احسب ان اختيار عمرو موسى وزير خارجية مصر, انما هو التجسيد الحي الى لمصداقية المعادلة الغائبة (الرجل المناسب في المكان المناسب) , والا لما حاز على اجماع الاستفتاءات الصحفية والشعبية خلال السنوات الاخيرة ورؤى النخب السياسية والفكرية والثقافية باعتباره من انبل الرموز الوطنية والقومية واكثرها استنارة وشجاعة في زمان الردة الرديء, ومن هنا يأتي السؤال الحائر حول اسرار الهجوم السافر الذي يتعرض له, لا نقول من قبل اسرائيل وامريكا, فذلك امر مفروض ومبرر بسبب خوضه غمار ما يشبه الحرب الدبلوماسية الباسلة, دفاعا عن المصالح المصرية والذود عن حياض ثوابت امته وحقوقها المشروعة. لكن غير المفروض ولا المبرر ان تنطلق صواريخ الهجوم على عمرو موسى من قاعدة اعلامية مصرية تنتمي الى الصحافة (القومية) تحديدا عبر اتهامه بكل ماهو على نقيضه من الاوصاف والنعوت السلبية, وتجريده من اخص مميزاته كدبلوماسي مناضل وخلاق على صعيد ادائه للمهام المكلف بها في اطار التوجهات العليا للدولة او تنفيذ سياساتها الخارجية. كان من الطبيعي والامر كذلك ان تلعب الصحافة القومية في مصر دورا ايجابيا عبر صيغ مباشرة او ضمنية في تهيئة الاجواء التي تساعد وزير الخارجية في مهمته, عبر ترميم وتمتين جسور العلاقات مع الدول العربية بوجه خاص وغيرها من دول العالم, والا لما كان الدور الذي يضطلع به المجلس الاعلى للصحافة في اختيار قيادات الصحف القومية من ذوى الخبرة والكفاءة والولاء للتعبير الموضوعي المتوازن عن توجهات الدولة وسياساتها, والدفاع عن قضاياها, والحرص على مصالحها العليا. لكن على مايبدو ان المفروض شيء, والممارسة شيء آخر, والامثلة التي تؤكد على هذا التخبط تجل عن الوصف والحصر, وبينها الاساءة للقيادات والزعامات العربية في الوقت الذي نجح الرئيس حسني مبارك بعد رحيل الرئيس السادات ورغم سريان واتفاقية كامب ديفيد من استعادة مصر مؤهلاتها الحضارية والسياسية لقيادة الوطن العربي, فيما انبرى بعض كتاب الصحف القومية الى اجهاض المساعي الدبلوماسية الحديثة التي قام بها عمرو موسى في مؤتمر القمة الاسلامي الذي عقد بطهران لاعادة اللحمة الى العلاقات المصرية الايرانية, ايذانا باعادة تصويب توازنات القوى الاقليمية في المنطقة, اثر التحالف الاستراتيجي بين تركيا واسرائيل, في الوقت الذي باتت عليه العلاقات السعودية الايرانية سمنا على عسل. نكأ الجراح اذن لن يكون بحال سوى اجترار تراكم رصيد الاخطاء التي ارتكبتها اقلام بعينها في الصحف القومية في حق سياسة مصر الخارجية, والسحب على المكشوف من دورها الريادي والقيادي, اذ كيف والامر كذلك يستطيع رأي وزير الخارجية قيادة الدبلوماسية المصرية وسط هذا الموج العاتي من التخبط, وهو يدافع عن استقلالية الارادة المصرية في مواجهة الهجمة الشرق اوسطية ومحاولة فرض الهيمنة والتبعية الامريكية, وكيف يتسنى له الدفاع عن القضية الفلسطينية والحقوق السليبة, وتلك الاقلام الطائشة لاهم لها سوى تفتيت التضامن العربي والتعلق باوهام وأذيال التطبيع مع اسرائيل, او اختزال الازمة العراقية في دفع مصر الى الانسياق وراء المخطط الامريكي البريطاني الاسرائيلي الرامي لعزل صدام حسين فحسب بصرف النظر عن المهمة القومية العاجلة لانقاذ الشعب العراقي من محنته. ورغم انني لم اجر حوارا واحدا مع عمرو موسى منذ ان تولى منصبه, ولم احصل منه على مجرد خبر واحد, إلا انني أستطيع الشهادة له بأمانة وتجرد على انه الرجل المناسب في المكان المناسب حتى قبيل اختياره وزيرا للخارجية بنحو أربعين عاما, حين التقيته صدفة في المخيم الصيفي لطلبة جامعة القاهرة على شاطئ (عجيبة) بمرسى مطروح عام 1956, وكان قد انتقل إلى السنة الثالثة بكلية الحقوق. أذكر الآن جيدا أننا استمعنا إلى خطبة الرئيس جمال عبدالناصر, التي أعلن فيها قراره التاريخي بتأميم قناة السويس, وليلتها تأجج حماسنا فرحا وزهوا وطنيا عارما, لكنني لاحظت عمرو موسى وقد استسلم إلى تفكير عميق أشبه بالوجوم ونحن نناقش أصداء الحدث من كافة زواياه حتى ساعة متأخرة من الليل, وفجأة انطلق يقول في عبارات مرتبة تشي بمخاوفه وتوقعاته للعدوان على مصر على غرار ما صارت إليه إبان حكم محمد علي, إلى حد تحالف الدول العظمى على تجريده من انتصاراته واجهاض مشروعه القومي والزامه بالتقوقع في حدود مصر وتقزيم دورها في المنطقة. بعدها توثقت بيننا عرى الصداقة ومتابعة مشواره الحياتي عن قرب, إذ كان الأول دائما خلال سنوات الدراسة بكلية الحقوق واكثرنا اقبالا على قراءة الشعر والأدب وكتب التاريخ وأكثرنا دقة في تنظيم شؤونه الخاصة, وشغفا بالحوار حول التطورات السياسية في مصر وفي العالم, واذكر انه دعا جمعاً أصدقائه لزيارة مسقط رأسه في قرية (محلة مرحوم) بمحافظة الغربية بمناسبة تخرجه, حين دار بيننا الحديث حول اختياراتنا للعمل المناسب أو الوظيفة التي تروقنا, وقال بلا تردد: سوف لن أرضى بديلا عن العمل الدبلوماسي, والغريب أنه لم يمض سوى أسبوعين حتى زف إلينا خبر تعيينه في وظيفة قانونية بشركة مياه القاهرة, ثم لم يمض سوى عام إلا وقد أخذ أهبته للنجاح بامتياز في امتحان الملحقين الدبلوماسيين بوزارة الخارجية, وبعد سنوات كان قد تخطى دفعته وأصبح أصغر من تولى رئاسة أهم ادارات الوزارة وهي (ادارة الهيئات) , ثم أصغر من ترأس وفد مصر بالأمم المتحدة, ثم أصغر سفير في الهند..إلخ. كان عمرو موسى دوما رجل المهمات الصعبة, وقد أتيح لي صحفيا مواكبة بعض انجازاته الدبلوماسية المحققة, عندما اصطحبه ممدوح سالم رئيس الوزراء إلى الرياض لحل اشكالية الخلاف مع سوريا اثر حرب اكتوبر 1973, وبراعته في الدفاع عن موقف مصر خلال موقف مؤتمر القمة الإسلامية الذي عقد بالكويت, واستعادة عضويتها في منظمة المؤتمر الإسلامي, وحتى كان اختيار الرئيس مبارك له خلفا للدكتور عصمت عبد المجيد في وزارة الخارجية والدكتور بطرس غالي في وزارة الدولة للشؤون الخارجية. ليس هذا دفاعا عن عمرو موسى, وإنما شهادة له وعليه, إذ ليس هناك مسؤول فوق النقد, لكن يظل السؤال عن مبررات ودوافع التشكيك المفاجئ في كفاءته وأهليته للمنصب, في الوقت الذي لا يزال موضع ثقة الرئيس والرضاء الوطني والقومي, أم ان صراع الادارات ومراكز القوى بدأت تطل برأسها من جديد.