يشير مفكرون من العرب, في سياق تناولهم للحالة السياسية الاجتماعية في العالم الغربي وفي العالم العربي, الى تمتع السكان في الدول الغربية الديمقراطية بقدر كبير من الحرية في الافصاح شفاهة أو كتابة عن فكرهم وفي اتخاذ الموقف من شتى القضايا. ويشير اولئكم المفكرون الى انعدام مثل هذه الحرية في بلدان العالم الثالث عموما. ولا اظن ان أحدا مطلعا يخالف هذا القول. غير انه من اللازم, عند تناول موضوع توفر الحرية او عدم توفرها وعند عقد المقارنة بين البلدان الغربية وغير الغربية, ابداء بعض الملاحظات حتى يكون التناول لهذا الموضوع اكثر توازنا وموضوعية. ينحي قسم من المفكرين العرب وغير العرب ــ وخصوصا المفكرين من الغرب ــ باللائمة عن هذه الحالة ــ حالة عدم توفر الحرية في العالم العربي كما تتوفر في دول غربية ــ على العرب انفسهم. ووضع اللوم بالكامل على العرب فيه قدر كبير من التجني والتعسف. والحقيقة هي انه توجد عوامل من داخل المجتمع العربي ومن خارجه مسؤولة عن هذه الحالة. هذه الحالة لم تنشأ بين عشية وضحاها. انها نتاج عملية سياسية ــ اقتصادية ثقافية دامت قرونا طويلة وتفاعلت فيها العوامل الداخلية والخارجية الديناميكية. وكان التدخل السياسي والاقتصادي والعسكري الغربي ولا يزال عاملا هاما جدا في ايجاد هذه الحالة. وتقل المجتمعات التي لا تتعرض لعوامل التأثير الخارجية, اذ ان المجتمعات تتعرض عادة لتأثير هذه العوامل. غير ان هذه العوامل تختلف بعضها عن بعض ضعفا وقوة في مدى تأثيرها في المجتمع. وفي العهود الأخيرة التي شهدت اختراع الراديو والتلفزيون والتلفون والفاكسيميلي والكمبيوتر والانترنت اصبح تأثير العوامل الخارجية في شؤون المجتمع المتعرض للتأثير بالغا. ومن العوامل الداخلية في ايجاد هذه الحالة طبيعة التنشئة العربية التي هي تنشئة بطريركية (ابوية) بالمعنى السوسيولوجي, وتدني مركز المرأة القانوني ــ وهو التدني المسؤول على الاقل جزئيا عن تدني مركزها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمهني والقراءة العربية او التفسير العربي لكثير من المفاهيم الاجتماعية والتراثية عبر التاريخ, مفاهيم من قبيل الاجتهاد ودور الانسان على وجه الأرض والتخيير والتسيير. وكما اسلفنا, نشأ على مر القرون تفاعل نشط مستمر بين العوامل الداخلية والخارجية. وبسبب هذا التفاعل الطويل من الصعوبة البالغة, ان لم يكن من المستحيل, فصل اثر العوامل الخارجية عن اثر العوامل الداخلية. وبالتالي, لا يمكن في حالة استحالة الفصل ان نعزو على وجه التحديد مكونات الحالة القائمة الى العوامل الخارجية والعوامل الداخلية, ولا يمكن بالتالي, ان نعزو على وجه الدقة المسؤولية عن هذه الحالة الى المجتمع العربي او الى الدول الأجنبية. ويمكن لاي مجتمع من المجتمعات ان ينظم ويطور افراده, إذا لم يتعرض مجتمعهم لتأثيرات خارجية قوية, وإذا توفر المناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي المؤاتي لذلك, وإذا اشتملت الخلفية التاريخية والتراثية والسياسية على مفاهيم الديمقراطية والحرية, المجتمعية على أسس ديمقراطية وعلى الأسس التي تتيح الاستمتاع بالحرية وبحقوق الانسان. والتراث السياسي والفكري العربي الاسلامي حافل بمفاهيم الحرية والديمقراطية من قبيل الشورى والحرية, وهو المفهوم الطبيعي الذي يتضمنه قول الخليفة الصالح عمر بن الخطاب (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا) . ودعا الفكر السياسي العربي الى اعتماد الديمقراطية اساسا للبلدان العربية المستقلة او التي كانت ساعية الى الاستقلال, وهي الحرية التي ينشدها الوطنيون العرب. وعلى الرغم من ذلك فان تأثير العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية الغربية اسهمت اسهاما ذا شأن في افساد تطور المجتمع العربي صوب اشاعة الديمقراطية في الوطن العربي وفي اضعاف التطور السياسي باتجاه الديمقراطية. وتحتاج المجتمعات, لتصحيح مسار تطورها السياسي والاقتصادي ولاتخاذ الاتجاه الذي يريده لها افرادها, الى القدر الممكن تحقيقه من الانتقاد الموضوعي السليم الهادف البناء. ولا يوجد في العالم مجتمع لا تشمل حياته جوانب سلبية وجوانب ايجابية. والمجتمعات كلها, الغربية والشرقية والجنوبية, انما تختلف بعضها عن بعض في مدى سلبية او ايجابية جوانبي حياتها. ويقوم منتقدون عرب وغير عرب بانتقاد المجتمع العربي, مؤكدين على الجوانب السلبية ومهملين الجوانب الايجابية في حياته. وحينما يجري الكلام عن المجتمعات الغربية يجري التأكيد احيانا غير قليلة على الجوانب الايجابية ويقل ذكر الجوانب السلبية في حياتها. ولهذا اللاتوازن في الرؤية والعرض اسباب, منها تأثرهم بالكتابات الغربية عن العرب وعن الغرب وعيب منطلقاتهم الفكرية في عملية النقد وانبهارهم بوجوه الحضارة الغربية. وليس تناول اسباب هذا اللاتوازن موضوع هذا المقال. وقد نعود الى دراسة هذا الموضوع في كتابات لاحقة. انما اريد قوله ان هذا التركيز على الجوانب السلبية في الحياة العربية واهمال ذكر الجوانب الايجابية فيها يشيران الى عيب اللاتوازن في العرض والى التحيز المقصود أو غير المقصود أو كليهما ضد العرب والى الضحالة الفكرية ومركب النقص الذي يعشش في عقول وقلوب البعض منا.