شكل المؤتمر الوزاري العربي بداية وصورة أولية لامكانية استعادة الدول العربية لقدرتها على التعامل مع المسائل الحساسة اقليميا, ففي المسألة العراقية طرح البيان الختامي لمؤتمر وزراء الخارجية العرب الصادر في 24 من يناير عن رؤية سلمية للنزاع حول العراق, إذ عبر الوزراء عن قلقهم وانزعاجهم من استخدام الخيار العسكري ضد العراق وما يترتب عن هذا الاستخدام من ضحايا من بين ابناء الشعب العراقي وقد جاء هذا الأمر في مقدمة البيان الوزاري مما يعني اولوية الأمر بالنسبة لوزراء الخارجية العرب, الا ان مطالبة البيان العراقي بنفس الوقت بضرورة التعاون مع مجلس الأمن في تطبيق القرارات الدولية يعكس هو الآخر مدى تأكيد الدول العربية على ضرورة ان يلتزم العراق بالقرارات الدولية. أما النقطة الثانية الرئيسية في البيان فركزت على التضامن مع الشعب العراقي في معاناته مع التأكيد على ضرورة تضافر الجهود الدولية من أجل ربط هذا المسعى العربي بضرورة التزام العراق بالقرارات الدولية واحترام سيادة دولة الكويت اضافة لاقراره بخطأ ما قام به عام 1990 من احتلال وتشريد. هكذا جاء البيان الوزاري العربي لصالح العراق في أمور كثيرة أي لصالح الشعب العراقي, ولكنه بنفس الوقت في فقراته الأخرى أدان سلوكيات النظام العراقي في استفزاز الدول المحيطة, وأكد على أهمية ان تتخذ الحكومة العراقية خطوات لاثبات نواياها السلمية تجاه دولة الكويت. بمعنى آخر ربط البيان ربطا واضحا بين امكانية عمل الدول العربية لصالح العراق ولصالح مساعدته في شتى المجالات وبين كف الحكومة العراقية عن الاساءة للدول المحيطة واستفزازها على كل صعيد. ان المؤتمر الوزاري العربي كان متوازنا في توجهاته, وهو في جله اشار الى الطريق الممكن اتباعه من قبل العراق من اجل استعادة وضعه الاقليمي والعربي والدولي, ان الطريق واضح ولا يوجد طريق آخر غيره الا وهو : قيام حكومة العراق بتغيير سياساتها المعادية للمحيط العربي, وتخليها عن الأوهام الامبراطورية وأوهام الحرب الباردة وأوهام الانتصارات الدعائية وأوهام أسلحة الدمار الشامل والالتفاف على القوانين الدولية والمواجهة التي لا نهاية لها مع الولايات المتحدة, بمعنى آخر البيان الوزاري العربي وضح بأن امكانيات العرب في مساعدة العراق مرتبطة بمدى استعداد الحكومة العراقية على تغير السياسات التي ادت للوضع الراهن, اي بمدى استعداد الحكومة العراقية لمساعدة نفسها. لكن خروج وزير الخارجية العراقي من المؤتمر مثل استمرارية خطيرة لنهج الحكومة العراقية في التعامل مع القرارات العربية والدولية, في هذا لم يكن هناك جديد, فكما احتج العراق بشدة عام 1990 على قرارات مؤتمر القمة العربي التي طالبته بالانسحاب من الكويت والتي سعت لتحذير العراق من العواقب والمخاطر نجد أن العراق يحتج اليوم على المؤتمر الوزاري العربي الذي يقول له بأنه لا يوجد طريق آخر لاختصار الآلام الراهنة الا من خلال الشرعية الدولية والتعاون الدولي والاقليمي. الشيء الذي تؤكده سلوكيات الحكومة العراقية هي استمرارية العقلية السائدة في العراق فسياسة وزير الخارجية العراقي في المؤتمر الوزاري العربي ارادت تفجير الاجتماع الوزاري وابرازه وكأنه لا يتعاطف مع محنة الشعب العراقي, وذلك لأسباب داخلية عراقية, المشكلة العراقية اليوم هي فقدان التوازن السياسي والاعلامي, بل ان مقالة الرئيس العراقي صدام حسين في صحيفة (الجمهورية) منذ أيام نموذج من نماذج التصعيد الدعائي والتهجم على الكويت والسعودية, وهي نموذج لعقلية نظام لا زال يعتقد انه انتصر على ايران وانه انتصر عام 1990 وانه اليوم يواجه المؤامرة الدائمة عليه. ان الدول العربية بما فيها دولة الكويت والشعوب العربية بما فيها الشعب الكويتي هي في جلها متعاطفة مع الشعب العراقي وذلك لأسباب عربية واسلامية وانسانية, ولكن نفس هذه الدول العربية والشعوب العربية لا تستطيع تفسير تلك العداوة التي يكنها الرئيس العراقي للمحيط, ولا يستطيع أحد أن يفسر روحية المغامرة والمقامرة لصالح سياسات لم تأت للعراق الا باسوأ النتائج. ان مشكلة الدول العربية والشعوب العربية انها ما زالت تخشى من النظام العراقي, وهذا الأمر يعود ويجعل تعاطفها مع الشعب العراقي دائما ملونا بخوفها من الحكومة العراقية, وهذا يعني بقاء التعاطف على الصعيد العملي في حدود هذا الخوف, لهذا من الصعب ان يجمع العالم العربي اليوم على سياسة تدعم مطالب الحكومة العراقية لا لعدم واقعيتها او معقوليتها فقط بل وايضا بسبب خوف الدول العربية من ان تكون النتيجة تقوية نظام يتمتع بقدرات فريدة على الصراع المفتوح ويتمتع بقدرات خاصة على تعذيب الشعب العراقي, ولكن وسط كل هذا لقد حقق المؤتمر خطوة باتجاه البحث عن حل والبحث عن طريقة تساهم في اعطاء الأمل والضوء للشعب العراقي وهذا هو الأساس. أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت