تبدو العملية الانتخابية في اسرائيل, على غاية من الحساسية والغرابة, فهذه الانتخابات تحظى باهتمام اقليمي ودولي كبير , يفوق عدد سكان هذه الدولة ومساحتها وقدراتها الاقتصادية. فالتحضير للانتخابات احتاج الى خمسة اشهر تقريبا, في دولة عدد سكانها خمسة ملايين ونصف!, يقطنون في مساحة صغيرة جدا, ويتمتعون بقدر كبير من التواصل بحكم توفر وسائل الاتصالات والاعلام المتقدمة بينهم, وتأخذ المعركة الانتخابية في هذه الدولة شكل خلافات وصراعات تطال المستوى الوجودي لهذه الدولة فكل البرامج تتحدث عن الامن اولا وتتحدث عن الحفاظ على هوية الدولة اليهودية, وكل طرف يتهم الطرف الآخر بانه يهدد امن الدولة ويهدد هويتها ومصالحها, وانه هو الذي سيحافظ على امنها وهويتها ومصالحها!, وخارج هذه الدولة يجرى اهتمام واسع ومستمر بتطورات المعركة الانتخابية وتفاصيلها اكثر بكثير من الاهتمام بالانتخابات التي تجرى في الولايات المتحدة الامريكية ربما. بكل الاحوال فإن تفسير هذه الحساسيات وتلك الاهتمامات يعود اولا الى ان الدولة العبرية هي دولة فريدة من نوعها, فهي دولة مصطنعة في المنطقة, وتتألف من تجمعات من المستوطنين اليهود الذين لم يستطعوا طوال نصف قرن على قيام اسرائيل, من الانصهار في بوتقة واحدة, برغم كل محاولات الصهر الاسرائيلية والمستوى المتقدم من التجانس فيما بينهم بفضل طبيعة النظام السياسي والاقتصادي وبفضل الثقافة الاسرائيلية, ولعل الانصهار الوحيد الذي يعبر فيه هذا المجتمع عن وحدته هو في مواجهة الطرف الخارجي وبما يتعلق بالمستوى الوجودي لهذه الدولة, اي في اطار الصراع ضد العرب, وتعبر هذه الظاهرة عن ذاتها بوجود تجمعات سكنية للجاليات اليهودية المختلفة, ووجود احزاب وتكتلات وزعامات سياسية لهذه الجاليات تمثل مصالحها وتوجهاتها, ايضا لاينبغي ان يستنتج من هذه الحقيقة ان اسرائيل دولة ضعيفة من ناحية التماسك المجتمعي, فكل ظاهرة لها نقيضها, وهذا امر طبيعي, فبرغم وجود هذا التشرزم السياسي والاثنى, فإن النظام السياسي الاسرائيلي ومستوى الديمقراطية لليهود, والثقافة العلمانية الليبرالية الاسرائيلية, تساهم في وضع ضوابط لهذا التشرزم وتوظفه لصالح التنوع في المجتمع الاسرائيلي وبما يخدم المصالح الاسرائيلية. ثانيا: ان ما يثير هذه الحساسيات والاهتمامات طبيعة المرحلة التي تجري فيها الانتخابات الاسرائيلية, فهذه المرة تجرى الانتخابات في اطار مرحلة انتقالية دولية واقليمية, وعلى خلفية المتغيرات الحاصلة وبدفع من مسارات عملية التسوية, وفي ظل غياب خطر خارجي وجودي, وهذه المتغيرات والمسارات تؤثر في طبيعة اسرائيل بحكم كونها دولة غريبة ومصطنعة في المنطقة, كما قدمنا, ففي التجمعات الاستيطانية يعلو الهم الوجودي على اي هم آخر, والمتغيرات الحاصلة ومسارات عملية التسوية ليستا مجرد مؤثرات خارجية, فعلى خلاف الوضع في اية دولة عادية, فانها بالنسبة لاسرائيل, هي مؤثرات داخلية ستحدد شكل وجود اسرائيل وتتدخل في مستوى قيامها بوظائفها الداخلية والخارجية, من هنا تبدو المعركة الانتخابية هذه المرة على غاية في الشراسة والحساسية, فالوضع هنا يمس مستقبل وجود هذه الدولة. وثالثا فإن الاهتمام الفائق بعملية الانتخابات دوليا واقليميا, يعود الى انعكاسات الانتخابات على الاستقرار الاقليمي في المنطقة, وعلى استقرار عملية التسوية, وهو اهتمام دولي بحكم اهمية هذه المنطقة للدول الكبرى ولمصالح هذه الدول, ثم ان الاهتمام ناتج عن ان الموضوع الاسرائيلي هو موضوع داخلي في عديد من الدول في العالم بحكم انتشار التجمعات اليهودية, وبحكم العلاقة الوطيدة بين هذه التجمعات والدولة الاسرائيلية, من هنا يمكن ان نفهم كيف ان ازمة عملية التسوية, هي الازمة الاساسية التي ادت الى الاطاحة به وبحكومته, وقد ادت هذه الازمة, الى زعزعة استقرار الحكومة, واضعاف اللحمة الداخلية في الليكود, كما ادت الى ازدياد الهوة بين اسرائيل وبين حلفائها التقليديين في اوروبا الغربية وفي الولايات المتحدة, فبسبب مواقفها المتعنتة ازاء عملية التسوية وجدت حكومة نتانياهو نفسها في مواجهة ليس مع العرب فحسب, وانما ايضا في مواجهة مع المجموعة الاوروبية, ومع الولايات المتحدة الامريكية, التي أبدت بوضوح امتعاضا من السياسات الاسرائيلية, التي باتت تشكل اضعافا لمكانتها ولسياستها في المنطقة, وقد عمل نتانياهو على القيام بكل ما من شأنه مفاقمة التوتر على هذا الصعيد, وقد ظهر ذلك لدى زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى اسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية (العام الماضي, كما حصل ذلك ايضا لدى زيارة وزير خارجية بريطانيا, وفي التداعيات المتعلقة, برفض المبادرة الامريكية, وفي المفاوضات التي دارت في واي بلانتيشن برعاية الرئيس الامريكي شخصيا, كما تجلى ذلك في تداعيات زيارة كلينتون للاراضي الفلسطينية, وفي مجمل هذه الاحوال تصرف نتانياهو بشكل استفزازي لم يراع فيه العلاقات الاسرائيلية الوثيقة مع هذه الدول ولا الدعم الذي تقدمه لاسرائيل. وخلال عامين ونصف على تشكيلها تصرفت حكومة نتانياهو وكأنها دولة عظمى تملى ارادتها على الآخرين برغم ضعفها وبرغم التوترات الداخلية والتراجعات السياسية والاقتصادية, وبرغم العزلة الخارجية المحيطة بها, يقول شمعون بيريز: (اعتقد اننا اهدرنا عامين حزينين, اسرائيل كانت تنمو وكان بامكاننا بلوغ مستويات مرتفعة لم يسبق لها مثيل.. توقف الاقتصاد, توقفت المؤتمرات الاقتصادية وتراجعت الحكومات العربية التي كانت في الطريق لاقامة علاقات معنا ان احدا سواء في الداخل او الخارج لا يصدق كلمة واحدة مما تقوله هذه الحكومة) . اما ايهود باراك, الزعيم الحالي لحزب العمل, فيقول: (نتانياهو دمر ثقة بعض الدول العربية باسرائيل, وانه يخاطر بالعلاقات مع الولايات المتحدة اهم حليف للدولة اليهودية, من يتخلى عن امن هذا البلد من اجل الحفاظ على ائتلافه من يقد الى حرب غير ضرورية وحمام دماء.. يوهن قدرة اسرائيل على ان تقف قوية. في كل الاحوال من الصعب تعليق كل الازمات والاخطاء على مشجب ضعف التجربة السياسية بنتانياهو, ذلك ان طبيعة الاستحقاقات الداخلية والخارجية التي تواجهها هذه الحكومة, هي غاية في الصعوبة والتعقيد, ولعل مشكلة نتانياهو الاساسية هي سيره عكس التيارات السائدة اقليميا ودوليا, ومحاولته استحضار الصهيونية التقليدية في هذه الظروف الدولية والاقليمية, التي لم تعد هذه الايديولوجية الخرافية المطلقة ملائمة لها. ان مأزق نتانياهو هو مأزق اسرائيل ذاتها, وهو يتعلق بعدم نضج هذه الدولة لعملية التسوية, وعدم قدرتها على الحسم في الاسئلة المصيرية المطروحة عليها, بالنسبة لتعريف هويتها, وحدودها: السياسية والجغرافية والبشرية والاقتصادية, فأزمة عملية التسوية, في هذه الظروف, هي الى حد كبير ازمة اسرائيل ذاتها, ولكن المسألة الاساسية هنا هي: هل يبقى العرب في مواقفهم بما تريده او بما لاتريده اسرائيل وراعيتها الولايات المتحدة الامريكية؟! وما هو السبيل لحزم العرب لمواقفهم وتحرير ارادتهم والعمل الى تمثل مصالحهم الحقيقية؟ كاتب وصحفي فلسطيني