منذ سنوات صعدت الجبل في بيروت لألقى سيدة لبنان الاولى .. الخجولة (نهاد حداد) وشهرتها فيروز ... كنت اسعى الى صياغة تعريف جديد للابداع وانا في حضرتها ... خاصة وانا اعطيها صوتي في اي انتخابات سياسية ... ولا أعطيه لمن يلعب كالحواة باسم الناس ... فيوهمنا بتحويل النحاس الى ذهب ... واخراج الارنب من القبعة .. وفي النهاية نجد انفسنا امام حساء الحجارة المغلية .. كما في قصة العجوز الفقيرة واطفالها الجائعين وعمر بن الخطاب. (الابداع هو ذلك الفن الخارج على القانون ويعكس قيم الحق والحب والحرية ... هو ذلك الزلزال الاستثنائي الذي يأتي ويرحل تاركا وراءه رغيف خبز وزهرة وعرائس ملونة واشخاص يقدرون على رؤية المستقبل ... هو اليد المدهشة التي تعيد ترتيب الاشياء ... هو الجنون الوحيد الذي لا يستطيع انصار القسوة ان يأخذوك بسببه الى مستشفى الامراض العقلية ... ولا يستطيعون ايضا ان يتركوك مع المجتمع حتى لاتغيره) . لكن .. فيروز اضافت .. ان الابداع بالنسبة لها هو الشغل طوال الليل والنهار ... فليس في الحياة اروع مما تفعل .. الغناء والموسيقى ... لا الحياة الاجتماعية تغريها ... ولا بريق المجوهرات يسحرها .. انها في حالة صلاة لاتنقطع .. وقد بدا ذلك واضحا ونحن في بيتها البسيط ... المتواضع ... المغطى بالايقونات والاسطوانات واللوحات .. انه بيت راهبة تعشق الفن ... وثيابها ثياب امرأة صوفية تقوى على تلخيص الدنيا في كلمة او جملة موسيقية. وقد اختارت عاصي الرحباني اماما وصوفيا ومبدعا وزوجا وابا لابنائها الاربعة .. وكان عاصي - الذي بدأ حياته شرطيا ليكسب عيشه - قد قرر هو وشقيقه منصور ان ينقلبا على الاغنية الشرقية الطاغية التي فرضها منذ بدايات القرن سلامة حجازي وعبده الحامولي.. فدخلا إذاعة (الشرق الأدنى) في بيروت في عام 1945 مزودين بلونهما الفني الجديد.. بعد أن أعلنا إيمانهما بالمسلمات الثلاث التي كرسا لها كل أعمالهما وهي: الله والإنسان والوطن.. ووجدا في حنجرة فيروز ــ التي التقيا بها بعد عامين ــ اجمل فترينة للعرض. برحيل عاصي ــ الذي صرعه المرض ــ عام 1968 واصل منصور مهمة مطاردة الابداع الذي يعرف أنه لا يهدأ ولا يكبر ولا يطيع الحكومة ولايسمع كلام أبويه ولا يتخلى عن جنونه وجنوحه وعلب ألوانه ولايتنكر لصداقة البحر والسحر والشجر.. والفقراء.. البسطاء الذين لايملكون إلا الرد على الذين يسرقون أيامهم وأحلامهم والكحل في عيونهم.. بالكلمات. وعلى مسرح الأوبرا في القاهرة قدم منصور الرحباني مؤخرا مسرحيته الموسيقية الساحرة (آخر أيام سقراط) ليضع ــ على حد قول مدير الأوبرا المايسترو مصطفى ناجي ــ المبدعين المصريين في حرج أو لعله يستفزهم ويحرضهم على خلع ثياب الاستسهال التي استراحوا فيها.. فها هو مبدع لبناني قادم من وطن محترق بنيران اسرائىل والطائفية والحرب الاهلية يعلن ان الكلمة غير قابلة للقسمة.. وكذلك الحقيقة.. وان الدم هو حبر الحرية. وان المبدع الذي يخاطبنا في هذه المرحلة المليئة بالفوازير والكلمات المتقاطعة هو مبدع هارب من الجندية.. مثله مثل معظم مبدعينا الذين اصابهم الترف والترهل واستسلموا لابداع (البيتزا) و(السوفت كريم) ولم يجدوا قيمة يمكن تقديمها تفوق فلسفة (كامننا) و(كاجولوه) .. ولم يجدوا قضية تشغلهم وتشغلنا معهم اهم من قضية.. من له الحق في عرش الكوميديا الآن؟.. وراحوا يفتشون في كتب السحر عن سر الثلاثين مليون جنيه التي حققها فيلم (صعيدي في الجامعة الامريكية) ليكرروا الخلطة السرية ويضيفوا عليها التوابل والبهارات. وانا لست ضد ان نفعل ذلك وأكثر.. بشرط أن يكون الى جانب أي عمل فني من هذه النوعية التي تنافس أكياس (الشيبسي) وعلب (اللبان) أعمال فنية على مستوى (آخر أيام سقراط) .. أو بشرط ان نكف عن الصداع المزمن بالريادة والسيادة الفنية.. أو بشرط أن نعترف بأن خيول الابداع المصرية لم تعد قادرة ــ إلا فيما ندر ــ على الصهيل والركض بمهارة وحضارة.. وأن هذه الخيول لم تعد تصلح الا لجر عربات الجاز ونقل البطاطس والطماطم وحمل النساء والاطفال في الأعياد الى المقابر. لقد ضاعت خيول الابداع الاصيلة مع الخيول الهجينة واصبح علينا استيراد الطعام والثياب والمسرحيات والمطربين ان مسرحية (اخر ايام سقراط) بكل مافيها من جرأة وشجاعة وموسيقى والحان وكورس وكمبارس واستعراضات مبهرة لم تتكلف مايتكلفه شريط (كاسيت) واحد لمطرب من مطربينا الذين يملأون الدنيا صخبا وسخفا, وارجوا ان تصدقوني لو قلت لكم ان بعض هذه الشرائط تصل تكلفتها في بعض الاحيان الى ثلاثة ملايين جنيه دون ان ينسى اصحابه ان يكون القبض بالدولار والرقم قابل لان يصل الى الضعف بعد دخول بعض رجال الاعمال الذي يسعون الى الشهرة في المزايدة, وما الذي يهمهم مادامت البنوك والعاب البورصة قادرة على منحهم المزيد من المال بلا حساب ولاعقاب او عتاب؟ خاصة وان ثقافة اغلبهم تصل بالكاد الى مستوى ايديولوجية المفكر مصطفى قمر وزميله في العبقرية محمد فؤاد,ان مايدفع في شريط اغاني واحد ـ لايضيف سوى الصداع والتلوث والتخلف ــ يمكن ان يقيم اكبر دار نشر او ينفق على اقوى عرض مسرحي.. او ينتج فيلما يضاعف من احترام العالم لنا ولا احد يقول لنا في ثقة الحكماء الخبراء وكأنهم قد فضحوا سر الذرة: (هذه رغبة الجمهور) فالجمهور الذي يخفون سخافاتهم وراءه لايتردد في ان يجري وراء اي عمل فني محترم يجمع بين المتعة والقيمة, وراجعوا ايرادات اشهر الافلام الاجنبية وراجعوا شباك الحجز في عروض الاوبرا.. المشكلة ان الغالبية العظمى من مبدعينا قد دخلوا بيوت الطاعة وسلموا العصمة الفنية التي كانت في ايديهم الى تجار الخردة والصفيح وتحولوا في بيوتهم الى (بيبي ـ سيتر) ولم يعد الواحد منهم يفكر الا في الراعي او (الاسبونسر) الكلمة المدمرة التي ادخلت الابداع غرفة (الانعاش) ومزجت بين شكسبير والمبيدات الحشرية... وبين ام كلثوم والمياه الغازية.. وبين اوبرا عايدة والرقصات المنزلقة على انغام اعلانات المسلي الصناعي لقد نسى المبدعون ان الابداع لايمشي بجانب الحائط يطلب السترة والمغفرة وانه ليس رقائق من العجين يصنعون منه (الجاتوه) انه دائرة النار التي ندخل فيها ولانعرف اذا كنا سنخرج منها ام سنتحول الى رماد؟ كل مبدع لايعرف هذه الحقيقة خير له ان يقعد في البيت ويمارس الاعمال المنزلية كأية خادمة سيرلانكية. ونحن لسنا بحاجة الى مبدعين سيرلانكيين يمسحون الارض او يمسحون كرامتهم لقاء حفنة من الدولارات نحن في حاجة الى مبدعين من الطراز الذي يصفه نزار قباني بأنه يتوضأ قبل ان يلامس الورقة وان يخلع نعليه قبل ان يدخل عليها (ان الورقة ليست حانة.. ولاملهى ولا سوقا للأوراق المالية .. ولا مزادا علنيا للمغامرين والمضاربين .. الورقة هي بيت المبدع .. فإما أن يحول هذا البيت إلى بيت عبادة .. أو بيت دعارة) . المبدع الذي نفتقده الآن هو الذي يأخذ في المدرسة درجة صفر في المواد التجارية والمالية .. والحساب .. هو الذي يبيع ملذات الدنيا بقشرة بصلة .. هو الذي يكتب على قماش كفنه .. ويأتي حسابه من البنك وعليه تأشيرة بالقلم الأحمر (مديون) .. ويمنحه الفاسدون والفاشيون والمجرمون لقب (ملعون) .. أما الناس التي ينذر لها حياته وإبداعه فترسل له باقة حب وباقة حرية. وقد أرسلت باقة حب وباقة حرية إلى منصور الرحباني بعد أن خرجت من عرضه المسرحي .. فقد أحسست بأن هناك في عالمنا العربي من يصر على احترام نفسه واحترامنا .. وإن لم أغفر لدار الأوبرا ــ التي جاءت بهذا العرض الجميل ــ أنها تركت في مدخل المسرح الكبير من يبيع (الطرشي) و(المخلل) .. نعم هذه حقيقة في زمن (الأسبونسر) .. الطرشي والمخلل في مدخل أهم مكان للعروض الفنية .. مع كل الحب والتقدير للمايسترو مصطفى ناجي الذي أوصل عروض الأوبرا الراقية إلى المحرومين منها في أقاليم الدلتا والصعيد. عرض منصور الرحباني يدور في (أثينا) ولكن عينه على عصرنا وواقعنا ... فهو يحاكم الديمقراطية الوهمية التي ينفذها (كريتياس) عميل أسبارطة بعد أن يتولى حكم (أثينا) .. وطن الفكر والفسلفة تحت قوة الغزو الأجنبي .. وبمباركة الوزارة التي ألفها من الثلاثين وزيرا وعرفت بحكومة (الطغاة الثلاثين) .. والتي راحت توافق على قرارات الحاكم العسكري بعد تنفيذها .. إنها مثل أي حكومة فاشية .. ضد كل الألوان .. وكل الأصوات .. وكل الروائح .. فهي لا يطربها إلا صوتها .. ولا يمتعها إلا اللون الأحمر .. لون الدم .. ولا تخدرها إلا رائحة الموت .. ورائحة الفساد. وحده سقراط الذي رفض الاقتناع بفضائل الصمت .. واستمر في المقاومة .. لأنه يعرف أن تسليم جسده إلى أطباء (كريتياس) يعني دخوله غرفة العمليات وتحوله إلى أنثى .. لقد ظلت عذرية وعفوية سقراط بخير .. وراح يمشي في الساحات العامة داعيا للمقاومة والتغيير .. وبخروج الاحتلال الأجنبي سيطر التجار ورجال المال والأعمال على الحكم.. وادعى أغناهم (أنيتوس) أن سقراط هو سبب البلاء.. فهو لا يزال يدعو الى التغيير.. يريد الصناع لا التجار.. يريد الفقراء لا الأثرياء.. يريد التوحيد لا تعدد الآلهة.. ويطالب (أنيتوس) بمحاكمة سقراط.. دون أن يعلن الأسباب الحقيقة.. كذلك غيرة (أنيتوس) وحبه لها.. إن الثروة والغيرة والهزيمة تبحث كلها عن ضحية سمينة تقدمها كبش فداء لإبقاء الأمور على ما هي عليه.. وليس هناك أفضل من سقراط الذي تستعمل السلطة (الفيتو) ضد كلماته وأقواله.. والذي صارت الكلاب البوليسية تعرف رائحة حروفه عن ظهر قلب.. ان طاقته الفكرية والروحية والفلسفية الهائلة أصبحت سلطة تتقدم على كل السلطات.. ومن ثم لم يعد هناك مفر من محاكمته.. فيا سلطة المفكر.. يا مفكر السلطة.. وقد رفض سقراط الاختيار الأخير.. فدبروا أدانته في المحاكمة.. فعندما يسيطر المال والقلق فليس من الصعب تجاوز القانون وتزوير العدالة.. وكان أن حكم على سقراط بشرب السم. وقد استخدمت زوجة سقراط الغيورة.. سليطة اللسان (كزنتيي) في تكييف التهمة.. إنها تريده أن يترك رسالته ويندمج في الواقع.. ويستفيد منه مثلما يفعل الفلاسفة والمثقفون الذين يبيعون أنفسهم لمن يدفع أكثر.. ويبررون تصرفات السلطة وتعسفها.. وهؤلاء أكثر سوءا من السلطة نفسها.. إن ما فعلته زوجة سقراط.. وما فعله التجار ورجال الأعمال في ضرب الأفكار والحريات تحقيقا لمصالحهم الضيقة يؤكد أن العدو الحقيقي.. والعدو الأخطر.. والأشد شراسة في الداخل.. أقرب إلينا مما نتصور. ولكن.. السلطة التي تعرف ما معنى اغتيال مفكر وفيلسوف سعت إلى اقناع سقراط ــ عبر مريديه ومحبيه ــ بالهرب.. وكانت مستعدة أن تترك له باب السجن مفتوحا ليهرب.. لكنه رفض ألا يدفع ثمن أفكاره ومواقفه.. وقال: (علينا أن نمتلك الجرأة لنعلن عن أفكارنا ونجعلها مطابقة لأفعالنا وأن نلاحقها إلى نقطة البداية التي منها ولدت وندعو الآخرين لنقدها) .. وقال كلمته الخالدة: (الناس أغلى من الحكام) .. ثم أنه يعرف أنه في وطنه مثل الشجرة.. لو أخرجها من تربتها وهرب بها الى المنفى والغربة أصبحت مجرد (لوح) من الخشب.. لا يصلح إلا لصناعة النعوش.. ولا يهز العروش.. ولا يحرك الجيوش. ويشرب سقراط السم.. ويموت مثل الاشجار واقفا.. ليتذكره الناس في كل زمان ومكان كأول الشهداء الذين ماتوا في سبيل الحرية والحقيقة.. ونسى الناس الحكام والتجار والقضاة الذين حكموا عليه بالموت.. والذين كانوا في زمانهم مثل الديوك المنفوشة الريش ليلا ونهارا.. وتظن ان الصباح لا يطلع من دونها.. فالقانون السائد منذ ان خلق الله الارض ومن عليها هو: يذهب الطغاة ويبقى المفكرون.. وقد ذهب (كريتياس) و(انيتوس) و(نيرون) و(هتلر) وبقي سقراط.. وبقيت الافكار.. والاعمال الفنية الجميلة ومنها هذه المتعة الخالصة لمنصور الرحباني وفرقته التي تصر على أن تضيء شمعة في ظلام الجهل والاسفاف والاستسهال.. وعندما نقبل عليها فهذا يعني انه استطاع ان يكون خلال ساعات العرض الثلاث ـ التي لم نشعر بها ــ وجدان هذه الامة وضميرها وصوتها.. وانه استطاع ان يقول: ان التهريج في الفن عمره قصير.. والتهريج في التعامل مع الضمير عمره أقصر. وحين يعجز مبدع عن ان يكون الناطق الرسمي باسم عصره.. فأكيد انه لن يكون الناطق باسم أي عصر آخر.. اما التاريخ فهو أذكى مما نتصور.. واقدر على حفظ الابداع الجيد مما نتصور.. فالتاريخ هو شيخ النقاد.. ومن الصعب رشوته أو التأثير عليه. ولن يرضى عنه التاريخ الا من قال كلمة صدق ولو كانت جارحة ورفض فنون الغش والنفاق ومسح الجوخ.. مهما كان مسليا ومريحا.. وليس صحيحا ان الجمهور المصري يفضل ان يتحول عقله الى (ايس كريم) قابل للحس.. فأنا واثق انه يحب من يحك له جلده.. ولو بقسوة.. ولا سيما انها قسوة تنطلق من الحب والحرص.. ولكنه محاصر في كل مكان.. محاصر بالفوازير.. والمسلسلات المعادة والبايتة.. محاصر بجوار (طرشان) بين الحكومة والمعارضة في القضايا القومية الكبرى.. مثل مشروع (توشكي) .. فلا نفهم ما تقوله وتستند اليه المعارضة من ادعاء.. ولا نفهم ما ترد به الحكومة من دفاع.. وكأن الوطن قد خلا من جهات علمية محايدة قادرة على حسم هذه البلبلة.. محاصر بأفلام واقلام تنهار مقاومتها امام تجارة الوهم.. محاصر بموسيقى تنافس الصخب في شوارع القاهرة.. محاصر بمسرحيات اشبه بكباريهات زمان الرخيصة.. محاصر بكتب الفضائح والسحر والشعوذة وعذاب القبر.. فأين المفر؟.. وكيف ننقذ عقل هذه الامة من هذا البلدوزر الذي يسحقه؟.. وما هو مصير عقل بشري لا تقدم له كل يوم سوى (حزمة برسيم) ؟. كاتب وصحفي مصري