للمرة الثانية خلال اقل من شهر يتعرض الرئيس محمد خاتمي في خطاباته الى واحدة من اكثر ملفات العصر التي شغلت النخب الفكرية والثقافية والسياسية على طول العالم الثالث وعرضه لاسيما في عالمنا الاسلامي وبالاخص في ايران . فقد خاطب الرئيس الاصلاحي الايراني الهيئة التأسيسية لحزب التضامن الاسلامي الايراني حديث الولادة التي جاءت لتلتقيه عشية الذكرى السنوية للثورة قائلاً: (ان مقولات مثل المشروطة (الدستورية) والجمهورية بمعناها العام تعتبر من المفاهيم الجديدة (التي جاءت مع الحداثة) لكن مرادفتها لمقولات الحداثة لا يعني ابداً بانها ليست اسلامية) . واضاف خاتمي: (استطيع القول بان العالم المعاصر يثبت تماماً بانه من الناحية النظرية ليس بامكان اية دولة (نظام) ان تقوم الا على اساس ارادة الشعب واستعداد ذلك النظام للمساءلة, نعم قد لا يقبل البعض بهذا او لا يتقبله لكن هذا المبدأ اضحى من مسلمات الحكم) . ونحن من جهتنا اي في ايران اوضح خاتمي: (نعتقد ان الاسلام يقبل (بهذا المبدأ) ويتقبله كما ان دستورنا (قانوننا الاساسي) تم تدوينه على هذا الاساس, ومن الناحية العملية ايضا ليس هناك بالامكان اي امر اخر واية حكومة تسعى لفرض نفسها.. على الناس بدون ارادة الشعب ستحمّل المجتمع خسائر فادحة) . وبيّن خاتمي في موقع آخر من خطابه (بان واحداً من اهم اهداف ثورتنا هو استمرارية حضور وتواجد الرأي العام في الساحة (السياسية والاجتماعية) وضمان حق تقرير مصيرهم بانفسهم, وان قيام التنظيمات السياسية خطوة على هذا الطريق) . وبعد ان بين الرئيس الاصلاحي كيف ان الستين مليون من افراد الشعب الايراني لا يمكن ايصال رأيهم بسهولة الى الحكام وتنفيذ اراداتهم وتأمين حقوقهم في المساءلة والمشاركة في الحكم الا عبر مؤسسات المجتمع المدني والتي من بينها الاحزاب يختم خطابه بالقول: (ان قيام الرأي العام بممارسة حقه في المشاركة لا يحتاج الى دليل او برهان بل حرمانه من حق الترشيح او الانتخاب هو الذي يحتاج الى الدليل والبرهان) . وهذا هو بيت القصيد في حديث الرئيس مع حزب التضامن لايران الاسلامية حديث النشأة والذي اختار الرئيس محمد خاتمي ان يلتقيهم عشية احتفالات عشرينية الثورة ليؤكد مبادئه الانتخابية والرئآسية الاصلاحية ــ وعشية الاستعدادات الجارية لتنظيم انتخابات المجالس البلدية في ظل سجال ساخن وحاد بين الاصلاحيين والمحافظين ليؤكد انحيازه المبدئي والدستوري لصالح الاكثرية الشعبية المطلقة. ان اكثرية الشعب الايراني باعتراف التقارير والاحصاءات الرسمية هي من بين الشباب والشابات التواقين للتغيير والمتطلعين لقيام مجتمع اسلامي مدني متوازن متعدد الاصوات والالوان وقادر على الجمع بين الاصالة والهوية الايرانية الاسلامية ومتطلبات عالم الحداثة المعاصر. فسكان ايران الذين يعتبرون من بين المجتمعات الاكثر شبابا في العالم والذين لا تتعدى اعمار اكثر من نصفهم العشرين عاما يلمس المراقبون بموضوعية ممارساتهم وسلوكياتهم اليومية بانهم شبان (فتيان وفتيات) مندفعون بجرأة نادرة الى ممارسة هواياتهم ومتعهم البريئة وباعتدال وصمت ودون ضجة ومنشغلون في اكثر اوقاتهم بالتنزه في الحدائق العامة او تسلق الجبال او ممارسة رياضاتهم المفضلة وفي طليعتها كرة القدم او التحلق حول بعض الافلام او الكاسيتات غير المصرحة لمتابعة نتاجات عصر الحداثة بما فيها الافلام المقرضة مثل فيلم التايتانيك, دون ان ينقصهم ذلك دينهم او يفقدهم هويتهم الوطنية الاصيلة كما يؤكدون في المنعطفات التي يتعرض فيها الرأي العام للامتحان او الاختبار. يقول المحللون السياسيون والاجتماعيون الايرانيون المعاصرون بان شبان عشرينية الثورة الاسلامية لم يتعرفوا على حكومة الشاه البائدة ونظامه الاستبدادي المتغرب الفاسد, لكنهم ايضا لم يلمسوا بصورة واضحة معالم ثورة الامام الخميني التي يراد منهم ان يحيوا عشرينيتها اليوم ولديهم صورة غامضة ومبهمة عنه. من هنا فان شبان وشابات عشرينية الثورة الخمينية يتحلقون ببساطة حول من يدعوهم الى العيش في مجتمع السلم الاعلى المدني الذي ينبذ العنف ويسعى لنزع التوتر في الداخل وفي العالم المحيط, ولذلك فانهم يضعون صور ذلك السيد الانيق والذي يختار لباسه وهندامه بعناية بل ويعتني حتى بلحيته وصورته الظاهرية بشكل خاص, نعم يضعون صور هذا السيد الانيق الى جانب ابطالهم الكرويين مثل على دائي وخدادا عزيزي ومهدوي كيا وغيرهم, ويحدثونك عن ضرورة النظر الى المستقبل الواعد والمستقبل المشرق الخالي من الحروب والاحقاد. انهم ببساطة جدا يريدون ان يعيشوا بعيدا عن اخطار المخدرات الزاحفة عليهم كما يريدون تجاوز صعوبات الحياة المضنية التي تمنع الكثيرين منهم من الزواج او القيام بمسؤولياتهم الاجتماعية الاخرى تجاه اهلهم وذويهم. من هنا لم يكن الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي يجدف بعيدا عندما كان يغمز من قناة المحافظين الشهر الماضي وهو يقول: (ان شبابنا بحاجة الى متعة شرعية, ولا يمكننا ان نطلب منهم الذهاب الى المسجد فقط) . يقول المحللون السياسيون من جماعة المجتمع المدني الجديد من انصار الخاتمية بان المعركة الحقيقية بين الاصلاحيين والمحافظين عشية الاستعدادات الجارية لاجراء انتخابات مجالس الشورى (البلدية) تدور بالضبط حول كيفية التعامل مع هؤلاء الشباب فتيانا وفتيات غداة احياء عشرينية الثورة الاسلامية. ويضيفون بان الذين يسعون لشطب الاصلاحيين من قوائم الترشيحات لا يملكون في الواقع اي دليل قانوني يبرر لهم عملهم هذا, بقدر ما يسوقهم خوفهم وقلقهم من تعطش الشباب للظاهرة الخاتمية ـ اذا جاز التعبير ـ لاتخاذ مثل هذه الخطوة الرادعة, لانهم يعرفون تماما بان تكريس هذه الظاهرة في اطار مؤسسات مدنية دستورية من شأنه ان يطيح بمقولاتهم التقليدية المحافظة ليس فقط في عقول الفتيان والفتيات بل وعلى ارض المؤسسات وبالتالي يلقي بجماعات المجتمع السياسي القديم خارج تشكيلات وهرم السلطة شيئا فشيئا دون الحاجة الى اقتلاعهم بالقوة كما يدعو الى ذلك بعض المتحمسين او المتطرفين من المحسوبين على الظاهرة الخاتمية. من هنا فان تصريحات احد اقطاب اليمين المحافظ من البرلمانيين عشية عشرينية الثورة كان ملفتا وهو يقول: (ان الثورة تتهددها ثلاثة اتجاهات او مجموعات من الداخل الاولى وهي الداعية الى اعادة النظر في نظريات الثورة وفي تاريخها وفي اساليب عملها وادائها, والثانية هي تلك الباحثة عن مصالحها الفئوية والحزبية قبل كل شيء, والثالثة هي الداعية الى العنف والتي يمكن ان تتواجد في اي جناح او تكتل من التكتلات الداخلية) كما جاء على لسان محمد رضا باهر, ويضيف الزعيم اليميني المحافظ: (لذلك لابد من العودة في تقسيم الاجنحة والتيارات الداخلية الى ما يشبه ايام الثورة الاولى اي جبهة المعتقدين بولاية الفقيه والحكومة الدينية وقيم الثورة وجبهة المخالفين للحكومة الدينية والموافقين لامريكا والمعادين للقيم الثورية) المحللون السياسيون من جماعة المجتمع المدني المنضوون تحت تكتل الاصلاح والتغيير الخاتمي يصفون هذا التقسيم بالمقابل بانه (خلط متعمد للاوراق الهدف منه تشويه صورة الخاتميين من جهة ومحاولة وضعهم في الجبهة المعادية لثورة الخميني من خلال تصنيفهم بالتحريفيين الساعين الى نبذ الخمينية (على طريقة الاحزاب التحريفية السوفييتية السابقة المناهضة لمبادئ الثورة الشيوعية الروسية الاولى) من جهة ثانية, وتطهير جماعات اليمين من فضيحة التورط بمسلسل العنف الاجتماعي والسياسي الاخير من خلال الحديث عن جماعات العنف التي يمكن تواجدها في اي مجموعة او تكتل داخلي اي حتى بين الخاتميين!) . من جهة ثالثة في هذه الاثناء فان المحللين السياسيين المستقلين الذين يراقبون التحولات الكبرى التي يعيشها المجتمع الايراني غداة الاحتفالات بعيد العشرينية الخمينية يلحظون اصطفافا من نوع اخر بدأت تبلوراته وتمظهراته الاولية تظهر مع تسلم الخاتميين سدة السلطة التنفيذية يقف على جانب منه قيادات وزعامات ووجوه دينية وسياسية وفكرية وثقافية بارزة من داخل الثورة تدعو الى اعادة قراءة عميقة ونقدية لتاريخ الثورة واداء كوادرها وخطاباتها وسياساتها الداخلية والخارجية دون المساس بجوهر الثورة ومبادئها, فيما يقف على الجانب الاخر زعامات وقيادات ووجوه دينية وسياسية وفكرية وثقافية بارزة ايضا ومن داخل الثورة كذلك الى عدم المساس بسياقات الثورة التاريخية او نقد ادائها او خطاباتها وسياساتها السابقة واعتبار كل من يتجرأ على اعادة قراءة التاريخ خطرا على الثورة!. ولما كان هذا الاصطفاف لم يتبلور بشكل نهائي بعد بنظر المحللين المستقلين والامور لم ترس على معادلة مستقرة بعد في اي من الصعد السياسية او الاجتماعية او الفكرية الثقافية فان العديد من (الانتهازيين) من الزعامات الليبرالية اللادينية او الدينية او القيادات والوجاهات الاجتماعية الهامشية وجدت فرصتها التاريخية للتسلل الى داخل معادلة الثورة والحكم والسلطة المباشرة احيانا لاهداف خاصة بها, ولما كان العدو البعيد سواء المتمثل بالشيطان الاكبر (امريكا) او غيره من الخصوم وهم ليسوا بالقليل لاسيما من اعداء الثورة المهمشين في خارج البلاد وجد بالتأكيد في هذه الحالة الانتقالية فرصته التاريخية لتحقيق بعض مآربه لذلك فقد يسقط كلا الجناحين الرئيسيين المستقطبين في معادلة استنفار داخلية هذه الايام في اخطاء فادحة في التحليل او الممارسة والاداء مما قد يعرض النظام الى الخطر الجدي. من هنا يرى المراقبون المستقلون دعوات الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي المتكررة الى التسامح وتحمل الرأي والرأي الاخر في اطار القانون والدستور واعتبار ذلك هو الخيار الوحيد الذي دونه الانفجار, بانها دعوة جدية وعميقة لا يجوز لاي محلل اجتماعي او سياسي الاستهانة بها. واذا جاز لنا تكثيف الاختلاف في الرأي بين الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي وبين منافسيه السياسيين بجملة واحدة غداة عشرينية الثورة نستطيع القول بانه يدعو الى اعادة قراءة دستورية ومشروطة للولاية الخمينية بينما يتخوف الآخرون ويقلقون من نتائج هذه القراءة اللماحة التي تكشف ارثذوكسيتهم وجمودهم. كاتب ومحلل سياسي ايراني