يبدو ان بعض المواقف الايجابية التي ابداها الفاتيكان في السنوات الاخيرة تجاه القضايا العربية قد اغاظ قوما آخرين فسعوا الى افساد الاجواء بين اتباع اكبر كنيسة مسيحية من جهة, والعرب والمسلمين من جهة اخرى . اذكر هذا مشيرا الى ما تلقيناه مؤخرا من انباء حول اعادة احياء المنظمة التي يطلق عليها (مساعدة الكنائس المضطهدة) . وعندما اقول ان هناك مواقف ايجابية تجاه القضايا العربية , فإن ذلك يشمل بطبيعة الحال تلك الاشارات الصادرة عن الفاتيكان بشأن التفاهم مع المسلمين, والتنويه بالفكر الاسلامي الذي كان له دوره المشهود في تاريخ الانسانية. المنظمة التي تم اعادة احيائها, كان لها دور بارز وكانت نشطة للغاية خلال الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. اي في اثناء الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي ويبدو واضحا من اسم المنظمة ان هدفها الاساسي كان مساعدة اتباع الديانة المسيحية, وقد كان الهم الاكبر في تلك الفترة هو مواجهة الانظمة الشيوعية المضطهدة (بكسر الهاء). وحتى يمكن تبرير وجود المنظمة نفسها مرة اخرى كان يجب ان تتوفر الظروف التي كانت سببا في نشأتها في المرة الاولى اي لابد من وجود اضطهاد ينال الكنائس المسيحية ومعاناة تصيب اتباعها في سبيل تأدية واجباتهم واعبائهم الدينية وهو امر يمكن فهمه وقبوله. لكن المنظمة, وفي سياق ذكر تلك الاسباب اوردت مبررات فيها ادعاءات ستفتقد الدقة, بل والصحة, بشأن وجود حالات الاضطهاد الديني في بعض الدول العربية مثل مصر والسودان والكويت ولبنان لذا كان لابد من التصدي لحالات الاضطهاد تلك, و لــ (شن حرب دعائية ضد الدول الاسلامية) ! وهذه العبارة الاخيرة من التقرير الصادر عن المنظمة المذكورة الذي تم نشره في ايطاليا واوردت الصحف العربية اجزاء منه. ومع نشره اثيرت تساؤلات حول دوافعه واسبابه. هل هي دينية ام سياسية؟ وعن توقيت نشر مثل هذه الادعاءات؟ فضلا عن جدوى المنظمة واهدافها التي اشرنا الى طرف منها قبل قليل. احياء المنظمة صدفة ام مؤامرة؟ اتردد كثيرا في اثبات (نظرية المؤامرة) لانها مقولة العاجزين الذين ينسبون كل اخطائهم ونكباتهم ونكساتهم الى اطراف اخرى تتربص بهم الدوائر ولا شغل لهم الا التكالب والتآمر. غير اني لا استبعد ربط ما اثير في الفاتيكان بشأن منظمة مساعدة الكنائس المضطهدة بما اثارته مجموعات مشبوهة في الكونجرس الامريكي في الصيف الماضي بشأن قانون الاضطهاد الديني, والذي اثار ملف الاقباط في مصر باعتبارهم اقلية مسيحية مضطهدة من قبل الدولة التي تمثل الاغلبية المسلمة! وقد اعتمد متبنو القانون, وبشكل رئيسي على ذلك الملف لتمرير القانون الذي يتيح للولايات المتحدة اللعب بورقة الاقليات كاحدى الوسائل التي تمارسها في الضغط على الدول التي قد تختلف مع واشنطن في بعض الرؤى والمواقف. ربما اقتضت مصالحها الخاصة حدوث ذلك الاختلاف والشواهد على ذلك عديدة. اما كيف يتم اثبات اضطهاد ينال اقلية دينية معينة فذلك امر متروك للمعايير الموضوعة من قبل الطرف الذي يقر مثل تلك القوانين, وخاضع لتقديرها! والذي لا شك فيه ان الاستشهاد بحالة الاقباط في مصر, بحسبانها فئة مضطهدة بسبب معتقدها الديني مجانب للصحة والصواب وقد فنده الاقباط المصريون انفسهم ومن خلال اعلى سلطة دينية تمثلهم وبواسطة البابا شنودة نفسه, الذي اثبت موقفا وطنيا تاريخيا عندما تصدى لتلك الحملات التي استهدفت الوحدة الوطنية في مصر, بل ورفض القول بأن اقباط مصر اقلية في بلادهم فهم في رأيه ــ وهو صواب ــ مواطنون مصريون لا يختلفون عن المواطنين الآخرين في الحقوق والواجبات, ومن قبل ذلك في الانتماء الوطني. والذي يهمنا في خطوة الفاتيكان الاخيرة هو الا يتطور تورط مؤسسة كبرى مثل الفاتيكان في تبني تلك الرؤى التي تطرحها بعض الجهات او العناصر التي لا تعبر عن موقف او رأي الاغلبية لدى الطوائف المسيحية في الدول العربية والاسلامية, ومن ثم ستكون ربما دون وعي سببا في اذكاء نار الفتنة والعداوة بين المسلمين والمسيحيين المقيمين في تلك الدول وتكون بذلك قد تناولت ذلك الطعم السام الذي يراد للطرفين تناوله في سبيل تحقيق مآرب اخرى, لاقوام آخرين. ولسنا بحاجة الى التأكيد على ضرورة الكف عن اثارة مثل تلك النزعات التي قد يسببها احياء منظمات كتلك التي تم الاعلان عنها منذ ايام وذلك تجنبا لتكرار التجارب التاريخية البائسة التي لا تزال الذاكرة العربية الاسلامية تحتفظ بذكرياتها القاتمة, تلك التجارب اوجدت نفس الانطباع في الذاكرة المسيحية الشريفة اذكر هذا واستشهد في هذا السياق بكلام احد العلماء المسيحيين البارزين هو القس اكرام لمعي الذي يقول في كتابه (الاختراق الصهيوني للمسيحية) : ان المسيحية لها تاريخ طويل في الاختراق, ومن اشهر الاختراقات الداخلية, ظهور محاكم التفتيش, والتي تم فيها قتل وحرق مسيحيين ارادوا الاصلاح للدين, وفي تبني الكنيسة الاوروبية للحروب الصليبية, والتي كانت اكبر وصمة في تاريخها, حيث تحالفت الكنيسة مع الامراء والاقطاعيين لاسباب سياسية واقتصادية, وجندت جيوشا ومولتها بصكوك الغفران واعلنت ان كل من يذهب ليحرر الاراضي المقدسة من المسلمين سوف يدخل الجنة بغير حساب, ورغم الشعارات المرفوعة الا ان الاختراق كان واضح الدلالة, اذ كيف تتحول دعوة السلام الى دعوة للحرب والقتل؟! اما الاختراق الخارجي للمسيحية والذي جاء كما يقول القس لمعي من ناحية اليهود, وازداد وضوحا في العصر الحديث وفكرة هذا الاختراق, ان بعض المسيحيين في امريكا واوروبا ارادوا ان يتبنوا فكرة وجود دولة اسرائيل الحديثة على اساس انها تحقيق لنبوءات الكتاب المقدس, علامة على قرب عودة المسيح الى الارض ثانية ولقد حدث هذا الاختراق بذكاء شديد لكي تتبنى الكنيسة فكرة الدولة الصهيونية والمرفوضة تماما من الكتاب المقدس. لا شك ان ما تقدم يعد افادة من عالم مسيحي خبير في شؤون الكنيسة وتاريخها ومن ثم كان من الواجب الالتفات بجدية الى كلامه بحسبانه يعبر عن الفكر المسيحي الذي يحرص على تجريده من آثار تلك الاختراقات التي تستهدفه كما انه يحقق فائدة اخرى تتمثل في تعزيز اجواء التفاهم والثقة مع العرب والمسلمين والذين يجمعهم مع المسيحيين مشترك انساني وايماني. دعوة لاستثمار الاشارات الايجابية بالتأكيد لا يعد القس اكرام لمعي صوتا شاذا في اوساط القيادات المسيحية التي تهتم بمسألة البحث عن ذلك المشترك مع (الآخر) المسلم. بل ان هناك طائفة من المفكرين والعلماء المسيحيين الذين يسهمون بقوة في اتجاه السعي نحو التواصل بدل البحث عن عوامل الاختلاف وافتعال الاشتباك والتصادم. هؤلاء كذلك انصفوا الفكر الاسلامي حيث نوهوا بدوره الحضاري, ودعوا الى التواصل معه تحقيقا للصالح الانساني العام والمثير ان الفاتيكان نفسه قد دعا في رمضان العام الماضي الى ميثاق سلام بني الطرفين وقد عبر عن ذلك الكاردينال النيجيري فرانسيس ارينزي رئيس المجلس البابوي للحوار بين الاديان الذي قال: يمكننا كمسيحيين ومسلمين ان نتعاون لنعطي المزيد من الاصل للانسانية, لكن علينا ان نقبل بأن يكون احدنا مختلفا عن الآخر, وان يحترم بعضنا البعض ونحب بعضنا البعض فعلا تحت انظار الله الذي يلفنا برحمته. يضاف الى ما تقدم, تلك الاشارات الصادرة عن العلماء المسيحيين بشأن الاسلام ورموزه ولعل من ابرز هؤلاء ممن وقفت له على شيء من ذلك القبيل, الدكتور الانبا يوحنا قلته, الذي كتب في العام الماضي مقالا نفيسا عن شخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام تمنيت لو ان عددا ممن ينتسبون الى الاسلام قد اتوا بمثله. مما ورد في مقاله: لم يسمع الشرق او الغرب, الشمال او الجنوب عن محمد الا حين دقت وفوده ابواب الشعوب والملوك لتعلن لهم: جاء دين جديد يقول انه امتداد وتكملة لمن سبقه, عقيدته ان محمدا بن عبدالله بعث للناس نبيا, يحمل دينا جديدا, ويحمل وحيا منزلا. وقال مخاطبا الرسول عليه الصلاة والسلام من انت يا ذا المهابة والجلال بالنسبة لي انا المسيحي؟ من انت يا صانع حضارة نقلت البشرية من عالم الى عالم وارست قواعد للدول وللشعوب؟ من انت ايها الآتي من قلب الصحراء من قلب الامية والجهل؟ من القاع من سقط الشعوب القديمة من اسرة فقدت الوالد, من قبيلة عبدت المال والتجارة, من انت يا انسان, يارجل, يارسول؟ كلام الانبا يوحنا قلته يتصف بأنه مثال ايجابي لتقدير الاسلام ورموزه وهو كذلك في الاشارات الايجابية الواردة في كتابات مسيحيين آخرين من امثال القس اكرام لمعي والدكتور جون اسبازيتو والدكتور برنارد وايز وغيرهم من العلماء المتخصصين في شؤون الاسلام ومقارنة الاديان وكل ذلك يلتقي بالتأكيد مع خصائص الاسلام وطبيعته, حيث انه مع دعوته الى الايمان بالله الواحد الاحد, واتصاف اتباعه بأمور معينة فإن هناك مساحة كبيرة من التسامح مع المختلفين معه في عقيدته فهو لا يضيق بالثقافات الاخرى ولا بأتباعها, بل يتسع صدره ليستوعب الجميع في دلالة واضحة على عموم هذه الرسالة وانسانيتها. مدير جامعة زايد بالانابة