤية ما يجري داخل الليكود, حيث أن العلاقات داخله لم تعد قائمة على أساس الموقف السياسي, بل على أساس القرب أو البعد عن زعيم الليكود نتانياهو, ومثل هذا الأمر يجري داخل حزب اسرائيل بعلياه الذي يتزعمه ناتان شارانسكي. غير انه من غير الجائز الجزم بأن ما تقدم هو نهاية تحولات الخريطة السياسية الاسرائيلية على اعتاب انتخابات الكنيست الخامسة عشرة, ذلك أن الافق مفتوح لتحولات اكثر دراماتيكية مع اقتراب الانتخابات, حيث تتشكل القوائم, وتعلن البرامج, وفي كل الحالات فإن ماهو منتظر سيكون مختلفاً عما كان, وعماتطورت في اطاره الحركة السياسية الاسرائيلية منذ قيامها عام 1948. صحفي وكاتب سوري