نحتاج فعلا في اكثر الاوقات ونحن ننجز معاملاتنا, او نراجع المستشفيات للعلاج, الى اكثر من صبر أيوب, لكي لا ينفجر في احدنا شريان دموي من الغضب او يشتعل فيه الجنون فتحترق اعصابه , وان كنا نرحب جميعا بانفجار المرارة, لا باعتبارها اهون الاضرار وأقلها, بل باعتبارها التعبير الامثل عما يلاقيه احدنا من الامرّين, فتكون المرارة هنا كبش فداء في محله. اما الامرّان (ونتأسف لاستخدام الفصحى بهذه الطريقة) فهما الانتظار وطول الاجراءات, فاذا كانت هناك دوائر ومؤسسات تخلصت منهما فعلا وطورت اجراءاتها وخدماتها فاستحقت من بعد الاجر من الله سبحانه وتعالى على رحمتها بالعباد, ثناء المراجعين من مواطنين ومقيمين, فإن هناك جهات اخرى تراجعت الى الوراء سنة بعد سنة وتخلّفت عاما بعد آخر, حتى أن الواحد منا يتمنى لو أنها تعود الى الوراء سنوات, فقد كانت عندئذ افضل واحسن. غير ان الأسف على الماضي لايفيد, والعودة الى الوراء غير ممكنة, والتطور سنة الحياة وفرض عين أيضا لمواجهة الاعباء الجديدة والتحديات والمتطلبات وهو ما ينبغي على هذه الدوائر التي لا تتحرك الى الامام قيد انملة ان تفهمه وان تعمل من أجله, وان تضع كل امكانياتها المادية والبشرية في رسم وتنفيذ خطط هذا التطوير الاداري تحديدا, لكي تكون في مستوى العصر من ناحية وفي مستوى المسؤوليات تجاه من تخدمهم من فئات المجتمع وقطاعاته. وأكبر فئات المجتمع عموما هم المرضى, فهؤلاء من كل جنس ولون وعمر, ما يجعل المستشفيات على وجه الأخص اكثر الخدمات عرضة للضغط باستمرار, وبالتالي اكثر حاجة للتطوير الاداري المستمر, بحيث تقلل قدر الامكان الامرّين: الانتظار وطول الاجراءات, فاذا أمكن للاصحاء الصبر والتردد ومراجعة الدوائر يوما بعد آخر واسبوعا بعد ثان وشهرا بعد نظيره, فإن ذلك شاق على المرضى كل مشقة, الموت لبعضهم أرحم منه. وهكذا فإن أغلب مستشفياتنا الحكومية لاتزال للأسف بعيدة عن تقديم خدمات سريعة ومريحة لزبائنها من المرضى, الذين يتمنى الواحد منهم لو أنه مقتدر قليلا لكي يراجع العيادات والمستشفيات الخاصة فيرتاح ويريح, فنسأل مثل هذا: إيش حادك على المر, فيقول: الذي أمرّ منه. وبما أن مستشفياتنا أمرّ من المرض نفسه فإن هناك حالات من المرضى تمضي عليهم شهور واسابيع طويلة وهم بانتظار تلقي العلاج من دون جدوى, فيتأرجحون من موعد بعيد الى آخر أبعد عنه, كحالة المريض أمس الذي بث مرّ شكواه للإذاعة, وهو يركض لعلاج سن من أسنانه فيحصل على موعد بعد أسابيع, ثم حين يراجع في الموعد المحدد يُخطر بأن الطبيب مسافر, فُيعطى موعدا آخر بعد خمسة شهور, اي ان علاج سن واحدة قد يستغرق عاما كاملا, يضمن معه المريض قبل انتهاء العلاج وشفاء السن من الالتهاب مثلا اصابة سن اخرى او اكثر بالمرض, هذا اذا سلم على اسنانه ولم يهر جميعها قبل الأوان. على كل حال يستطيع مثل هذا المريض أبو سنة ملتهبة تحويل مأساته الشخصية الى انتصار شخصي له ووطني لبلده, حين يتقدم الى موسوعة جينيس للارقام القياسية فيحظى بشرف تسجيل اسمه فيها بوصفه صاحب أشهر سن ملتهبة في العالم خلال العام الحالي يتم علاجها في وقت قياسي هو عام كامل, فننصح هذا المريض بانتهاز الفرصة لتحقيق مثل هذا الانجاز التاريخي, فما نيل المطالب بالتمني ولكن يخُلع الضرس رحابا, اي على مهل, والله أعلم.