السفر والترحال والتنزه, كلها ممارسات يقوم بها الانسان طلباً للتغيير والترويح عن النفس, والبحث عن الجديد والاستئناس بمشاهدة ما لم يشاهده سابقاً, هذا اضافة الى ان السفر والترحال لهما فوائد كثيرة ذكرها الامام الشافعي في ابيات يقول فيها: +++++ 250 وسافر, ففي الاسفار خمس فوائد تفريج همّ, واكتساب معيشة وعلم, وآداب, وصحبة ماجد ----- والسفر اذا كان لتفريج الهم واكتساب المعارف والخبرات والاطلاع على ثقافات الآخرين, كان سفراً في الاتجاه الصحيح الذي تحتاجه النفس والروح والعقل, والفرنسيون في أمثالهم يقولون (من سافر كثيرا, شاهد كثيرا, وحفظ كثيراً ايضاً) فماذا حفظ يا ترى؟ الفرنسيون انفسهم يجيبون بأن (الكون نوع من كتاب لم نقرأ منه الا الصفحة الاولى, عندما لا نكون قد رأينا الا بلدنا وحده) وهذا صحيح بنسبة كبيرة جداً. والسفر كما يقول العرب, (يسفر عن اخلاق الرجال) , أو اخلاق المسافر بشكل عام سواء كان رجلاً او امرأة, ولذلك تناقل الرواة عن عمر بن الخطاب انه سأل احدهم عن رجل فيما اذا كان يعرفه فاجابه: نعم انني اعرفه جيداً, فسأله هل صحبته في سفر؟ فنفى ذلك, هنا قال عمر: اذن فأنت لا تعرفه! ولا يهم وجهة السفر ومدته, كي تعرف اخلاق من تصحبه ويصحبك, وحده تغيير الموطن والذهاب الى آفاق اخرى, وسكنى فضاءات غريبة وبعيدة, تكشف معادن الناس, وطباعهم, ونفسياتهم بشكل عجيب, وقد تفاجأ بأنك قد صحبت شخصاً امدا من العمر, ولازمته طويلاً, لكنك في سفر مفاجىء تتكشف لك امور في هذا الشخص ما كنت تتصورها, فإذا بك وكأنك تعيد اكتشاف صديقك او اخيك أو .. هذه واحدة من فوائد السفر, يمكن ان نسحبها على أنفسنا, فنحن في الاسفار والترحال يمكننا التلامس مع انسانيتنا وشخصياتنا بشفافية وصدق بعيدا عن بروتوكولات الحياة الاجتماعية المعتادة, وطقوس الاعتياد, والروتين, والمكان المعروف, والوجوه المكرورة, والعادات الابدية. وحده التغيير او السفر يجعلك تكتشف حدود نفسك, وطاقات روحك, ومدى قدرتك على التعاطي مع التفاصيل الجميلة والمناخات المختلفة التي يمنحك اياها السفر, ويتيح لك ان تَعُبَّ منها قدرا من الجمال والكشوفات ما كان يخطر على بالك يوماً. الاسفار كما يذكر احد الكتاب على لسان بطلة روايته (هي الجزء الطائش من حياة البشر الجديين, والجزء الجدي من حياة البشر الطائشين) والعبارة تذهب عميقاً في قلب الضرورة, ضرورة كسر المعتاد وقلب الحياة التي صارت ابدية الملامح بكل تفاصيلها, حيث الشخص الجاد يحتاج لشيء من الطيش والصراخ, والطائش الابدي يحتاج شيئاً من الهدوء واكتشاف آفاق ذاته بعيداً عن غربة المدنية وصراخها اليومي. وحده السفر والتغيير يضيفان الوانا اخرى اكثر جمالاً على هذه اللوحة الحياتية التي نُصِـرّ على ان نرسمها احياناً بلون واحد فقط.