ربما يعتقد القارئ أن هناك دولاً محدودة تعاني من العقوبات الأمريكية ضدها, وذلك حسب ما يتم تداول أسماء هذه الدول في الأخبار اليومية, كالعراق وليبيا وكوبا مثلاً, فيما الحقيقة أن هناك حوالي 30 دولة في العالم تتعرض لعقوبات وهناك حوالي 30 دولة أخرى مرشحة للعقوبات ضدها في أي وقت . ومن المفارقات أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون فرض في ولايتيه العقوبات 60 مرة منذ العام ,93 وهو معدل لم تفرضه أمريكا طوال تاريخها بما في ذلك أيام الحرب الباردة, حيث لم تزد حالات العقوبات منذ عام 45 حتى عام 93 على 40 حالة, ما يجعلنا نفترض ونحن على ثقة بأن بيل كلينتون كان مشغولاً على الدوام بأمرين مهمين في حياته الرئاسية هما: العقوبات ومونيكا. طبعاً الدول التي تخضع للعقوبات حالياً تمتد من أفغانستان وكمبوديا وبورما والصين وفيتنام والهند وأندونيسيا وباكستان وإيران وكوريا الشمالية شرقا مروراً بالعراق وأنجولا والكونغو وجامبيا وليبيريا وموريتانيا وليبيا ونيجيريا والسودان وسوريا في الشرق الأوسط وافريقيا وصولا إلى يوغسلافيا وأوكرانيا وجواتيمالا وهاييتي وكوبا شمالا وغربا, حتى لم يعد ركن في الأرض لا توجد فيه دولة لا تشملها عقوبات أمريكية. أما الأسباب فمختلفة ومتنوعة, منها الاتهامات المتعلقة بحقوق الانسان وتشغيل الأطفال الى زراعة المخدرات وتصديرها وصولا إلى الارهاب وتصدير تكنولوجيا الصواريخ والتكنولوجيا النووية وليس انتهاء بالتعامل مع دول وأنظمة معادية واخفاء ذهب اليهود والاضطهاد الديني وغير ذلك, تعددت الأسباب والعقوبات واحدة. غير أن العقوبات للدقة ليست واحدة, فهذه متنوعة أيضاً ومختلفة, من العقوبات الشاملة حتى الحصار والحظر التام كحالة العراق وكوبا إلى أبسط الأشكال كحظر منح تأشيرات دخول لأمريكا لمسؤولين في الدول المفروض عليها عقوبات كحالة بورما مروراً بالطبع الى حالات حظر الاستثمار والتبادل التجاري والاستيراد والحرمان من المساعدات ومنع المؤسسات الدولية من تقديم مساعدات وقروض وتجميد عضوية وهكذا. وبما أن سياسة فرض العقوبات تتمدد وتتوسع في أمريكا بفضل كلينتون والكونجرس الأمريكي معا, من الذين أعيتهم الحيل بعد الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي فما وجدوا حربا يخوضونها سوى العقوبات, فقد كشف عضو بمجلس النواب مؤخرا ان أمريكا تفرض فعلا أو في طريقها لكي تفرض عقوبات على 75 دولة في العالم, من بينها دول تعتبر من أصدق أصدقاء أمريكا مثل كندا والمكسيك, شريكتيها في منظمة (النافتا) ومثل بريطانيا وايطاليا وألمانيا وتايوان وفرنسا. وفي القائمة المرشحة للعقوبات دول مثل أرمينيا وأذربيجان وبنجلاديش وبيلاروسيا وكولومبيا ولاوس وسويسرا وتركيا ودول بحر قزوين ودول الاتحاد الأوروبي, فإذا أضفنا لما سبق ذكره من دول تعتبر صديقة لأمريكا بعض الدول العربية المرشحة لعقوبات من نوع إلى آخر ولأسباب مختلفة كالبحرين ومصر والسعودية ولبنان والمغرب واليمن, نصبح أمام دولة عظمى لا شغل لها سوى فرض العقوبات على الآخرين بحجج وأسباب بعضها وجيه وبعضها ليس كذلك, فتكون فعلا هذه شرطي العالم الذي لا يحتاج لتفويض من أحد لمعاقبة من يراه انه مخالف للقواعد والسلوك والقوانين الأمريكية, سواء كانت هذه تتعلق بحقوق الانسان أو بالمعاهدات أو بالجوانب الاقتصادية, وما يجعل بالتالي من رئيس هذه الدولة العظمى ضابط مركز شرطة, ليس إلا.